رسالة الرؤساء السابقين … عودوا للشارع

مسعود محمد

مسألة سيطرة حزب الله على كل مفاصل الدولة ومؤسساتها في لبنان، لم تعد أمرا يمكن إنكاره أو تجاهله. السياسة اللبنانية كانت تتجه إلى القيادات الخليجية عامة والسعودية خاصة، بخطاب يقول إن هناك بعض المؤسسات مستثناة من هذه السيطرة، وأبرزها مؤسسة الجيش، التي كانت تغدق عليها سلسلة من التوصيفات التي لا تتصل بعالم الواقع، خاصة وأن أجهزة أساسية في الجيش مثل مخابراته هي تحت السلطة الكاملة لحزب الله، بقيت الصورة مبهمة الى أن خرج علينا الرئيس اللبناني مشال عون، وقال، في حديثه إلى محطة «CBC» الفضائية المصرية، ردًا على سؤال عن مستقبل سلاح «حزب الله»، أنه: «ما دامت هناك أرض تحتلها إسرائيل التي تطمع أيضا بالثروات الطبيعية اللبنانية، وما دام الجيش اللبناني لا يتمتع بالقوة الكافية لمواجهة إسرائيل، فنحن نشعر بضرورة وجود هذا السلاح لأنه مكمل لعمل الجيش ولا يتعارض معه، بدليل عدم وجود مقاومة مسلحة في الحياة الداخلية». في ظل هذه السيطرة وانبطاح رئيس الوزراء سعد الحريري أمام حزب الله، ودخوله بمفاوضات معها، وتخليه عن فكرة 14 آذار، ودخول القوات في تحالف مع التيار الوطني الحر منسحبا من المساحة الوطنية ل 14 آذار الى فضاء مسيحي ضيق، برز موقف لافت لخمس رؤساء سابقين عشية القمة العربية. حيث وجه الرؤساء السابقون ميشال سليمان، نجيب ميقاتي، تمام سلام، أمين الجميل وفؤاد السنيورة رسالة الى القمة العربية المنعقدة في الاردن، تشرح وجهة نظرهم في الأوضاع الحاضرة في لبنان والمنطقة، ومحاذيرها على لبنان، وضرورة مواجهتها، وأكدوا على ما يلي:




أولاً: الالتزام الكامل باتفاق الطائف واستكمال تنفيذ بنوده كافة، وبالدستور، والعيش المشترك الجامع بين اللبنانيين. وهي المبادئ والممارسات التي تحفظ لبنان، وتحفظ العلاقات بين اللبنانيين.

التزام لبنان بالانتماء العربي وكذلك بالإجماع العربي وبقرارات الجامعة العربية، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالشأنين اللبناني والعربي، وفي مقدمها القرار 1701 الذي يضمن أمن لبنان في مواجهة إسرائيل وحفظ حقه في اراضيه التي لا تزال محتلة من قبل اسرائيل.

الالتزام بإعلان بعبدا 2011( والخاص بتحييد لبنان عن سياسات المحاور والصراعات الإقليمية والدولية) وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليمية، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنية وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب التزامه قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي والقضية الفلسطينية المحقة، بما في ذلك حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم.

ثانياً: الالتزام بعدم التدخل في الأزمة السورية، وادانة التدخلات الخارجية بالدواخل اللبنانية والعربية.

ثالثاً: ضرورة الاهتمام العربي بالتضامن مع لبنان في تحرير أرضه، وفي رفض السلاح غير الشرعي، وضرورة بسط الدولة اللبنانية وأجهزتها العسكرية والأمنية لسلطتها وحدها على كامل التراب اللبناني، كما هو مقتضى السيادة وحكم القانون والشرعية.

رابعاً: دعم لبنان لإقداره على مواجهة تحديات أزمة النازحين السوريين الى لبنان ومساعدته سياسياً ومادياً حتى عودتهم السريعة الى ديارهم.

خامساً: إن الموقعين أدناه، إذ يرون أن أمن لبنان وسلامه يعتمد على عدة ركائز أولها دعم الدولة اللبنانية بسلطاتها الكاملة وغير المنقوصة وحدها على كامل الاراضي اللبنانية، بما في ذلك رفض السلاح غير الشرعي، واحترام الشرعية العربية والدولية، وقواعد العيش المشترك، يعتبرون قمة عمان العربية في هذه الظروف أملا كبيرا لمعالجة المشكلات العاصفة التي تتعرض لها الأمة ودولها في المشرق على وجه الخصوص.

أتت هذه الرسالة لتنفي ما قاله رئيس الجمهورية ميشال عون لل  (CBC)، من ناحية عدم وجود اعتراض على سلاح حزب الله، وضرورة استمرار سلاحه في ظل الاحتلال الاسرائيلي، وعدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة العدو الاسرائيلي كما ادعى الرئيس.

أعقب ارسال الرسالة موجة اعتراض واسعة من قبل شركاء السلطة في لبنان، وكان ابرزها اعتراض وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق المحوب على تيار المستقبل، الذي اعتبر الرسالة “خطيئة”، الرئيس بري اعتبر الرسالة “قوطبة على رئيس الجمهورية”، الرئيس الحريري في ظل الصدى القوي الذي تركته الرسالة في الضاحية الجنوبية ولدى قيادة حزب الله نأى بنفسه عنها خاصة وانه يحاور حزب الله، وتفاهم معه للوصول الى رئاسة الحكومة، أما حزب الله فاعتبر الرسالة موجهة ضده، مصادر جريدة “الأخبار” التابعة لحزب الله قالت، إنَّ الخطوة “جاءت بضغط من السعودية، التي تخشى موقفاً للرئيس عون في خلال مؤتمر القمة، يكون شبيهاً لما سبق أن أعلنه عن حاجة لبنان إلى سلاح حزب الله، إضافة إلى الموقف الرافض للانخراط في المحاور القائمة في الإقليم. وقالت إنَّ الخطوة تبدو غريبة جداً، إذ إنَّ هناك رؤساء سابقين لم يُستشاروا، مثل الرؤساء إميل لحود وحسين الحسيني وسليم الحص”.

في ظل ما سبق عدة أسئلة تطرح نفسها على الساحة اللبنانية:

  • هل بات عرضة للإنتقاد من يؤكد على التزام لبنان بانتمائه العربي وبميثاق جامعة الدول العربية وبالمواثيق والقرارات الدولية، وبسياسة النأي بالنفس والإلتزام بسيادة لبنان ورفض أي سلاح غير شرعي؟
  • الى أي مدى سيستمر الحريري والقوات تجاهل ارادة جماهير 14 آذار الرافضة لهيمنة سلاح حزب الله والداعية الى سيادة ووحدة الدولة، والعبور اليها، وحصرية حملها للسلاح، ورفض تدخل حزب الله في سوريا واليمن والعراق والبحرين، وبالتالي تغييب ذلك الصوت وخنقه ومنعه من التعبير عن نفسه؟
  • هل بات لبنان بحكم الواقع تحت سلطة ايران من خلال حزب الله وبالتالي ممنوع اظهار أي صوت معارض، لخط الممانعة بقيادة طهران؟
  • هل تتشكل جبهة سياسية جديدة تنبثق من رحم 14 آذار وتخوض الانتخابات النيابية على قاعدة استعادة الكرامة الوطنية التي هدرت بالتفاوض والتحاور مع حزب الله، والخضوع لاملاءاته (المستقبل)، والتحالف مع التيار على أساس طائفي (القوات) ؟

قال سمير قصير مقولته الشهيرة عشية شعوره انه هناك من يريد حرف ثورة 14 آذار عن خطها ” عودوا للشارع يعود اليكم الوضوح”، ومازال الشعب اللبناني متأهب للدفاع عن حريته بغض النظر عن غدر بعض القيادات بثورته. لقد قام لبنان العام 2005 من خلال ثورته ثورة الأرز برسم معالم الغد العربي، فتحولت بيروت وجه العروبة الواعد. وهي كذلك تحديداً لأنها لا تُختصر بـ”الشارع البيروتي” النمطي. ولعل اثمن ما اثبتته بيروت في تلك الايام هو ان وجه العروبة لم يعد مرادفاً للعبوس. بل ان الشباب والشابات الذين تحدّوا منع التظاهر وأخرجوا الاحتلال السوري، ووقفوا بوجه سلاح حزب الله، هم اولئك الذين اعتدنا سماع الانتقادات في حقهم لكثرة ارتيادهم حانات شارع مونو وغيره من اماكن اللهو والسهر، فعذراً منهم لاننا شككنا بهم.

طبعاً، هؤلاء لم يكونوا وحدهم، ولم يكن المتظاهرين والمعتصمين من فئة اجتماعية واحدة، ولا طبعاً من فئة طائفية واحدة، رغم ما قد يحلو للبعض تصويره، لكنهم جميعاً تقاطعو عند شيء واحد، هو “حب الحياة” الذي يقودهم الى طلب طالحياة الحرةط، وهم اليوم أيضا اذا سنحت الظروف ولزم الأمر سيعودون للشارع لاسقاط السلاح الغير شرعي والعبور الى الدولة، والمطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال.