//Put this in the section //Vbout Automation

ما الذي دفع “حزب الله” إلى رفع شعار “شنّ حرب على الفساد” الآن؟

ابراهيم بيرم – النهار

في عُرْفِ راصدين لخطاب “حزب الله” انه لم يكن مفاجئا لهم ان يكون العنصر الجوهري والعنوان الرئيسي في الاطلالة الاعلامية الاخيرة للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، والمعنونة باعلان البرنامج الانتخابي لمرشحي الحزب للانتخابات النيابية الوشيكة، اطلاق وعد صريح وصارخ بشن حرب لا هوادة فيها “على الفساد والهدر المستشري في البلاد”، ومن ثم التوعّد بتشكيل اطار تنظيمي عملاني داخل الحزب يشرف عليه شخصيا ليتولى حصراً هذه المهمة الشاقة، اذ لا ريب في ان قيادة الحزب، هي الاكثر التصاقا بنبض الشارع وهموم الناس واوجاعها، وطموحاتها القصوى التي في مقدمها مواجهة منظومة الفساد الممعنة نهشاً بجسد الدولة محيلة اياها الى عبء تتسع يوما بعد يوم دائرة الشاكين منها وتكبر شرائحهم المجتمعية لاسيما مع كل تداع لغياب المؤسسات وقصورها.




مسألة فتح خطوط تماس مع “هذا البعبع” (الفساد) ليست حديثة الوفود على التفكير الداخلي في الحزب، فهي حاضرة وتصير اكثر الحاحا انطلاقا من اعتبارات اساسية ابرزها:

– انه مع كل تقدم يحرزه الحزب في شعاراته الكبرى التي نذر نفسه لها منذ التكوين، ومع كل توسع يحققه على نحو يجعله عصب الحياة السياسية في بيئته وفي محيطه الاوسع عموما، فان الانظار تتجه اليه سائلة اياه عن برنامجه الجدي لمقارعة الفساد، وعن توجهه لبناء الدولة المؤجلة وفق برنامج اصلاح وتغيير.

– ان صوت المطالبة والمساءلة هذا كان يعلو بعناد في كل مرة كانت الدولة تعجز عن القيام بأبسط ادوارها، خصوصاً في تأمين التيار الكهربائي والمياه ونعمة الامان والنظافة والانتظام العام في مناطق تعتبر بمثابة معاقل للحزب، سواء في الضاحية الجنوبية (حيث يقطن نصف عدد الطائفة الشيعية) وتحديدا في اطرافها

(بئر حسن، الرمل العالي، محيط صبرا ، الاوزاعي، حرج القتيل، محيط مخيم البرج…)، الى البقاع الشمالي الموضوع دوما على لائحة “المناطق المارقة” او المحاصَرة بشبهة التمرد على النظام العام، فضلاً عن انها ما برحت مدرجة على لائحة “المناطق المحرومة حقا”، في وقت “تحرر” الجنوب من هذه الصفة التاريخية بجهد بنيه الذين ضربوا، بفعل الاجتياحات الاسرائيلية المتكررة منذ عام 1968، في أربع رياح الارض محققين نجاحات ما كان لهم ان يحرزوها لو بقوا لابثين في جغرافيتهم الاصل.

– انه مع كل توتير او احتقان اجتماعي تشهده هذه “المعاقل”، كانت قيادة الحزب تهرب الى الامام من خلال اطلاق خطاب ذي طابع تبريري عنوانه العريض “ان الحزب مستغرق في جبه الخطر الاكبر والمواجهات والقضايا الكبرى ذات الطبيعة المصيرية”، فضلاً عن ان “الاشتباك المفروض مع منظومة الفساد المستشرية تلك من شأنه ان يحرف الحزب عن بوصلته الحقيقية”، كما ان “ما من احد رفع راية التغيير والاصلاح إلا خرج من المواجهة خاسرا حسيرا في مقابل “صمود” الفساد المتجذر الى درجة تحوله جزءا من القيم الاجتماعية العصية”.

وليس جديدا ان كوادر الحزب والمدرجين في عِداد دائرة المنظّرين فيه، كانوا يكثرون في محافلهم الخاصة من الحديث عما آلت اليه في عقدَي الستينات والسبعينات تجربة التحديث والتغيير الشهابية الرائدة من نكوص وخيبة رغم ما احدثته من تحولات جذرية في بنية الاجتماع اللبناني، وفي الاتيان على ذكر بيان “المرارة واليأس” الذي اذاعه الرئيس الراحل فؤاد شهاب والذي برر فيه عزوفه عن خوض انتخابات الرئاسة عام 1970.

لكن التجارب والاختبارات التي مر بها الحزب قسراً منذ الانسحاب السوري من لبنان عام 2005 واضطراره الى التصدي لمهمة داخلية صعبة بعدما صار عصب محوره وفريقه، جعلته يستشعر ان كل ما اكتنزه من رصيد من المكاسب معرض للتبدد والضياع اذا ما استمرت مؤسسات الدولة في خط تداعيها “وآلت الى قبضة الفساد والمفسدين” التي توشك ان تعادل في شراستها وضراوتها “شراسة الدولة العبرية” وفق وصف احد منظّري الحزب.

في السابق، نجح الحزب في النأي بنفسه عن دولة الفساد ومنظومته، إذ حرص على ألا يتولى وزارات من شأنها ان تضعه “خلف قضبان الشبهات” (باستثناء مرة واحدة اضطر فيها الى ان يتولى وزارة الطاقة ولم تتكرر). إلا ان ذلك، على بداهته، لم يدرء عنه شبهة انه “حليف المفسدين او الساكت عن ارتكاباتهم”، وهو بحد ذاته الطريق الاقصر لتوفير ظروف الفساد والسماح بنموه وتجذره وتحوله حالة استعصائية.

وبناء على كل تلك الوقائع والمعطيات، وجد الحزب نفسه اخيرا واكثر من اي وقت مضى مضطرا الى اطلاق شعار الحرب على الفساد وتقديم برنامج طموح ومتكامل يفضي الى بلوغ هذا المقصد، ورد امس على لسان سيد الحزب شخصيا، فضلاً عن ان الحزب بات يدرك ان دولة تنهض على قواعد الفساد والمحاصصة وصراعات مكوناتها واقطابها لتناتش هذه الحصص او الدفاع عنها، من شأنه في خاتمة المطاف ان يبهت من قيمة الشعارات الكبرى التي يرفعها هو او سواه، ويدفع المجتمع في ساعة ما الى متاهة الازمات الاجتماعية والمعيشية المتناسلة.

هل في مقدور “حزب الله” احراز نجاح حيث اخفق الآخرون ممن سبقوه وبنوا الجزء الاكبر من مجدهم وحضورهم السياسي على شعارات مماثلة؟

ثمة من يقول انه في موسم المنافسة الانتخابية يحق لأي كان ان يطرح او يرفع ما يرغب من شعارات ويقدم ما يريد من برامج، وبعد انقضاء الموسم يخلق الله ما لا تعلمون… في حين ان هناك من يقول ان الحزب قدم بهذا البرنامج ما هو بمثابة “براءة ذمة” لشريحة واسعة من جمهوره ملّت تكرار التجارب السابقة وسئمت التبريرات الجاهزة وما بني عليها من تحالفات، وبالتالي اضطر الى ان يقارب الآن منطقة كان يتعين ان يقاربها منذ زمن بعيد جدا. فلم يعد مفاجئا ان ثمة شريحة واسعة من قاعدة الحزب مقتنعة تماما بان “دوامة الفساد ومشروع المقاومة ضدّان لا يمكن ان يتساكنا على ارضية واحدة، اذ ان احدهما سيلتهم الآخر عند اول فرصة سانحة”.