من سيَخلف سعد الحريري؟ – نزيه الأحدب – عربي 21

قد أنقذ سعد الحريري الفرنسي وسعد الحريري اللبناني؛ سعد الحريري السعودي، الذي “احتجزته السعودية وأوقفته.. في عمل عدائي ضد لبنان، ما يخالف اتفاقية فيينا وشرعة حقوق الانسان” وفق تصريحات وتغريدات رئيس الجمهورية ميشال عون؛ التي أقفلت الأبواب على التكهنات، وقطعت الشك باليقين، أقله عند اللبنانيين؛ بأن رئيس حكومتهم كان قيد اعتقال إداري غامض في الرياض.

مع انتقال الحريري وأسرته المتوقع، بُعيدَ كتابة هذه السطور، إلى باريس؛ نتيجة تسوية فرنسية سعودية، تكون قد بدأت مرحلة جديدة، أو ربما انتهت مرحلة عاشها سعد الحريري وريثاً سياسياً لوالده الرئيس رفيق الحريري الذي أجاد إرضاء الملوك والآباء في المملكة العربية السعودية، فيما لم يحسن خلَفُه سعد إرضاء الأمراء والأبناء، لا السابقين والحاليين، من محمد بن نايف إلى محمد بن سلمان




لقد ارتبط ظهور عائلة الحريري في المشهد اللبناني والعربي بالدعم السعودي المطلق على الصعيدين المالي والسياسي، حيث كلفت الرياض رفيق الحريري منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ بمهمات ضمن جهود المملكة لمساعدة لبنان على إنهاء حربه الأهلية، والتي توجت بمؤتمر واتفاق مدينة الطائف عام 1989. واستطاع عميد العائلة الحريرية، بعد انتهاء الحرب، أن يقنع السعوديين والسوريين بأنه رجل مرحلة إعادة إعمار لبنان، فكان رئيس عدة حكومات تعيش برئتين، سورية وسعودية، إلى أن بدأ الانفصام العربي العربي في المنطقة، وكان الحريري من أوائل ضحاياه؛ بتفجير اغتاله في وسط بيروت عام 2005، وشكل بداية تأريخ جديد للبنان يُكتب بلُغاتٍ عدة.

ليس من المبالغة إذا قلنا بأن سعد الحريري كان أكثر ذكاءً من أبيه، وإن كان أداؤه في التعبير أمام الكاميرا يوحي بعكس ذلك. لقد قفر سعد من المركب السعودي الذي لم يستطع حماية أبيه، وصاغ تسوية مع حزب الله على انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والذي تحوّل إلى ضامن لهذه التسوية. وافقت الرياض قبل سَنة على هذه التسوية دون تدقيق بها، لانشغالها بمعركتها الأساسية في اليمن. لكن ما بعد الصاروخ الذي أطلقه الحوثيون على الرياض بمساعدة حزب الله، وفق الرواية السعودية، غير ما قبله، فقد انضم حزب الله، ومعه لبنان، إلى الحرب السعودية الحدودية.

طلبت الرياض من سعد الحريري الانقلاب على تسوية عون – حزب الله، فرفض؛ معللاً بأن بقاءه وتياره السياسي في الحكومة أفضل من تركها لحلفاء إيران وسوريا بالكامل. لم تقنع السعودية، فكان ما صار من إحضار الحريري واستقالته وما بعدها. لكن الذي أخطأت فيه الرياض؛ هو أنها تعاملت مع الحريري كواحد من رجال الأعمال السعوديين الذين تجري عليهم “القوانين” السعودية بمعزل عن حيثيته الدستورية اللبنانية، التي عززها الموقف الحاسم للرئيس ميشال عون الرافض للاستقالة التلفزيونية المشبوهة والمتمسك بمقتضيات الدستور اللبناني في هذا المجال.

كما نسيت الرياض أو تناست الوطن الثالث للحريري، أي فرنسا التي “حرّر” رئيسها إيمانويل ماكرون مواطنَه سعد الحريري بتسوية استلزمت منه اتصالاً بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومحادثات بين وزيري الخارجية السعودي والفرنسي. والفاضح في هذه التسوية هي إصرار باريس على خروج أسرة الحريري من السعودية، رغم أن أبناءه في بداية عام دراسي، ما يقطع أي شك بأن مغادرة الرياض أشبه بنزوح. كل هذا يجري وسط ذهول من حلفاء المملكة غير الخليجيين، ولا سيما في القاهرة وعمّان ورام الله، الذين استغربوا الحسابات السعودية الخاطئة في التعامل مع ملف الحريري.

تتحدث المعلومات عن ضمان التسوية صمتاً إعلامياً من الحريري،روفق سيناريو يعود فيه خلال الأيام المقبلة إلى بيروت، دون أسرته، لتقديم استقالته دستورياً، ثم الرجوع على عجل إلى “منفاه السياسي” في باريس، تاركاً وراءه حكومة وتياراً سياسياً عريضاً ممثلاً لطائفة كبرى في لبنان. فما هي البدائل في بيروت؟

لقد أجهضت عائلة الحريري طرح الرياض بإبدال سعد في زعامة تيار المستقبل بشقيقه الأكبر بهاء؛ الذي يناصب قيادات “مستقبلية” أساسية العداء، ويُعرف عنه أنه عصبي المزاج، وغير قادر على تدوير الزوايا. ولأن التيار مرتبط وجدانياً ومالياً بعائلة الحريري، فتتجه الأنظار الآن إلى عميدة العائلة، النائب السيدة بهية التي اشتهرت بمواقف معتدلة في أدائها السياسي والوطني العام، لكن عتباً سعودياً كبيراً عليها لرفضها مبايعة بهاء قد يحول دون زعامتها، إلا إذا قرر التيار الخروج من العباءة السعودية.

في الأسماء البديلة أيضاً يبرز اسم الرئيس الأسبق للحكومة فؤاد السنيورة المرفوض من حزب الله وفي نفس الوقت لا تستسيغه الدوائر السعودية، لكنه الأقدر على المواجهة السياسية لحزب الله، بالتعاون مع الحلفاء المحليين، مثل القوات اللبنانية وحزب الكتائب وغيرهما. كذلك يبرز اسم اللواء أشرف ريفي المتمرد على سعد الحريري، والذي استطاع تشكيل حيثية شعبية سنية لنفسه؛ منطلقاً من مواقف متقدمة في رفض التدخل الإيراني في لبنان واحتفاظ حزب الله بسلاحه وقتاله في سوريا. لكن لريفي معارضة واسعة وقاطعة عند عائلة الحريري، ولدى قيادات تيار المستقبل؛ الذي لا تبدو وراثة الشيخ سعد فيه سهلة في الظرف الراهن.

على الخط الحكومي، تبدو الخيارات ضيقة أيضاً. فالمنافس الأبرز للحريري، الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي، حرص على الإعلان مبكراً عن عدم ترشيح نفسه لرئاسة حكومة الانتخابات النيابية المقبلة، وهو مرشح فيها عن مدينة طرابلس. أما من داخل “المستقبل”، فلا شيء واضح حتى الآن حول موقف التيار وتموضعه الجديد. وإذا ما قرر الابتعاد عن الرياض، وهذا مستبعد مع عدم توفر مظلة سياسية ومالية بديلة، فخير من يمثله في الحكومة؛ وزير الداخلية نهاد المشنوق الذي أطلق خلال الأزمة الأخيرة مواقف حازمة ترفض “سَعوَدة” تيار المستقبل. أما مرشحو فريق 8 آذار لرئاسة الحكومة، فمؤكد أن الرئيس عون، وحتى حزب الله، لن يسيروا بهم؛ احتراماً للميثاقية اللبنانية القائمة على التمثيل الحقيقي للطوائف في الدولة.

وهكذا يتصدر الفراغ في رئاسة الحكومة المرشحين لتغيب الطائفة السنية عن مركزها الأول في الجمهورية، لكنه فراغ – إن حل – لن يطول، خصوصاً إذا تم الاستعجال بإجراء الانتخابات النيابية التي ستحدد الأحجام الجديدة للكتل، وبموجب هذه الأحجام تتحدد هوية الخلف المقبل لسعد الحريري.