//Put this in the section //Vbout Automation

الأزمة الخليجية: من يخدع من؟

فتح مسلسل تصعيد بعض الدول الخليجية (+ مصر) مع قطر النافذة لعشّ دبابير طار بشكل غير متوقّع في كل الاتجاهات مما أظهر بعض المخفيّات والألغاز التي تختفي وراء كل هذا الضجيج من الكلمات الطنانة والمطالب الإعجازية والمبالغات الفظيعة في الحيل والمكائد والهبوط المريع في الأعراف السياسية والإعلامية.

كان مثيراً، على سبيل المثال، ما ذكرته صحيفة «الاندبندنت» البريطانية من معلومات جديدة تفسّر تشجيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاتجاه المتشدد لدول الحصار برغبة صهره، جاريد كوشنر، في الانتقام من الإمارة الغنيّة كونه خسر فرصاً تجارية هناك بعد فشله في الحصول على تمويل بقيمة 500 مليون دولار لمجموعة عقارية، وهو أمر يفسّر أيضاً تركيز ترامب على موضوع «تمويل الإرهاب» (من بين العدد الكبير من المواضيع التي جمعها المختصمون إلى الدوحة) وهو ما كنّا قد فسّرناه، حينها، بالتزامه بالأجندة الإسرائيلية فيما يخص حركة «حماس»، ولكنّه، على ما يبدو، كان تفسيراً «سياسياً» أكثر من اللازم.




تفتح المعلومات هذه المجال للنقاش أيضاً في المبالغة الكبرى التي جرت قبل وبعد زيارة الرئيس الأمريكي للرياض والتي ظنّ الجميع أنها تحشيد عربيّ وإسلامي ستتمخّض عنه حرب شعواء مع إيران، ثم ما أن انفضّ السامر وانتهت رقصة «العراضة» بالسيوف، والحفلة الخيرية لجمع أموال لإيفانكا ترامب والتولّه بجمالها الأخاذ، وانحسر جبل الصفقات ذو الأرقام المرعبة ففوجئنا أن لا حرب مع إيران ولا من يحزنون وأن الهدف كان موجّها على الجارة الصغيرة الغنيّة ذات الصوت العالي والماضية في مشروع يجمع بين المال والعلم والإعلام والسياسة.

الهبوط السريع من بروباغاندا القادسية العربية مع «الفرس» إلى معارك عبس وذبيان يعني أن هناك خديعة كبرى قد تمّت وأن هناك مخدوعين.

أوّل هؤلاء المخدوعين هم الأمريكيون (والعرب) الذين صدقوا وعود ترامب في خطاباته الناريّة قبل انتخابه بإنهاء الاتفاق النووي مع إيران، ثم صدّقوا بعد ذلك أنه سيدعم الموقف السعودي (المعلن) المناهض لطهران، ثم فوجئوا بالموقف الأمريكي الجديد الداعم للموقف السعودي الجديد الذي استبدل العداء لإيران بالعداء… لقطر.

هناك تأويلات عديدة للموقف السعودي المفاجئ منها أن الصفقات الماليّة والعسكرية كانت خضوعاً لبلطجة ترامب وأن فتح المجال لابتزاز قطر ماليّاً وعسكرياً كان تعويضاً متوقّعاً.

أما اعتبار شون سبايسر الناطق باسم البيت الأبيض ما يحصل في الخليج «أزمة عائلية» فهو تأويل آخر يرتبط بترتيب البيت السعودي داخليّاً، فما دام مشروع توريث ولاية العهد (والمملكة عمليّاً) إلى الأمير محمد بن سلمان قد نجح، فهو يشجّع على محاولة ترتيب «البيت الخليجي» بالطريقة نفسها، ففكرة الغلبة الداخلية تستدعي، كما هو معلوم، فكرة الغلبة الخارجية بالضرورة.

غير أن كل هذه التفسيرات لا تستطيع أن تُبعد فكرة أن كل الحجج تصبح، بهذا المنطق، خدعا أيضاً، فبعد تهافت استخدام حجة الخوف من توسع إيران، وهي من يفترض أن تشكل التهديد الأكبر للدول الثلاث (لكنها تحتفظ بعلاقات اقتصادية مع أبو ظبي أكبر بكثير من الدوحة)، ينكشف الهيكل العظمي للحكاية كلّها لتظهر أطرافاً مختلفة يجمعها حلف استقواء بترامب ظنّ أن الفرصة جاءته لابتلاع قطر.

مع بعض الحك للتفاصيل يمكننا اقتراح عدة سيناريوهات للخديعة الجارية، فإما أن الإمارات تخدع السعودية بإبعادها فعليّاً عن الصراع مع إيران، أو أن السعودية تخدع نفسها بالاعتقاد أنها تستطيع فرض إرادتها على قطر، أو أن أمريكا تخدع الجميع لتبتزّ أموالهم.


القدس العربي