مشروعُ إبدالِ الشعبِ اللبنانيّ – سجعان القزي – الجمهورية

بقاءُ النازحين السوريّين أمرٌ مرفوضٌ من منطقِ خصوصيّةِ الكِيانِ اللبنانيِّ وفلسفةِ ومبرِّرِ وجودِه من جهة، ومن مَنطوقِ الدستورِ الوطنيِّ ومنطَلقِ القانونِ الدوليِّ من جهةٍ أخرى. إنَّ خصوصيّةَ لبنان الاجتماعيّةِ والإنسانيّةِ في هذا الشرق الإحاديِّ الهويّةِ تَلفُظُ أيَّ فائضٍ سكانيٍّ من شأنه أن يَقضيَ على هذه الخصوصيّةِ كما تَلفُظُ السِمفونيّةُ اللحنَ النَّشاز والطائرةُ الحُمولةَ الزائدةَ.

لقد تأسّس لبنانُ الوطنُ والدولةُ على قاعدةِ التوازنِ بين جماعاتِه الدينيّة، وجاء الاعترافُ بالمناصفةِ ليؤكّدَ ثباتَ هذه الخصوصيّةِ بمنأى عن التحوّلاتِ الديمغرافيّةِ بين مكوِّناتِ شعبِه. لكنْ، ما قيمةُ المناصَفةِ بين اللبنانيّين أمامَ التوطينِ السوريِّ والفلسطينيّ؟




لذا وَجَب التمييزُ بين استقبالِ النازحين السوريّين الهاربين من الحرب، وهذا واجبُنا الأخويُّ والإنسانيُّ، وبين تحوُّلِهم مهاجِرين ثابتين يَبحثون عن حياةٍ جديدةٍ ونمطِ عيشٍ مختلِفٍ عن ذاك الذي عرَفوه في سوريا، وهذا ما نقاومُه.

وتزدادُ المخاوفُ حين تؤكّد دراسةُ منظّمةِ العملِ الدوليِّ: «إنَّ النازحين الذين تتوّلى الأممُ المتّحدةُ أمرَهم يَبقَون نحو 17 سنةً في بلدانِ النزوحِ بحكمِ غيابِ الحلولِ للأزماتِ والحروبِ التي أدّت إلى نزوحِهم، ما يجعلُ اندماجَهم في المجتمعاتِ المُضيفةِ أمراً حتميّاً بفعلِ الأمرِ الواقعِ الناتجِ على الوجودِ المُستدام». وتصبحُ المخاوفُ يَقيناً حين نَقرأ تقريرَ الأمينِ العامّ السابقِ للأممِ المتّحدةِ، بان كي مون، الذي يدعو فيه الدولَ المُضيفةَ إلى «دمجِ اللاجئين والنازحين عموماً وإعطائِهم الجِنسيّةِ في الوقتِ المناسِب».

لا أنظرُ إلى النازحين السوريّين بعينٍ طائفيّةٍ، لكنَّ نظرتي، كمسيحيٍّ حريصٍ على استمراريّةِ وجودِه هنا وعلى وِحدةِ لبنان الميثاقيّةِ، تأخذ بُعداً طائفيّاً حين يَتحوّل النازحون مستوطِنين. وهذا الاعتبارُ الطائفيُّ ليس طائفيّاً، بل هو الموقفُ الوطنيٌّ والإنسانيٌّ بامتيازٍ لأنَّ توازنَ الوجودِ اللبنانيِّ يُحتِّم الاكتفاءَ بشعبِ واحدٍ على أرضٍ لبنان. إنَّ حركاتِ النزوحِ تغيِّرُ المجتمعاتِ أكثرَ مما تُغيِّرها الحروب.

انتهى زمنُ كان لبنان، وتحديداً جبل لبنان، ملاذَ الجماعاتِ المضْطهَدةِ في هذا الشرق. يومَها كانت المساحاتُ مُشاعةً لا سيادةَ لها ولا استقلالاً، لا كيانَ لها ولا حدوداً، لا دولةَ شرعيّةً تُديرها ولا شخصيّةً خاصّةً تُميّزُ مجتمعاتِها. يومَها كانت غائبةً مفاهيمُ الديمغرافيا والاستقرارِ والاقتصادِ والنموِّ والتضخُّمِ وميزانِ المدفوعاتِ والبطالةِ وفُرصِ العملِ والضمانِ الاجتماعيِّ. كانت الشعوبُ تعيش على مبدأِ «احْمِلْ سيفَك أو إيمانَك واتْبَعني».

كانت الجماعاتُ المغضوبُ عليها تَلجأ إلى أيِّ مِنطقةٍ تَجِد فيها أمنَها ومورِدَ رِزقِها فتَستوطِنُها من دونِ سِمةِ دخولٍ أو سندِ إقامةٍ أو بطاقةِ هوّية. وكانت جبالُ لبنان وِجهةَ أقليّاتِ هذا الشرق عبرَ العصورِ والعهود، فاندمَجت تدريجاً مع سكّانِه الأصليّين الأراميّين والكنعانيّين والفينيقيّين (صارت خيانةً أنْ نَتذكّرَ أصلَنا).

أما اليوم، فنشأت الدولُ بحدودِها، بهويّاتِها الخاصّة، بحُرمتِها الدستوريّة، بأنظمتِها السياسيّةِ، بتوازناتِها الداخليّةِ، بمميِّزاتِها الثقافيّةِ والاجتماعيّةِ والحضاريّة. أصبح هناك سيادةٌ وطنيّةٌ وإقليميّةٌ برّاً وبحراً وجوّاً. وبالتالي لا يستطيعُ أيُّ شعبٍ أنْ يجتاحَ شعباً أخَرَ تحتَ أيِّ ذريعة.

والمؤسفُ في هذا المجالِ أنَّ الأممَ المتّحدةَ التي أُنشئت لحمايةِ سيادةِ الدولِ تَنقُض عِلَّةَ وجودِها حين تَطرحُ توطينَ الفلسطينيّين وتَثبيتَ النازحين السوريّين فتجنيسَهم من خلالِ مشاريعَ ظاهرُها انسانيٌّ وباطنُها سياسيّ. وإذا كانت هذه المشاريعُ نتيجةَ عجزٍ عن إيجادِ حلٍّ آخَر فتلك مُصيبةٌ، وإذا كانت جُزءاً من إعادةِ رسمِ خريطةِ دولِ الشرقِ الأوسط وشعوبِها فالمُـصيبةُ أعظَم.

التفاهمُ الميثاقيُّ بين أباءِ الكيانِ تَضمَّن اعترافاً عمليّاً بـ«الاستثناءِ اللبنانيِّ» في الشرقِ مع كلِّ ما يَستَتبِعُ ذلك من ضوابطَ وممنوعاتٍ، وفي طليعتِها الضوابطُ القاسيةُ التي وُضِعت في قانونِ منحِ الجنسيّةِ اللبنانيّةِ للأجانب. غير أنَّ الصيغةَ اللبنانيّةَ، بوجهِها العدديِّ والتعدّديِّ، تَعرّضَت لستّةِ خُروقاتٍ سبَّبتها حركاتُ الدمجِ واللجوءِ والحروبِ والنزوح.

• الخرقُ الأوّلُ حصلَ سنةَ 1920 حين ناضل المسيحيّون للانتقالِ من نظامِ المتصرفيّةِ حيث كانوا 83% من السكّانِ إلى دولةِ لبنان الكبير، فانخفَضت نسبتُهم إلى 60%.

• الخرقُ الثاني حصلَ بين سنتَي 1926 و 1936 حين هَرب ألوفُ اللاجئين الأرمن إلى لبنانَ بعد مجازرِ الإبادةِ التي ارتَكبها العثمانيّون الأتراك بحقّهم، فتَمَّ تجنيسُهم للتعويضِ عن انخفاضِ عددِ المسيحيّين فكانوا مواطنين مسالِمين وبنّائين.

• الخرقُ الثالثُ حَصل سنةَ 1948 مع اغتصابِ إسرائيل أرض فلسطين، فاستَضاف لبنانُ لاجئين فلسطينيّين فبَقَوا فيه وبلغَ عددُهم اليومَ نحو نِصفِ مليونِ فلسطينيٍّ توطَّنوا لبنانَ بفعلِ الأمرِ الواقع.

• الخرقُ الرابعُ حَصل بعد اندلاعِ الحربِ في لبنان سنةَ 1975 ما سبّبَ هجرةً مسيحيّةً كبيرةً إلى مختلَفِ أصقاعِ العالمِ واختلَّ الميزانان الجغرافيُّ والديمغرافيُّ لمصلحةِ المسلمين.

• الخرقُ الخامسُ حَصلَ سنةَ 1994 حين صَدر أخطرُ قانونِ تجنيسٍ جَماعيٍّ لنحو 250 ألفِ أجنبيٍّ غالِبيَّتُهم من السوريّين والفلسطينيّين والعربِ وباتوا اليومَ نحو 800 ألفٍ مع العائلاتِ والولاداتِ على مدى 23 سنةً.

• أما اليومُ فنشهَد حدوثَ الخرقِ السادسِ والأخطرِ مع وجودِ نحو مليونٍ و700 ألفِ نازحٍ سوريٍّ يُشكِّل بقاؤهم هنا انتهاكاً للصيغةِ اللبنانيّةِ ونهايةً لوِحدةِ لبنان استناداً للمعطيات التي أوردتُها آنِفاً، خصوصاً وأنَّ 95% من هؤلاءِ النازحين يَنتمون إلى فئةٍ دينيّةٍ واحدةٍ ويَحملون معهم أفكاراً وعقائدَ مناهضةً للكِيان اللبنانيّ من الوِحدةِ العربيّةِ مروراً بالوِحدةِ الإسلاميّةِ وصولاً إلى التنظيماتِ الأصوليّةِ والتكفيريّةِ والجِهاديّةِ، وتَفوق نسبةُ إنجابِهم نسبةَ ولاداتِ اللبنانيّين؟

معدَّلُ مجموعِ هذه الخروقاتِ الستَّةِ يَكشِف رقماً مُخيفاً: 67،5% من سكّانِ لبنانَ هم سوريّون وفِلسطينيّون بين لاجئٍ ونازحٍ ومُجنَّس. ورغم ذلك لا نَبني جُدراناً فاصلةً ولا نَضع أسلاكاً شائكةً بعد.

لكنَّ الدولةَ اللبنانيةَ مطالَبةٌ باحترامِ دستورِها وميثاقِها وقوانينِها لحمايةِ شعبِها ومجتمعِها وكيانِها، كما أنَّ الأممَ المتّحدةَ مطالَبةٌ بإعادةِ النازحين السوريّين إلى سوريا سريعاً من خلال إنشاءِ مناطقَ آمنةٍ داخلَ سوريا. خلاف ذلك، سوريا لن تعودَ سوريا، ولبنانُ لن يبقى لبنان. أهلاً بالقرنِ التاسعِ عشَر.