//Put this in the section //Vbout Automation

التباسات العلاقة السنية المسيحية بعد عاصفة عرسال

شادي علاء الدين – العرب

كانت عملية الجيش اللبناني في عرسال الأسبوع الماضي والتي أفرزت مشهدية اتهام الجيش بالضلوع في قتل مجموعة من المعتقلين السوريين الذين قبض عليهم إثر هذه العملية تحت التعذيب، مفصلا خطيرا بدا أنه أعد بعناية كي ينفجر في وجه قائد الجيش والرئيس سعد الحريري.




وجد الحريري نفسه أمام مجموعة من المآزق بعد أن لاحقته اتهامات بالتغطية على عملية الجيش وعلى عملية دفن جثث ضحايا التعذيب سرا بالتعاون مع رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري.

تهدد إفرازات هذه العملية موقع الحريري على رأس الحكومة من ناحية وحضوره في وسط سني يخشى من أن تؤدي تداعيات مشروع ربط النزاع الذي يسم علاقة الحريري بحزب الله إلى تمكينه من اختراق الجيش والمجتمع السني، والتسبب في أزمة سنية مع الجيش على خلفية اتهام هذه الطائفة بأنها تشكل البيئة الحاضنة للإرهاب السوري في البلد. وظهر الحريري كذلك في هيئة مواجهة الناشطين الاجتماعيين والمؤسسات الحقوقية.

اتجهت الأمور إلى تكوين مشهديتين ترتبط الأولى برئيس الحكومة سعد الحريري وتضعه في موقع المناهض للجيش وحربه على الإرهاب وتتخذ سياقات سنية على الرغم من أن معظم جرحى الجيش في معركة عرسال كانوا من السنة، مقابل مشهدية مسيحية متصلة بمواقف حزب الله وبقايا فريق الثامن من آذار تقف في الضفة المقابلة.

واتخذت دعوة الحريري قائد الجيش إلى الاجتماع به في نظر الفريق المسيحي صيغة استدعاء مرفوض مع العلم أن مثل هذا اللقاء طبيعي وعادي ورسمي.

ويعتبر مراقبون لبنانيون أن “استدعاء” رئيس الحكومة اللبنانية لقائد الجيش جوزيف عون على خلفية مقتل المعتقلين السوريين “سابقة” دستورية يروم من خلالها تأكيد وصاية الحكومة على المؤسسة العسكرية ومواكبة قرار إجراء تحقيق في هذه المسألة التي أثارت جدلا واسعا في البلاد، كما يروم منح الجيش غطاء حكوميا كاملا لاستكمال جهوده لمحاربة الإرهاب وحماية أمن البلد.

ويرى هؤلاء أن الحريري المدرك لخطط حزب الله في عرسال حريص على إبقاء الجيش بمنأى عن خطط حزب الله، خصوصا وأن الحزب يريد خوض حربه في عرسال بتغطية من الجيش اللبناني، أي بتغطية من المؤسسة العسكرية التي تحظى بالدعم من الولايات المتحدة.

وقد خرج الحريري بعد اجتماعه بقائد الجيش جوزيف عون ووزير الدفاع يعقوب الصراف بمواقف أكد فيها على رفضه لأي محاولة رامية إلى خلق توتر بين أي مكون لبناني وبين الجيش والقيادات العسكرية، ودعا إلى عدم التشكيك في التحقيقات التي يقوم بها الجيش، لافتا إلى أن نتائج التحقيق ستكون في متناول يده خلال يومين أو ثلاثة، مؤكدا على دعمه غير المشروط للجيش اللبناني الذي لا تشوبه أي شبهات والذي تحرص قيادته على حياة المدنيين.

وتتابعت عمليات الجيش بعد هذه التصريحات التي اتخذت صيغة منح الجيش التغطية الكاملة، وكان آخرها عمليات الجيش الثلاثاء والتي أعلن إثرها عن نجاحه في قتل كل من ياسر الغاوي وعاطف جارودي وهما المتهمان الرئيسيان بتفيذ عمليات تفجير في رأس بعلبك، إضافة إلى مصادرة مجموعة من العبوات المعدة للتفجير وحزام ناسف وعدد من الرمانات اليدوية ومواد تستعمل في تصنيع المتفجرات.

وقام الجيش بمداهمات داخل قرية عرسال أسفرت عن توقيف خالد عزالدين الذي يشتبه بأنه تاجر أسلحة، ومجموعة من السوريين يشتبه بانتمائهم إلى تنظيم داعش.

انقسامات الحريري

كررت تصريحات الحريري الأخيرة مواقف كان قد سبق للتيار الوطني الحر ولرئيس الجمهورية وحزب الله اعتمادها في مقاربة عملية الجيش السابقة في عرسال.

وتقوم هذه المواقف على محاولة إخراج السجال حول مآلات عملية الجيش من التداول من خلال التأكيد أنها نجحت في منع تنفيذ سلسلة من العمليات الانتحارية والتفجيرات التي كان مخططا لها، والتي تستهدف مجموعة من المناطق اللبنانية المختلفة.

وبرز فصل واضح يضعه الحريري بين ما يطلقه من مواقف انطلاقا من موقعه في رئاسة الحكومة، وبين ما يصدره من يدورون في فلكه من مواقف وآراء لا تصب في الاتجاه نفسه.

وعبر النائب في كتلة المستقبل والمقرب من الحريري عقاب صقر عن مواقف لا تنسجم مع الإطار العام لموقف رئيس الحكومة، حيث صرح قائلا “هناك خطأ من قبل الجيش يتحمل مسؤوليته من قام به من أفراد وضباط ويجب أن يكون هناك تحقيق شفاف مستقل لما حصل في عرسال وما بعد عرسال للوصول لإنصاف الجيش ولإنصاف النازحين وإلا سوف تكون هناك علامات استفهام ونحن لن نسكت”. واعتبر صقر أن ما حصل “لا يخدم صورة الجيش اللبناني”.

وكان جواب الحريري لافتا حين سئل عن تصريحات صقر إذ اعتبر أن النائب المستقبلي يغرد خارج السرب.

ويظهر هذا التباين اعتماد الحريري إستراتيجية مواجهة تقوم على التفريق الكامل بين ما يفرضه موقع رئاسة الحكومة من مواقف، وبين ما يمكن أن يصدر عن الإعلام المقرب من المستقبل أو الشخصيات السياسية المستقبلية من تصريحات ومقاربات مغايرة تخاطب السنة والمنظومات الحقوقية بلغة تفهمها وتعمل على تهدئة مخاوفها.

ربما يكون هذا التوجه ضروريا ولكنه ينطوي على مخاطر جمة، إذ أنه حين يبدو أن سقف الإعلام أو سقف بعض الشخصيات السياسية المستقبلية أعلى بكثير من سقف رئاسة الحكومة، فإن انعكاسات هذا الأمر لا يمكن ضبطها وتوجيهها، بل ربما تصب في خدمة مهاجمي الحريري السنة الذين يعتبرون أنه قايض موقع رئاسة الحكومة بالتسليم الكامل لحزب الله.

بين سوريا وواشنطن

إزاء الخلاف الحاد الذي انفجر على خلفية تضارب المواقف الوزارية من التنسيق مع النظام السوري تدخل رئيس الجمهورية لفض النزاع بين الوزراء معلنا عن وضع الأمور في عهدته.

وبعد ذلك راجت أخبار عن نوايا رئاسية بتكليف المدير العام للأمن العام عباس إبراهيم بملف التفاوض مع النظام السوري حول موضوع عودة النازحين.

وفي الوقت نفسه تم الإعلان عن زيارة سيقوم بها الحريري إلى واشنطن، يرجح أن يلتقي خلالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين الأميركيين للتباحث في شؤون اقتصادية وأمنية وسياسية مختلفة، تليها زيارة إلى موسكو.

وتؤكد كواليس السراي الحكومي اللبناني أن حساسية الموقف هي التي استدعت قيام الرئيس سعد الحريري بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة بغية العمل على تحصين الوضع اللبناني وحمايته من التفاهمات الأميركية الروسية من جهة، ومن العقوبات التي سترفع واشنطن من حدتها ضد حزب الله وشبكته المالية في لبنان والعالم من جهة أخرى.

وترى هذه الأوساط أن الحريري تقصّد أن يكون في عداد وفده ما يمثل النظام السياسي اللبناني برمته ليكون شاهدا على طبيعة المباحثات مع الجهات الأميركية،آملا أن تأخذ واشنطن بالاعتبار حساسية موقف لبنان وتعقّد تركيبته السياسية والطائفية الداخلية في مقاربة أي حلول تتعلق بالوضع السوري.

غير أن أطرافا لبنانية شككت في النتائج التي يمكن أن تصل إليها هذه الزيارة، طالما أن قرار لبنان في مسائل السياسة الخارجية، وخصوصا تلك المرتبطة بالشأن السوري، تكاد تكون خاضعة تماما لمزاج حزب الله وأجندته.

إلا أن مصادر برلمانية لبنانية اعتبرت أن زيارة الحريري المقبلة إلى واشنطن، كما تلك إلى باريس وموسكو بعد ذلك، باتت ملحة لفهم طبيعة الموقف الأميركي والروسي والأوروبي في مسألة التسوية السورية، بما في ذلك الموقف من مصير رأس النظام السوري بشار الأسد، لا سيما وأن المواقف الغربية أعطت مؤخرا مؤشرات تتراوح بين “لا استهداف للأسد” و”لا مستقبل لعائلة الأسد” في أي تسوية مقبلة.

وأضافت هذه المصادر أن مسألة التنسيق بين بيروت ودمشق في مسألة إعادة النازحين السوريين إلى بلادهم، والتي أثارت جدلا داخل الأوساط التي تتشكل منها الحكومة اللبنانية بين مشجع ورافض، باتت تتطلب فهم المزاج الدولي العام في هذا الإطار ومدى قابلية العواصم الكبرى للسير أو عدم السير في هذا الخيار، علما أن دمشق، ومن خلال سفيرها في بيروت، لم تبد أي حماس لاستعادة هؤلاء اللاجئين، بما يجعل من هذا الأمر جانبا يجب أن يدخل في صلب التسوية وبندا أساسيا من شروط أي ترتيبات مقبلة.

واتخذت ردة فعل النظام السوري بعدين، تمثل الأول في إعلان السفير السوري علي عبدالكريم في لبنان أن النظام السوري لا يريد التفاوض إلا عبر الحكومة وبشكل رسمي ومباشر، يؤمن له التحول إلى مرجعية شرعية، ما يضع كل خطاب تيار المستقبل ورئيسه المعادي للنظام السوري في مهب الريح.

وكذلك عمد النظام السوري إلى إطلاق سلسلة متوالية من الغارات العنيفة على جرود عرسال بالتوازي مع عمليات عسكرية لحزب الله في المنطقة في رسالة ضغط على الجهات الرسمية اللبنانية للقبول بمشاركة حزب الله في معركة الجرود، ودفع عناصر التيارات المتطرفة المنتشرين في الجرود إلى التوجه إلى عرسال والاحتماء بالمدنيين السوريين.

ويهدف هذا الضغط إلى خلق حالة ارتباك تجعل أي عملية للجيش في تلك المنطقة عملية معقدة، لا يمكن أن تتم دون إيقاع عدد كبير من الضحايا في صفوف اللاجئين السوريين، ما من شأنه أن يخلق واقعا ضاغطا يدعم موقع دعاة الاعتراف بالنظام السوري من ناحية، ويخلق من ناحية أخرى مناخا يسمح بتوكيد النظرة إلى اللاجئ السوري بوصفه إرهابيا.

ويضاف إلى ذلك إيقاع سعد الحريري في حرج كبير، وتضييق دائرة خياراته، ودفعه إلى القبول بمشاركة حزب الله في عملية الجرود بما يعنيه ذلك من نسف لمشروعية الجيش، والقبول بالتنسيق مع النظام السوري وما يستتبع ذلك من نسف وتدمير لمشروعية تيار المستقبل في الوسط السني.

تتراكم هذه الحوادث المتسارعة في الفترة التي تسبق الانتخابات النيابية المقررة في شهر مايو من العام القادم، والتي فرضت تحول كل القوى والأحزاب السياسية إلى تيارات انتخابية، تسخر كل شيء لخدمة طموحاتها الانتخابية، وخصوصا العناوين الطائفية.

وبينما يستطيع التيار الوطني الحر إقامة نوع من التماهي بين مواقف رئاسة الجمهورية ومواقف التيار الوطني الحر التي تصب في خانة تمكين التحالف مع حزب الله، والاستفادة من خطاب حقوق المسيحيين، يظهر الحريري محاصرا باستحالة الركون إلى مثل هذا النوع من وصل موقع رئاسة الحكومة بخطاب سني طائفي، وخصوصا أن تيار المستقبل يعرف عن نفسه بأنه ليس تيارا سنيا بل هو تيار ليبرالي ينمو في وسط سني.

من هنا يبدو الحريري مفتقدا لآليات التجييش الطائفي التي يمتلكها التيار الوطني الحر، ومعتمدا بشكل كلي في سبيل الحفاظ على موقع رئاسة الحكومة على استمرار حالة ضبط النزاع مع حزب الله.

ولا ينسحب تأثير التوافق مع حزب الله على موقع رئاسة الحكومة على الانتخابات النيابية التي يعمل الحزب على تفخيخ درب الحريري إليها بجملة من التحديات الحرجة، ابتداء من إدارة مأزق التعامل الأمني مع اللاجئين السوريين، وصعوبة تسويق حسنات العلاقة مع حزب الله والتيار الوطني الحر في الوسط السني، وصولا إلى المخاطر الكبيرة التي تهدد الاقتصاد اللبناني بسبب الإعلان الوشيك عن العقوبات الأميركية على الحزب.

معالم ملتبسة

ترتسم معالم المشهد اللبناني حاليا وفق ثلاثة معالم؛ يتمثل الأول في مشروع تكليف مدير الأمن العام بالتفاوض مع النظام السوري بتكليف من الرئيس ميشال عون وبمباركة مسيحية، ما يعني عمليا انتزاع صلاحيات موقع رئاسة الحكومة وتحميل رئيسها تبعات الأمر.

ويتمثل العنوان الثاني في زيارة الحريري إلى واشنطن والتي استبق حزب الله موعدها بوضعه أمام مأزق لا يمكنه فيه الدفاع عن الاقتصاد اللبناني أو عن مشروعه الاقتصادي دون أن يكون مدافعا عن حزب الله، إضافة إلى أن طلب تكريس الدعم الأميركي للجيش اللبناني يمكن أن يصطدم بعقبات تضعها جهات أميركية حقوقية ضاغطة بسبب صعود مشهدية التعذيب إلى السطح.

وتكمن المشهدية الثالثة في حرص النظام السوري وحزب الله على فرض توقيتهما الخاص لمعركة جرود عرسال من خلال توحيد جهود الطيران السوري وعمليات حزب الله في الجرود بغية ضبط إيقاع فتح المعركة وفق توقيت يناسبهما، ويساهم في تعميق التحالف بين الحزب والتيار الوطني الحر الذي يشرعن الأمر من ناحية ويزيد من ناحية أخرى من وتيرة الحصار المفروض على الحريري.