//Put this in the section //Vbout Automation

الأسباب الحقيقية لمنع فيلم رنا عيد في لبنان.. الأمن والمساءلة!

إنها مجرد مراوغة من رقابة الأمن العام اللبناني حين يروّج أن منع فيلم «بانوبتك»Panoptic من العرض جاء بسبب عبارة تقول إن المسجونين في نظارة الأمن العام يمكن أن «لا يحاكموا وينتسوا تحت الأرض»، التي ترد أثناء الحديث عن سجن هو مركز لتوقيف الأجانب المخالفين.

ولو قبلت مخرجة الفيلم رنا عيد بحذف تلك العبارة لاخترعت الرقابة ذريعة أخرى، ولا سيما أن عيد قبلت قبل ذلك بتمويه وجوه رجال الأمن العام والمساجين الذين ظهروا في الفيلم.




الحكاية أن الفيلم يصيب قلب الدولة الأمنية اللبنانية بنقد قاس. فهنالك أولاً التركيز على صورة الجيش كـ «مانيكان»، مجرد دمية، والفيلم لم يخترع تلك الدمية، لقد وجدتْها الكاميرا في احتفال جماهيري حاشد يمجّد الجيش اللبناني، وقد انتصبت تلك الدمية في وسط الحشد مرتدية الزي المعروف للجيش.

كذلك فإن الفيلم (وثائقي إنتاج العام 2017) هو رسالة تخاطب فيها المخرجة والدها الضابط الراحل، تسرد فيها شيئاً من ذكرياتها معه وعنه، ومن بينها كيف ترك الجيش بعد انتهاء الحرب بـ «عفو عام» (وزادت بعدها الثكنات والأجهزة الأمنية)، و «ركض ليزيل صفته كعميد من على باب البيت». هنا تقول الراوية، المخرجة «خلصت الحرب، طلعنا من الملجأ، بس ما طلعنا من تحت الأرض».

أما كيف مات الأب فقد جاء ذلك بعد السابع من أيار/مايو 2008، ما تسميه المخرجة دخول المسلحين إلى بيروت، من دون أن تحدد أن هؤلاء لم يكونوا سوى ميليشيات «حزب الله» التي روّعت شوارع المدينة حينذاك.

تقول عيد إن والدها بدا وكأنه قرر الرحيل، فتوقف قلبه بعد شهر واحد من ذلك التاريخ. واضح إذاً أن الأب الراحل، الضابط في الجيش اللبناني كان لديه احتجاجه الكبير على جيش بلده، ورحل، كما يبدو، احتجاجاً على اقتحام السابع من أيار.

تتطرق المخرجة عيد إلى بعض رموز الحرب الشهيرة، مثل بناية المرّ الشاهقة، التي كانت طوابقها العليا للقناصة أيام الحرب، وطوابقها السفلى للتعذيب. هذا المبنى هو ما تشبهه المخرجة بـ «بانوبتك» : «ما بيغمض عيونه.

بيشبه ارغوس بانوبتك، عملاق الميثيولوجيا اليونانية، كان عنده مية عين، شغلته يراقب. وقت ينام كان يسكّر خمسين عين. ويراقب بالباقي. عملوا سحر لبانوبتك تا يغمض المية عين وقتلوه، البرج بعده واقف.. رجع مركز عسكري».

وتشبّه المخرجة البرج بالجسر الواصل بين قصر العدل ومبنى الأمن العام، ملمّحة إلى أن الجسر ليس سوى خط تماس بديل عن الخط الكائن زمن الحرب. الجسر، كرمز وصورة حاضر ومهيمن طوال الفيلم. بل إن الفيلم يختم تقريباً مع صورة للجسر يظهر فيها برج المرّ مع تعليق من المخرجة: «إكرام الميت دفنه».

لا ينسى الفيلم التطرّق إلى مبنى شهير آخر، هو البوريفاج، مركز المخابرات السورية الشهير، الذي كان فندقاً في طوابقه العليا، وفي السفلى أقبية تعذيب. المبنى يلخص كل المشهدية التي اشتغل عليها الفيلم، حيث هذا التضاد الصريح بين الحياة المتدفقة، الأضواء، الإعلانات، فوق الجسر، فوق الأرض، وحياة أخرى موازية تحت الأرض، في الملاجئ، الأقبية، السجون. إنه عالم كابوسي مصحوب على الدوام بشريط صوتي صارخ ومدمِّر.

هل نستغرب بعد ذلك أن يمنع فيلم ينتقد بهذا الوضوح أداء الجيش (المانيكان حسبه)، تكاثر الثكنات والأجهزة الأمنية، ميليشيا «حزب الله»، والبوريفاج؟ أبداً. المنع الجديد يؤكد أن الفيلم محق في ما يقول، بخصوص الرقيب العملاق بانوبتك، الساهر أبداً على مراقبة اللبنانين و»قصقصة» أفلامهم، وأحلامهم أيضاً.