بوتين و أردوغان – حسابات الطاقة و النفوذ

mohammad-chehadeh

بقلم: محمد شحادة*




راهنت تركيا عند إندلاع الثورة في سوريا على عضويتها في الناتو لإقناع الإدارة الأميريكية بإقامة منطقة عازلة في الشمال السوري، تنطلق منها لتثبيت نفوذها في سوريا و حماية مصالحها المتعلقة بمنع نشوء كانتون كردي في الشمال السوري. فالمنطقة العازلة التي كانت قادرة على القيام بها منفردة في مرحلة ما قبل التدخل الروسي العسكري المباشر، أصبحت مستحيلة دون الأميريكيين بعد وصول الأساطيل الروسية إلى المتوسط، و أصبحت مهمة إقناع الأميريكيين بهذا الأمر مستحيلة للغاية في ظل السياسة التراجعية لأوباما في الشرق الأوسط.

جاء إسقاط طائرة السوخوي كإختبار لحلف الأطلسي إذا ما كان سيلتزم بدعم تركيا و سيصعد موقفه في مواجهة بوتين والحد من إندفاعته. و لكن خاب أمل تركيا مرارا و تكرارا من أداء الرئيس أوباما و دفعت تركيا أثمان منفردة في الحرب السورية، ترافق ذلك مع تراجعات قطر و السعودية في تقديم الدعم لفصائل المعارضة. على صعيد آخر برز الدعم الأميريكي لقوات سوريا الديموقراطية (فصيل كردي) بحجة أنه يحارب تنظيم داعش في الشمال، و الذي كان مؤشر صريح للأتراك أن الأميريكيين غير مهتمين إذا ما ذهب الوضع في سوريا إلى التقسيم و إقامة كانتونات صغيرة على الرقعة السورية. أمام واقع كهذا لم يبقى لدى صناع القرار في تركيا سوى البحث عن شراكة واقعية مع الروس أنفسهم للخروج من الورطة السورية التي دخلت عامها الخامس دون أي مبالاة من حليفتها واشنطن.

روسيا بالمقابل إقتنعت بعدم جدوى المحادثات مع الأميريكيين و توجست من ناحية أخرى من حليفتها الإقليمية إيران، التي تقوم بحصاد نتائج العمليات العسكرية الروسية على الأرض، و تثبيت نفوذها مستعينة بميلشيات شيعية من العراق و لبنان.

أدرك بوتين حاجته لوقف هذا الجموح الإيراني إلى النفوذ و السيطرة، خاصة أن إيران القادرة على تغذية أوروبا بالنفط و الغاز عبر الخط البري الممتد من طهران إلى الساحل السوري إذا ما تم رفع كامل للعقوبات الدولية و الأميريكية على النظام الإيراني، و هو إذا ما حصل يشكل تهديد مستقبلي لمصالح روسيا في مجال الطاقة و ستكون إيران في لحظة معينة مشارك للدب الروسي في إمداد أوروبا بالغاز.

ولدت مصلحة عاجلة لدى الروس في إدخال الأتراك كشريك في إدارة الأزمة السورية، و توصل الأتراك إلى قناعة مفادها أن الروس شركاء جديين في الأزمة الروسية.و تمت الزيارات الرسمية بين موسكو و أنقرة لإعادة العلاقات إلى ما قبل أزمة إسقاط مقاتلة السوخوي، و التي تسببت بضربة موجعة للعلاقات التجارية بين البلدين، كما تسببت في تجميد مشروعين ضخمين للطاقة وهما تركستريم لنقل الغاز الطبيعي عبر البحر الأسود و مفاعل أكويو النووي الذي تشرف الوكالة الفيدرالية للطاقة النووية الروسية (روزاتوم) على بنائه، وقبل الأزمة، كانت روسيا المستورد الرئيسي للمنتجات الغذائية التركية.

جاءت زيارة أردوغان لموسكو الإنطلاقة الأولى لعقد الشراكة الضرورية بين البلدين و لحقتها زيارة بوتين لأنقرة كتتويج للتفاهمات الجديدة مع تركيا و أكد الرئيسان إلتزامهما بالتعاون في مشروع أنبوب الغاز الروسي-التركي “توركستريم” الذي سينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر البحر الأسود وكذلك بناء موسكو لأول محطة نووية تركية. و التي كانت بمثابة رسالة واضحة لإيران أن روسيا لا تدفع بآلتها العسكرية إلى سوريا لتثبت إيران نفوذها مجانا، و أن روسيا قادرة على إيجاد شركاء آخرين في المنطقة.

ومن المقرر أن يضخ خط “توركستريم  31,5  مليار متر مكعب سنويا من الغاز الروسي إلى أوروبا، ما يساعد موسكو في الحد من عمليات نقل الغاز عبر أوكرانيا.

وقال أردوغان في كلمة أمام مؤتمر الطاقة العالمي 2016، أن “الدراسات أظهرت أن المسار التركي هو الأكثر ربحا والأكثر توفيرا لنقل الغاز”، داعيا شريكه الروسي إلى “مواصلة هذا المشروع الرئيسي”.

من جهة تركيا، أراد أردوغان إرسال إشارة إلى حلفاء أنقرة الغربيين بأن تركيا لا تزال قادرة على التحكم بمصيرها بنفسها، بعد أن شعرت بخذلان الولايات المتحدة وأوروبا لها عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة و عدم الأخذ بهواجس تركيا في سوريا لناحية الأكراد و المنطقة العازلة، و أن ما لم تعطه واشنطن لتركيا قادرة على الحصول عليه من روسيا.

وإنطلقت عملية درع الفرات بالتزامن مع عملية روسية لإستعادة حلب، و ظهر غض النظر المتبادل بين الروس و الأتراك، حيث حقق الأتراك مصالحهم في قطع الإتصال الجغرافي بين مناطق سيطرة الأكراد في شمال سوريا، تحت شعار طرد قوات داعش و قوات سوريا الديموقراطية المدعومة أميركيا إلى شرق الفرات و التوسع غرباً نحو مدينة الباب في الريف الشمالي لحلب. ترافق ذلك مع عملية إستعادة النظام السوري و حلفائه من الميليشيات الإيرانية شرق حلب بغطاء جوي روسي كثيف، و توقف العمليات العسكرية مع إجلاء كامل لكل الفصائل المعارضة في شرق حلب نحو إدلب و الأرياف.

و ظهر لنا كيف تضاربت المواقف بين الروس و الإيرانيين في التعبير عن ما بعد حلب، حيث تحدث لافروف عن وقف شامل لإطلاق النار في سوريا، و لم تتردد المقاتلات الروسية في ضرب الميليشات العراقية و الإيرانية التي حاولت تعطيل عمليات إجلاء المدنيين و المقاتلين من شرق حلب، حتى لو صدر بيان عن وزارة الدفاع الروسية أن القصف تم عن طريق الخطأ.

يظهر بشكل واضح من صورة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف و وزير خارجية تركيا مولود جاويش اوغلو يتوسطهم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الخارطة النهائية للقوى المسيطرة على الإقليم السوري، تحقق من خلاله موسكو لجماً لشهية النفوذ لدى الإيرانيين عبر إدخال الشريك التركي، و تحقيق تركيا لمصالحها بمناطق آمنة تحت سيطرتها في الشمال و تقطيع أوصال المناطق المحتمل أن تكون إقليما للحكم الذاتي الكردي.

*باحث في العلوم السياسية و العلاقات الدولية