السعودية تنتقل من سياسة الانكفاء إلى الاحتواء في التعاطي مع لبنان

يقدّم السفير السعودي وليد اليعقوبي أوراق اعتماده، الأربعاء، إلى الرئيس اللبناني ميشال عون، بعد أن أعطى نسخة منها الثلاثاء إلى وزير الخارجية جبران باسيل، في خطوة بروتوكولية لكنها تحمل رمزية كبيرة تشي بعودة سلسة للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد توتر ألمّ بها الفترة الماضية بسبب حزب الله وإيران.

يأتي ذلك وسط أنباء غير مؤكدة عن قيام رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بزيارة في الفترة المقبلة إلى الرياض.




وأجّلت الخارجية اللبنانية تحديد موعد للسفير السعودي وليد اليعقوبي المعيّن خلفا لعلي عواض عسيري لتقديم أوراق اعتماده إلى حين قبول الرياض أوراق اعتماد سفيرها المجمّدة منذ نحو خمسة أشهر فيما اعتبره البعض “عملا بمبدأ المعاملة بالمثل”.

وكانت السعودية قد قبلت الشهر الماضي أوراق اعتماد السفير اللبناني لديها فوزي كبارة، بعد تأجيل ربطه متابعون بغضب المملكة من طريقة التعاطي اللبناني مع الوضع الإقليمي، وعجز المكوّنات السياسية المتحكّمة في زمام هذا البلد عن وضع حدّ لتدخلات حزب الله في المنطقة خدمة للأجندة الإيرانية.

ويقول المتابعون إن هذا التململ السعودي ازداد على خلفية أزمة استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري، حينما عمدت الرئاسة اللبنانية ووزارة الخارجية إلى تحريف الأنظار عن الأسباب الرئيسة للاستقالة وهي تدخلات إيران في الشأن اللبناني ورفض حزب الله الالتزام بمبدأ النأي بالنفس الذي نصّت عليه التسوية الأولى التي أنتجت تولي ميشال عون رئاسة الجمهورية وسعد الحريري رئاسة مجلس الوزراء، والتسويق إلى أن تلك الاستقالة فرضت فرضا من قبل السعودية لا لشيء سوى لأن الحريري أعلنها من الرياض لدواعي أمنية.

وعقب الانتهاء من الإجراءات البروتوكولية يباشر وليد اليعقوبي مهامه الصعبة، وسط أنباء عن تبنّي المملكة العربية السعودية استراتيجية جديدة في لبنان تقوم على مبدأ الاحتواء بدل الانكفاء الذي صبّ في صالح إيران وحزبها في لبنان.

ولطالما اعتبر لبنان إحدى أبرز ساحات المواجهة بين السعودية وإيران التي تعمل من خلال ميليشياتها على اختراق المنطقة، وفرض سيطرتها عليها.

وتقول أوساط سياسية إن عودة العلاقات الدبلوماسية السعودية اللبنانية إلى طبيعتها يشكّل خطوة مهمة بالنسبة للبنان على وجه الخصوص، خاصة وأنّ الرياض أحد أبرز الداعمين لهذا البلد، سواء من خلال الاستثمارات التي تقدµر بحوالي خمسة مليارات دولار، أو من خلال تحويلات المغتربين في السعودية والتي تتجاوز 2 مليار دولار، هذا فضلا عن المنح والدعم الذي تغدقه على الأجهزة الأمنية والعسكرية.

وتشير هذه الأوساط إلى أن السعودية ستركّز في الفترة المقبلة على تفعيل تحالفاتها على الساحة السياسية في لبنان وخاصة مع تيار المستقبل، بعد التشويش الذي مورس الفترة الماضية من قبل حزب الله والحلقة السياسية والإعلامية المحيطة به، ومن المرجّح أن يلعب السفير وليد اليعقوبي دورا رئيسيا في هذا الإطار بالنظر إلى العلاقات القوية التي تربطه بأقطاب التيار الأزرق باعتبار أنه سبق وعمل في السفارة السعودية ببيروت.

ومن المرجّح أن تتولّى الدبلوماسية السعودية العمل على إعادة ترميم العلاقات بين حلفائها اللبنانيين التي تأثرت هي الأخرى بالتشويش الذي حصل والمقصود هنا بين المستقبل وحزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب وشخصيات من تحالف 14 آذار.

في مقابل ذلك يرى البعض أنه لن تكون هناك استدارة سعودية كبيرة في التعاطي مع لبنان الرسمي، الذي يسيطر حزب الله وحلفائه على دائرة القرار فيه، وأن المملكة ستسلك في الظرف الحالي سياسة “الصبر الاستراتيجي” مع بيروت، وخاصة وأن هناك ملفات حارقة تشكل محور اهتمامها في الفترة الحالية وعلى رأسها الملف اليمني.

وقال وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، مؤخرا أن بلاده أيّدت عدول سعد الحريري عن استقالته، مضيفا “نحن دعمنا ذلك وسنرى إن قام كل من حزب الله وعون بإعطاء الهامش السياسي للحريري من أجل تطبيق أجندته السياسية”.

وشدد الجبير” نحن نريد لبنان مزدهراً ومستقراً”، متابعا “إن لم يكن لبنان موجوداً لكان ينبغي ابتكاره، فهناك أكثر من 16 أو 17 ملّة تعيش فيه بتجانس وهذا نموذج. وإن لم يكن هناك تجانس وتناغم مع كل هذه الطوائف سنخسر كل الأقليات وسنخسر هذه الثروة لثقافتنا”.

ويرى مراقبون أن عودة العلاقات بين البلدين بالتأكيد سيكون لها أثر إيجابي لجهة إعادة إحياء تحالف 14 آذار خاصة وأن البلاد مقبلة على انتخابات نيابية مصيرية، حيث ستفرز نتائجها من يقود المشهد اللبناني في السنوات القادمة.

ومن المنتظر أن تشهد الأيام المقبلة حركة نشطة بين القوى السياسية استعدادا لهذا الاستحقاق المقرر إجراءه في مايو المقبل.