بوصلة البرلمان وتفاهمات الحبر على لوائح..

طوني أبو روحانا – بيروت اوبزرفر

جاري التدجين، والتعبير على بساطته، ليس فائض ”فوتوشوب“ في مشهد، ولا تَجَنٍ على مَن يُمكن أن يجمع..
إنما، صورة مكتملة، واضحة، بعدسة فائقة الدقة، عن عملية إخضاع بالتراضي يتعرّض لها البلد، صفقة، ليست الأولى من نوعها، ربما الأرخص، في ما يُمكن أن تستنفعه الزعامات، والأبهظ في ما سوف يدفعه لبنان، ما نشهده في المرحلة الراهنة، لم يسبق أن شهدناه على مرّ عهود الإحتلال المتعاقبة، وأنظارنا شهود زور، شاخصة، وكأنها الدهشة في غير كوكب، محجوبة الرؤية، لا قدرة، ولا إمكانيات، ولا نوايا.
انتهت حقبة الأمر الواقع، فالكل أبٌ او عرّاب، مُنتَصر، بحسب أجندته والأولويات المرتبط بها، ومُستَرزق في استدراج العروض والمكاسب..
صحيح أنها النسبية في الإستحقاق الإنتخابي، وأن الإختلاف في القانون سوف يؤَسّس لاختلاف في الأحجام، إنما، ولا فرق لا في الشكل ولا في المضمون بعد التسليم بالأسهَل، والنأي بالإقصاء عن مجموع الملفات الصاخبة، ليُحسَم الصوت التفضيلي في النفوذ، من دون انتظار الولادة ولا صناديق الإقتراع، ومن دون أي مساحة وطنية مُشتَرَكة، حقيقتها، مجرّد حبر على لوائح، تنتهي الحاجة لها لحظة إعلان النتيجة.
سَيل من التناقضات يجمعه قرار في يد حزب الله، تقاطع الضرورات والمصالح، وفجع في المناصب أياً تكن التداعيات، لا فرق..
لا أحد يسأل في ما يُمكن أن يترتّب على ما بعد السيناريو المُستَجد، ولا في التركيبة التي يُمكن أن تقلب ملامح الجمهورية رأساً على عقب، وحيث لا تعود تنفع، لا حقوق ولا مناصفة، ولا ما سوف تعكسه موازين القوى الداخلية الخارجة عن فلك طهران، وإن بالصورة فقط.
وعلى الرغم من فائض الإدعاء في الضمانات، فأيٌ من المُدَّعين لا يملك أي حصرية، وإن في شكلية المطالب، او إشكالياتها، ما تفرضه ضاحية السلاح، يُنَفّذه الجميع، من دون أي اعتراض، ومع فائض وقاحة في التجميل، لا يهم.
على تخوم خارطة توازنات إقليمية، بمفاعيلٍ، قد تكون بركانية..
يبدو وكأن لبنان على أهبة الإنخراط في محور سوف يجرفه أبعد من المُتَصَوَّر عن محيطه، قد تكون الأمور رهناً بمعادلة ما بعد الإنتخابات النيابية، والنتائج، ومدى تأثير حزب الله في الحياة السياسية اللبنانية، هذا إن تبقى من أحياء غيره على مساحتها، وقد تكون نتاجاً لأي رد فعلٍ واردٍ في لحظة فشل، وفي الحالتَين، لم يحسبها عرّابو الشعارات جيّداً، ولم يُدركوا وَلَو لبرهة، في أي اتجاه مسارهم إن أَدركتهم الرياح السَموم.
بصرف النظر، أنها قد تكون لحظة مصيرية، وتاريخية، تُبَدّل بوصلة البرلمان، لتُستَكمَلَ نهاية النظام، وانهيار آخر معالم الشرعية كما عرفتها البلاد منذ لبنان الكبير، هي التي على رغم كل ما صادفته من نكسات ونكبات، وسنوات حروب، استمرت على نفس الملامح والخط.
القشة التي قد تقصم ظهر الوجه العربي للبنان، ما عادت خياراً من خارج السلطة، لابل تكاد تكون الأقرب الى صورتها، ولا تتوقف عند دفاع عن سلاح خارج المؤسسات العسكرية والأمنية، في يد ميليشيا تُقَرّر عن الجميع، ولا عند دورها كَمُكَوّنٍ لبناني أساسي، وشريك تفاهمات وحوار، إنما كفصيل قتال رئيسي على مساحة المنطقة، مُشَرعَنٌ، والمواقف برعاية المرشد، والمواجهة إقليمية ودولية، والأخطر.
في الظاهر، إنه قانون انتخاب صُنِعَ في لبنان كما تُضَلّل البروباغندا وأدوات الإعلام، اما من الباطن، فالقانون حك رُكَب وعضّ أصابع، وقد بدأت لحظته قبل أن يبدأ، حسابات، وخروقات، وخصوم الى الواجهة، جميعهم يدورون في فلك لَبَّيك والروح والدم، والوعود والإنتصارات الإلهية، وإن بالتحالفات عن بعد، غَيض من فَيض الآتي، والأعظم.
شيءٌ ما في الأفق يُنذر بالأسوأ، رغم منسوب التفاؤل الذي يبثه جهابذة الحقوق والحلول، وهو الأعلى منذ انتُخِبَ بشير الجميّل رئيساً للبنان، والإنتفاضة الأذارية اليتيمة، ودَفَق الخيبات بعدها، مع نفس فريق الجهابذة.
وشيءٌ ما، أيضاً، وكأنه انتظار لمفاجأة من سماءٍ ما، او ربما الأقرب الى الواقع، معجزة، خارج المستنقع..
إنما، ما من شيء ينتهي هنا، وفي الجعبة لما بعد الإنتخابات، أكثر مما حملته قبلها بأبعاد، وبأثقال سوف ينوء تحتها كل لبنان، وإن كانت في التفاهم منفردة، بأفضليات ثنائية، وأولويات، يُقَرّرها حزب الله، يُتَرجمها خيارات للبلاد مجتمعة، وتُعتَبَر نافذة، وقيد التزام المُوافق والمُعترض فور إطلالة أمينه العام، لا نقاش، إنما ضرب سيوف في الماء، لا يُجدي، ولا يحفظ ماءالوجه.
فذلكة الصورة الجامعة، ونجاحات العهد، أقرب الى تمديد مهل، وتأجيل أزمة، منها الى جدّية الإجتماع والإجماع..
والشاشات غارقة في سيناريوهات المُصطَنَع، تاركة للكواليس ما يُحاك، ولا يُحكى، وخفايا ما يُدَبَّر، ويتقاسمه أهل العتمة، بعضهم ظلماً، بعضهم زوراً، وبأغلبية فجور، كُلٌ يُخبرك على ليله، أنه أنجز المستحيل، وكُلٌ يعلم، والكُلُ يعلم، أنه ما أنجز سوى الرضوخ.
المأزق لايزال ساري المفعول، ومفاعيل الخواتيم السعيدة الإستباقية، كنشوة ما قبل الإنتصار، ضرب من ضروب المغامرة والمفاوضات في أَوج نقاطها الخلافية، والتفاصيل والشياطين على مسودة، وإن قالوا أنها أينعت.
خبراء يبحثون في الأعداد والحصص، وتسوية اللحظة الأخيرة، بالأرخص..
السجال في قانون الإنتخاب ما انتهى بعد، ولا هو الأساس في كل ما يُستَعرَض، وإن كان نقل الخبر يختلف عن المضمون، والإرث المُتَراكم.
الحدث في مكان، والحديث في مكان آخر، وتتفاقم التغطية بالتبريرات العبثية، والتواطؤ بتداعياته، وما تَيَسَّر من أعباءٍ تُثقِل كاهل البلاد، فلا يعود السؤال في غيرها على أي أجندة.
في المُحَصّلة..
كل ما هو خارج ملف السلاح الغير شرعي، والدولة السائبة، وتَفَلّت الزعران والشارع وَلَو من غير عنف وفوضى، لا يمت الى أي حل بأي صلة، وكل ما هو خارج ملف الأطماع الإيرانية الموكل بها حزب الله، وما تلتزم السلطة الحالية تجاهه، لا يُمكن أن يُشَكّل أي معبر لأي دولة حقيقية.
لا رئيس قوي، ولا برلمان، ولا مناصفة، ولا حقوق مسيحيين، ولا مَن يَدَّعي المرجلة في إعادتها الى أصحابها..




طوني ابو روحانا.