تحييد لبنان ضرورة استراتيجية – بقلم زينة منصور

زينة منصور

لن تتضح رؤية مشهد الفراغ القادم وازمة الحكم الجديدة في الصراع على السلطة في لبنان محليا واقليميا إلا بعد نضوج التسويات والحلول الدولية والعودة إلى لغة المنطق وعدم أخذ لبنان منصة للهجوم على دول عربية شقيقة . إن تقديم علاقات لبنان العربية على كل علاقة أخرى مسألة منطقية إلزامية. إلا أن تحييد لبنان بات ضرورة وفك إرتباطه بالخارج إذا أراد اللبناني رغم الهيمنة الإيرانية “بالوكالة” العبور إلى بر الأمان بأقل خسائر ممكنة أمام الأخطار الإقليمية المحدقة بالجميع. فشلت التسوية وفشل مهندسو التنازلات الذين غسلوا رؤوس اللبنانيين بالكلام المعسول. حصدوا ما حصدوا وحصد اللبنانيون الخيبة تلو الخيبة من ارتهان طوائف لبنان للخارج. إن البصيرة الوطنية تقضي اليوم بخروج الطوائف اللبنانية من المحاور الإقليمية لأن ذلك لن يخدم مصلحة لبنان الوطن “الجوهرة”.
ما يهم اللبناني الآن حماية لبنان وتحييده من مغامرات زعماء الأحزاب والطوائف وأصحاب المشاريع الإقليمية.




لبنان لم يستسلم بتاريخه لأي محتل أو غازٍ, ولن يستسلم لا لمحتل ولا لرهانات زعماء أحزاب وطوائف, لأن اللبناني استخلص العبر من حياته ودمائه من كل مشاريع الاستقواء والاستفراد والاستتباع وخطف لبنان خارج سيادته واستقلاله وحرية شعبه المقدسة. إن أزمة الحكم اللبنانية المستجدة ليست الأولى ولا الأخيرة بتاريخ الحكم في لبنان, إلا أن التحدي الأهم هو في تحييد لبنان عن لعبة المحاور الإقليمية المتصارعة. لبنان دخل أتون الصراع الإقليمي مراراً واستخدم ساحة وملعبا عبر زعماء او وكلاء, ولقد آن الأوان بوعي جديد شعبي اجتماعي أن ينهض بحقبة شعبية مسؤولة تتولى فكراً حيادياً عن اشتغال المنطقة حفاظاً على الوطن الجوهرة لبنان. من لبنان ينبغي إطلاق فكر الحياد والسلام واتخاذ القرار والمبادرة على هذا المستوى.

كان من الأجدى عدم المغامرة والمقامرة بلبنان والدخول في التسوية الداخلية طالما كانت ستنتهي خلال العام الاول من العهد الرئاسي. لبنان ليس قبعة يتم ارتداؤها او خلعها بحسب مصلحة الاحزاب او الطوائف أو بحسب إملاءات خارجية, لأن السيادة لا تتجزأ وتلك قاعدة تسري على كل العاملين في السياسة. إن السيادة والحرية تعني عدم الارتهان لأي محور إقليمي, فالمحاور الاقليمية قد تتناغم مستقبلا أو تتخاصم, ولبنان ليس ساحة ولا طابة في الملعب الإقليمي بين اللاعبين الإقليمين. من هنا إن كل ما بني على باطل هو باطل وإن أي تسوية تُبنى على باطل لا تصمد وتنتهي نهاية مماثلة. هكذا تذهب التضحيات المجانية لمصالح آنية زبد البحر, وتبقى خطيئة تفكيك محور سيادة لبنان وحريته واستقلاله خطيئة وطنية بحق لبنان واللبنانيين. لقد شبع اللبنانيون مغامرات على طاولة
قمار الدول الإقليمية وشبعوا مقامرة الزعماء بالطوائف وقرفوا من كل التبريرات التي تتصدر المشهد ثم انقلابات لاعبي السياسة على أنفسهم أو على قواعدهم الشعبية او على بعضهم.

خسر اللبنانيون جولة جديدة من جولات السيادة وخطوات الانتقال إلى الدولة, وكأن سيف تهديد مستقبل لبنان سيبقى سيفا مسلطا على أعناق اللبنانيين. من هنا, يبدو أن حلم قيام الدولة ما زال بعيدا وما زال اللبناني يعيش مخاض تفكيك الدول المجاورة وصراعاتها وحروبها وتدخلاتها في شؤون لبنان مع منع قيام لبنان النموذج التعددي المسالم الحر المستقل. غالبا ما ينتهي الفريق السيادي في لبنان بالهزيمة وبالتنازلات على حساب لبنان الجوهرة. إلا أن الفريق الآخر المشارك في الصراع الإقليمي والدولي
بات في أزمة وأفق مسدود لعدم حريته وإستقلاله واستتباعه. يبقى السؤال كيف ننقذ لبنان واللبنانيين من المغامرات والإستتباع والارتهان للخارج الإقليمي والهيمنة الإقليمية على الدولة اللبنانية ؟.

تبقى اغراءات السلطة هي الفخ الذي يقع به جميع الأفرقاء ويبررون به كل شيء من أجل العودة إلى السلطة بعد كل خروج. علما أن السلطة في لبنان توافقية تمنع أي فريق من الحكم الكلي بدليل انه قد يحكم فريق بعض الوقت ويطغى وينتهي كما انتهت كل الطائفيات السياسية السابقة بابشع نهايات. كانت البطولة في الحفاظ على المبدأ والحفاظ على تضحيات شعب وتحييد لبنان من الأساس ورفض تفكيك فريق سيادي منذ الأساس قبل الحديث عن استباحة السيادة. لا أن ننقل لبنان الى الملعب الاقليمي, والأفرقاء الاقليميين قد يلتقوا بلحظة دولية معينة على ضوء معطيات معينة ولا تكون هذه الخطوة اكتر من ركلة كرة داخل الملعب الإقليمي .