//Put this in the section //Vbout Automation

«عملية عرسال» تفتح ملف الحوار اللبناني – السوري وضغط على الحريري لاتخاذ القرار الصعب في اتجاهين

العملية العسكرية الأمنية التي نفذتها قوة من فوج المجوقل في الجيش اللبناني، وهي قوة من النخبة مدربة على محاربة الإرهاب، في مخيمين للنازحين السوريين في عرسال وتخللها تفجير خمسة انتحاريين لأنفسهم، ووقوع اشتباكات محدودة بين الإرهابيين والجيش اللبناني الذي أوقف العشرات منهم. هذه العملية مهمة ونوعية لثلاثة أسباب على الأقل:

٭ أنها نموذج للعمليات الأمنية الاستباقية التي تنفذ استنادا الى معلومات أمنية واستخباراتية، ما يشير الى نجاح الجيش والأجهزة الأمنية في تحقيق اختراقات في مخيمات النازحين وفي صفوف الإرهابيين.




٭ نجاح العملية العسكرية الدقيقة والمحفوفة بالمخاطر، لأن الجيش واجه في قلب المعركة انتحاريين وطريقا مزروعة بالعبوات الناسفة، وإرهابيين اتخذوا من سكان المخيم دروعا بشرية. والمعيار الأول في هذا النجاح أن العملية خرجت بأقل الأضرار في الأرواح والخسائر البشرية في مخيم يقطنه نازحون مدنيون وتتغلغل في أرجائه خلايا ومجموعات إرهابية.

٭ انتقال الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في الاستراتيجية والعمليات الاستباقية الى داخل مخيمات النازحين، مع ما يعنيه ذلك من سقوط للخطوط الحمر في الحرب المفتوحة على الإرهاب، بحيث لم تعد هناك منطقة أو بقعة مقفلة في وجه الجيش، وتحديدا المخيمات السورية.

ولكن أهم وأخطر ما كشفت عنه عملية عرسال هو الوضع داخل مخيمات النازحين والاختراق الأمني الحاصل من جماعات إرهابية منتمية الى تنظيم «داعش» وتنامي وجودها أخيرا بسبب الضغوط التي يتعرض لها هذا التنظيم في شرق سورية (الرقة دير الزور) وفي شمال العراق (الموصل نينوى)، ووصول أعداد منه الى جرود عرسال وتسللها الى مخيمات النازحين. فهذه العملية كشفت أن مخيمات النزوح صارت فعلا قنابل موقوتة وبؤرا خطيرة يلجأ إليها الإرهابيون ويتخذون منها ملاذا آمنا، وبالتالي فإن مخاطر أزمة النزوح وانعكاساتها السلبية لم تعد محصورة في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية، وإنما وصلت الى المستوى الأمني الأكثر خطورة وإلحاحا. وهذا التطور يدفع باتجاه المزيد من العمليات في كل مخيمات اللاجئين في عرسال لتطهيرها من الإرهاب، خصوصا أن التحقيقات التي أجريت مع الموقوفين أكدت ارتباط العديد منهم بتنظيم «داعش».

ولكن مواجهة هذا الوضع الشاذ ومعالجته لا تكفيها الوسائل الأمنية وعمليات الدهم والتوقيف، وإنما تستلزم خططا وعمليات مكملة أبرزها ما يتعلق بـ:

٭ عودة أو إعادة النازحين المقيمين في مخيمات عرسال الى مناطق آمنة في سورية صارت متوافرة. على أن تكون العودة طوعية ولمن يريد من النازحين كما حدث قبل أسابيع في العودة الى عسال الورد وفليطا في القلمون.

٭ تشديد المراقبة على الحدود اللبنانية السورية لمنع عمليات التسلل، وتنسيق الضغوط الأمنية والعسكرية على تنظيم «داعش» في جرود عرسال.

هذان الإجراءان لا يمكن للسلطات اللبنانية أن تقوم بهما منفردة ومن دون تنسيق مع السلطات السورية، خصوصا على صعيد إعادة النازحين. ولذلك فإن عملية عرسال، وما أدت إليه من انكشاف الوضع الأمني في المخيمات وتسريع لقرار حسم الوضع في جرود عرسال على أن يكون مسبوقا وممهدا له بالسيطرة على مخيمات عرسال وإعادة قسم كبير من سكانها، هذه العملية أدت الى فتح ملف الحوار اللبناني – السوري، أي فتح قنوات اتصال وتعاون وتنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية، وهذا ما يطرحه حزب الله منذ فترة ويلح عليه في الفترة الأخيرة، خصوصا بعد توقف جهوده الخاصة لإعادة النازحين عبر مفاوضات واتفاقات جانبية.

وإذا كان اللقاء التشاوري في بعبدا لم يتطرق لمسألة النزوح والحدود وتفادي الدخول في ملفات إقليمية أو سياسية داخلية، فإن جلسة مجلس الوزراء اليوم ستكون جلسة سياسية بامتياز وستشهد نقاشا حاميا حول مسألة الحوار مع الحكومة السورية، وأيضا حول الخطاب الأخير للسيد حسن نصرالله الذي تضمن دعوة لمقاتلين شيعة من كل دول المنطقة الى لبنان في حال حدوث عدوان إسرائيلي.

وهذا النقاش السياسي الذي يحصل للمرة الأولى على طاولة مجلس الوزراء، يعكس ضغوطا متزايدة ومستترة على الرئيس سعد الحريري كي يأخذ القرار السياسي الصعب في اتجاهين: الموافقة على قيام حوار لبناني سوري، مع ما يعنيه ذلك من تطبيع مع النظام السوري واعتراف سياسي متجدد به، والموافقة على عملية عسكرية تحسم الوضع في جرود عرسال وتقفل هذه الثغرة الحدودية المتبقية.

وترى مصادر مطلعة أن طبيعة المستجدات والمرحلة الجديدة الناشئة بعد سقوط الموصل واحتدام معركة الرقة ودخول لبنان «مرحلة صعبة»، تفرض تغييرا في طبيعة المعالجات والقرارات، وحيث إن التواصل بين بيروت ودمشق عبر قنوات أمنية محددة وأهمها قناة اللواء عباس ابراهيم لم يعد كافيا، خصوصا من جهة دمشق التي تطلب الحوار السياسي وتعتبر أن أوانه قد حان، وأن ما يطبق مع الدول الأوروبية لجهة رفض التعاون الأمني من دون علاقات سياسية عبر إعادة فتح السفارات، يطبق بالأحرى على لبنان. وتعتبر دمشق أيضا أن مسألة أمن الحدود من الجهة اللبنانية، ومسألة النازحين السوريين، هذه كلها «مشكلة لبنان» وليس سورية، وأن التعاون والتنسيق مع دمشق «مصلحة لبنان» الذي سيصل الى هذه القناعة عاجلا أم آجلا.