لبنان وسوريا ثورات مغدورة

مسعود محمد

انتهت عملية تبادل الجثامين بين ميليشيات حزب الله وجبهة النصرة في ظل غياب كامل للدولة اللبنانية، وكأنها غير موجودة، ولسان حال حزب الله يقول ” الأمر لي”.




لن أخاطب رئيس الجمهورية الذي يطلق عليه أنصاره إسم ” الرئيس القوي” زوراً فنحن منذ تعرفنا على إسم ميشال عون لم نعرف عنه سوى صفة واحدة وهي “الغزال” لأنه في الهريبة كالغزال، ولم يقدم يوماً على عمل واحد يحفظ وحدة وإستقلال لبنان. لو كنت مكان سعد الحريري وسمير جعجع لو بقي عندهم ذرة من الكرامة لإستقلت من الحكومة بدل إطلاق شعارات لا قيمة سياسية لها، كقول سعد الحريري ” أنا غير راضي عما يقوم به حزب الله في جرود عرسال”، دون أن يشكل أي حالة إعتراضية على تصرف حزب الله وتسليم كامل بإمرته على لبنان، ودعوة جعجع لأمين عام حزب الله الى إهداء سلاحه للجيش اللبناني والتحول الى العمل السياسي، في ظل غزله بمقاتلي حزب الله على إنجازهم في جرود عرسال، وأي عار أكبر من أن يسجل التاريخ، بأنه في يوم من الأيام كنت «سكيناً» تنحر وطنك، «خائناً» تبيع ترابه وقيادته لأجنبي مازال ساعياً في مطامعه.

بمشهدية مأساوية عانت وتعاني قوات الجيش السوري الحر الديمقراطية القالب من تغييب وإهمال ودعم شحيح، صب في كفة الحركات المتطرفة والنظام، لأن كل أفرقاء ما يسمى أصدقاء سوريا أرادوا دعم من يحقق مكاسبهم على الأرض، ولو كانوا منظمات إرهابية إستولت على ثورة الشعب السوري، “جبهة النصرة” و”داعش”، دون الإلتفات الى مصلحة الشعب السوري، وقواه الثورية، وقاموا بدعم قوى دينية متطرفة طائفية، من إنتاج النظامين السوري والإيراني بتواطىء من قبل رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي، الذي ترك لتلك القوى الإرهابية بأمر من سيده الإيراني، الموصل مع مليارات من الدولارات وكميات من الأسلحة جعلت منهم قوة مهابة في المنطقة، على حساب ثورة الشعب السوري وقواه الديمقراطية والثورية.

استمرت روسيا – التي تريد الحفاظ على الحليف الوحيد الذي يحفظ لها دوراً في المنطقة – في دعم النظام السوري مادياً وعسكرياً، وتدخلت إيران لصالح النظام السوري وزجت بكل مليشياتها من حزب الله، وأفغان، وعصائب الحق العراقية، وغيرها الكثير من المليشيات بما فيها حرسها الثوري، لقمع الشعب السوري، وإجهاض ثورته.

بالمقابل شهدنا في لبنان حالة من التخبط والتخلي عن ثورة الشعب اللبناني ثورة 14 آذار تلك الثورة التي نظَر لها الشهيد سمير قصير وسقط في سبيل إطلاقها رجالات كبار على رأسهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري صاحب مقولته الشهيرة ” ما حدن أكبر من بلده”.

بدأت خيانة ثورة الشعب اللبناني بخنق نبضها “حركة 14 آذار” وسحب الدعم السياسي منها، وإفتراق أقطابها بحثاً عن مصالح آنية وطائفية، ونقل رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري الغارق بديونه وإنكساراته المالية والسياسية، البندقية من كتفه اليمين الى كتفه اليسار بالتفاهم مع حزب الله وخوضه حواراً مع الحزب على قاعدة تسليمه بحق قوى 8 آذار حلفاء سوريا وإيران برئاسة الجمهورية عبر ترشيحه سليمان فرنجيه حليف الرئيس السوري بشار الأسد والمتهم بإخفاء أدلة من ساحة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، على أمل العودة لرئاسة الوزراء كمدخل لعقد العديد من الصفقات المالية المشبوهة عبر شراكات فيما بين وزير خارجية لبنان صهر العهد جبران باسيل ومدير مكتبه نادر الحريري، على أمل إنقاذ إمبراطوريته المالية، والحفاظ على ما تبقى من مجده الذي هدره بالإنبطاح أمام حزب الله وقبوله بأن الأمر للحزب في ظل تسلح الحزب وفرض أمر ولي الفقيه على لبنان واللبنانيين بقوة السلاح، لينتفض قائد القوات اللبنانية سمير جعجع على قرار الحريري ويرد له الصاع صاعين ويرشح مرشح حزب الله لرئاسة لبنان ميشال عون متسلحاً بنظرية يصعب حتى على جعجع نفسه تصديقها مفادها أن الحزب لا يريد إنتخاب رئيس وهو فاجئه بترشيح مرشحه ميشال عون ليحشره بالزاوية وتكر مسبحة التنازلات والتسابق على كسب رضاء حزب الله كونه الأقوى لبنانياً كما يدعون زوراً متجاهلين إنتفاضة الشعب اللبناني التي أخرجت الإحتلال السوري، وأسقطت هيمنته على لبنان.

يتخبط لبنان وسوريا بفوضى مفاهيم عارمه لكل ما يدور حول الهويه والسياده الوطنيه حيث يحق للرئيس ما لا يحق لغيره وهذا الحق يعطيه المجال لتبرير وتمرير خيانة الوطن على الملأ، فجلب الرئيس السوري بشار الأسد، قوات الاستعمارين الإيراني والروسي الى هذا البلد العربي بحجة دعم النظام ومحاربة الارهاب، فكانت النتيجة أن سوريا فقدت استقلالها وسيادتها بالكامل واصبحت تحت رحمة الاحتلالين الإيراني او الروسي. أما في لبنان فلقد شرع حكامه سعد الحريري وحكومته، والرئيس القوي العتيد ميشال عون الاحتلال الميليشيوي له من قبل حزب الله وخضعوا لحسن نصرالله الذي يصرخ ليل نهار في ظل التهديد بالسلاح “الأمر لي”، وكأن البلد ليس فيها لا جيش ولا مؤسسات حكم.

لن تموت ثورة الشعبين السوري واللبناني كما تحلم إيران وحلفائها، فالثورات ليست مجبرة على التوقيع فى دفاتر حضور وانصراف، هى تشتعل حينما يصل الغضب فى نفوس الناس إلى الحد الذى يصبح احتواؤه صعبًا، ولا تنطفئ إلا بعد أن تقوم على أنقاض ما هدمته من فساد دولة جديدة، فى منتصف طريقها ربما تهدأ، ربما تختفى نارها أسفل الكثير من رماد الأخطاء والعثرات، لكنها مستمرة حتى تحقق ما اشتعلت من أجله.

الثورات ليست مقاول بناء مهمته خلق الجنان على الأرض وفق موعد محدد تتمناه أنت أو يشترطه غيرك .. الثورة فكرة مطهرة تنتشر وتتوغل، وسرعة أدائها يتوقف على مدى إيمان أصحابها بها، وعلى حجم الفساد الذى ينتشر كالتلال فى أرض الواقع، وإيمان شعبي سوريا ولبنان بتلك الثورات تعرض لأكثر من هزة، وأهل تلك الثورات أنفسهم أصابتهم الفُرقة بعدما نزلوا من فوق جبل تحرير لبنان من النظام السوري، ورفع شعار إسقاط ذلك النظام في سوريا، وبدأوا أصحاب تلك الثورات البحث المبكر عن الغنائم، أما الفساد فى لبنان، وصفوف من إدعوا تمثيل ثورة الشعب السوري، إبتداء بالمجلس الوطني، إنتهاء بالإئتلاف، فأنت وأنا نعلم جميعًا وجيدًا أن ناطحات سحاب الفساد التى شيدت خلال سنين طويلة من سيطرة الأسدين الأب والإبن على لبنان وسوريا، لن يهدمها مقلاع الثورة فى 24 ساعة، واستنادًا إلى ما سبق لا تتعجل أبدًا ثمار ثورة أكملت عامها السادس، في سوريا، ومستمرة منذ العام 2005 في لبنان، وهى تعانى من كل هذه الأمراض .. لا تيأس أبدًا وتفقد الأمل فى ثورة لأن غربال الفرز فضح لك بعضًا من رموزها وسيفضح أكثر وأكثر المتخاذلين الذين ركبوا موجاتها لتكريس مصالحهم الشخصية والطائفية، وليس حبا في لبنان وسوريا، وليس صونا لكرامة شعبي البلدين، وليس إيماناً بالتغيير، لأن التغيير ليس من مصلحتهم .. لا تيأس أيها المواطن اللبناني، والسوري، لأن رأس النظام السوري وحلفائه في لبنان لم يسقطوا، اليأس خيانة والثورة فكرة والفكرة تأخذ وقتها فى الاختمار والانتشار، وتذكر أن شعبًا لم يكن يخرج للشارع إلا ليدخن النارجيلة، نزل بالملايين الى الشارع، وقال في سوريا من خلال حنجرة المبحوح ” إرحل إرحل يا بشار” وقال في لبنان بأعلى صوته للجيش السوري المحتل “أخرج” ورفع شعار وحدة وسيادة واستقلال لبنان ونادى بالكلمة الأغلى على قلوبنا “حرية” تلك الكلمة السحرية التي تهز عروش الخونة وتخيفهم.

الروائي الإنكليزي اليساري جورج أورويل في روايته عن الحرب الأهلية الإسبانية: ” الحنين إلى كتالونيا”. يقول “لتعيش أحياناً يجب أن تقاتل، ولتقاتل يجب أن توسخ نفسك، الحرب شريرة، وعادة ما تكون الشر الأقل”. لنقف في وجه من إغتصب ثورتينا في لبنان وسوريا ونعود للشارع حتى يعود إلينا الوضوح كما كان يقول مهندس ثورة الأرز الشهيد سمير قصير.