خامنئي متفادياً عبد الناصر – نديم قطيش – الشرق الأوسط

 

تتعدد زوايا النظر إلى العرض الذي قدمه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حول الملف النووي الإيراني الاثنين الماضي. أهم الطعون بمادة نتنياهو، أن لا جديد فيها يستأهل أن يقوم رئيس الوزراء شخصياً بعرضها للرأي العام، وبالشكل الذي تم عرضه، من قلب وزارة الدفاع الإسرائيلية.




منذ اللحظات الأولى وفيما كان نتنياهو يقدم للرأي العام الإسرائيلي والعالمي، تفاصيل ما وصفه بـ«أحد أعظم إنجازات الاستخبارات الإسرائيلية»، توالت الردود عليه، بأن ما يقدمه لا يعدو تفاصيل إضافية عن حقائق معروفة سلفاً حول برنامج إيران النووي؛ لا وقائع جديدة تساهم في تغيير المواقف من هذا الملف أو تعدّلها بأي شكل من الأشكال. الأوروبيون كانوا أول من استنفر للتخفيف من وقع مؤتمر نتنياهو الصحافي، انسجاماً مع أنهم الأكثر تمسكاً بالاتفاق وعملاً على إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعدم الخروج منه، كما تشير محاولات «إمبراطورية ميم» الأوروبية: الألمانية ميركل، والبريطانية ماي، والفرنسي ماكرون! لم تشذ دوائر مؤثرة ضمن النخبتين السياسية والأمنية في إسرائيل والولايات المتحدة عن هذا الموقف الذي لا يرى جديداً في «عرض نتنياهو». المدير السابق لـ«سي آي إيه» مايكل هايدن قال إن ما بحوزة إسرائيل من معطيات يؤكد ما توصلت إليه الاستخبارات الأميركية منذ أكثر من عقد من الزمن. ومثله عدّ الرئيس السابق لجهاز الموساد والنائب العمالي السابق داني ياتوم أن لا جديد في المعلومات المعروضة، لا سيما أنها تتعلق بمرحلة ما قبل عام 2015، أي ما قبل التوقيع على الاتفاق بين إيران ودول مجموعة «5+1». حتى البيت الأبيض، سارع إلى تصحيح بيان صادر عن السكرتيرة الإعلامية تعليقاً على مؤتمر نتنياهو وجاء فيه أن إيران «تملك برنامجاً نووياً عسكرياً»، والصحيح أن «إيران امتلكت (بصيغة الماضي) برنامجاً عسكرياً»، بحسب الرئاسة الأميركية.

غياب عامل الجدة عن المادة التي عرضها نتنياهو هو ما تلقفه اللوبي الإيراني في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وقذفه إلى واجهة النقاش مغيباً جانباً آخر من القصة، يعني إيران مباشرة، وقد لا يعني بقية العالم بدرجة الأولوية نفسها.

المادة التي عرضها رئيس الوزراء الإسرائيلي، عبارة عن نصف طن من الوثائق، يفوق تعدادها المائة ألف وثيقة، جرى تهريبها في ليلة ليلاء مطلع العام الحالي، من مبنى في ضاحية شوراباد جنوب طهران مباشرة إلى تل أبيب! اكتشف المبنى في فبراير (شباط) 2016، وتم رصده بكل الوسائل المتاحة لإسرائيل، لمدة سنتين قبل تنفيذ العملية، التي لا بد أنها تضمنت تجنيد أشخاص من العاملين في المبنى.

نجاح الموساد الباهر في هذه العملية إهانة كبيرة لإيران، وصفعة مدوية لنظامها، وهو ما حاول اللوبي الإيراني تفادي النقاش فيه أو التعليق عليه، مفضلاً الانخراط في السجال الغربي مع إسرائيل حول جدة المعلومات أو عدم جدتها. فقد ردّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في تغريدة على موقع «تويتر»، قبيل كلام نتنياهو، بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي «كالولد الذي لا يستطيع التخلي عن عادة الراعي الكذاب، ومرة أخرى سيمارس عادة الكذب»، ولم يخبرنا بعد الاطلاع على المؤتمر عن موقف بلاده من الاختراق الإسرائيلي الضخم للأمن النووي الإيراني، دعك من إهانة السيادة الإيرانية بهذا الشكل والتبجح بها أمام العالم.

أما المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي فقد اكتفى بعد كلام نتنياهو برفض «مزاعم رئيس الوزراء الصهيوني حول وجود برنامج نووي سري إيراني» ووصفه بأنه كذاب فاشل. وعدّ أن «المسرحية الدعائية الهزلية الأخيرة لرئيس وزراء الكيان الصهيوني هي واحد من أحدث العروض المكررة العقيمة والمخجلة حول وجود برنامج نووي إيراني سري»، من دون أن يتطرق إلى المخجل الحقيقي في القصة وهو صفعة الموساد لبلاده وحكومته وأمنها. كشْف نتنياهو عن قنبلته الاستخباراتية، وهي الأهم في ما يعني منطقتنا وإيران وليس المضمون التقني للمؤتمر الصحافي، سبقه قبل ساعات فقط قصف لمواقع في ريفي حماة وحلب يرجح أنه لمصانع ومخازن صواريخ إيرانية يديرها الحرس الثوري الإيراني.

ظل الغموض يلف تفاصيل هذه الغارة، في ضوء تمسك إسرائيل بسياسة عدم الإعلان عن ضرباتها في سوريا ولجوء إيران، كما بشأن عملية الموساد، إلى تجرع كأس الصمت، إلا أن الضربة العسكرية أحدثت هزة أرضية بقوة 2.6 درجة على مقياس «ريختر»، وهو ما يؤشر إلى ضخامة الهدف المقصوف والجهة التي نفذت. كانت هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها إيران مباشرة بعدما قصف الطيران الإسرائيلي في 9 أبريل (نيسان) الماضي قاعدة «تي فور» بحمص التابعة للحرس والتي يستخدمها لتشغيل الطائرات من دون طيار.

بإزاء كل ذلك تتمسك إيران حتى الآن بما تسميه «حق الرد» وعدم الانجرار إلى معركة بتوقيت العدو، مفضلةً الاستنزاف المعنوي المهين والمكلف على دفع تكاليف الحرب في مواجهة إسرائيل.

لا يريد خامنئي أن يكون جمال عبد الناصر في عام 1967، يوم امتحن اللغو الخطابي المديد وسقط في أيام معدودة.