جنبلاط يخوض معركة «حياة أو موت»

قبل الانتخابات الرئاسية طرح الرئيس نبيه بري في إطار طاولة الحوار الوطني تسوية للأزمة السياسية وفق مبدأ السلة المتكاملة وتتضمن اتفاقا على ثلاث مسائل أساسية ومترابطة: رئاسة الجمهورية ـ الحكومة ـ قانون الانتخاب. لم يؤخذ بهذه السلة ولم ينجح بري في مبادرته، ولكن يبدو أنها تنفذ بالمفرق بعدما رفضت بالجملة.

وبعد انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة جديدة جاء دور قانون الانتخاب، وحيث يبدو أن معركة قانون الانتخابات النيابية هي المعركة السياسية الفعلية، لا بل «أم المعارك» التي يتوقف عليها والى حد كبير مصير ومستقبل «الأحزاب والقوى وخارطة القوى والتحالفات والوجه السياسي الجديد للبنان»..




بعد نقاش ماراتوني في مشاريع قوانين الانتخاب (عددها 17 في مجلس النواب)، وبعد استبعاد قانون الـ 60 والقانون الأرثوذكسي، انحصرت الخيارات في نظامين:

٭ النظام المختلط (الأكثري والنسبي). وهنا انحصر البحث بين صيغتين: الصيغة التي قدمها بري وقضت بـ 64-64، والصيغة التي وردت في اقتراح مشترك توافق عليه المستقبل والقوات والاشتراكي وقضى بـ 68 (أكثري) 60 (نسبي).

٭ النظام النسبي الذي قفز مرة واحدة الى الواجهة متقدما كل ما عداه واكتسبت عملية طرحه وتسويقه جدية قصوى في ضوء ثلاثة تطورات:

1- إعلان الثنائي الشيعي موقفا متشددا في التمسك بقانون النسبية. وهذا التشدد ظهر من خلال:

– الانتقال الى طرح «النسبية الكاملة»، بما يعني وضع حد لكل اقتراحات النظام المختلط.

– رفض إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين، وبما يعني أن لا انتخابات إلا بعد التوصل الى قانون جديد «نسبي».

– اعتبار قانون النسبية «ممرا إلزاميا» الى بناء الدولة، بما يعني أن قانون الانتخابات هو في أساس النظام السياسي وإصلاحه، وأن التغيير في هذا القانون يتصدر التغييرات المطلوبة في عملية تطبيق اتفاق الطائف.

2- مبادرة التيار الوطني الحر في شأن قانون الانتخاب وأخذه المبادرة الى تحريك هذا القانون ووضعه على رأس جدول أعمال المرحلة. وتكتسب هذه «الحركة التشاورية» أهمية كونها تعكس رأي وتوجهات الرئيس ميشال عون الذي تعزز دوره وتأثيره في المعادلة، وتحديدا في معادلة الانتخابات قانونا وإجراء.. وكونها تنطوي على «تسويق واضح» لقانون النسبية في تناغم وتماه مع موقف حزب الله وحركة «أمل»، والى درجة أن الرئيس بري يتحدث عن تطابق في هذا المجال، وأن قانون الانتخاب بات يشكل أرضية سياسية مشتركة مع التيار الوطني الحر ويساهم في إلغاء مشاكل وتوترات ما قبل رئاسة الجمهورية..

3- إعلان الرئيس سعد الحريري بشكل رسمي، وفور إعلان حكومته من قصر بعبدا، استعداده للسير في قانون جديد للانتخابات على أساس النسبية، وبما أوحى أن الإفراج عن الحكومة حصل مقابل إفراجه عن هذا الموقف، وأن عودته الى رئاسة الحكومة لم يكن ثمنها السياسي محصورا في انتخاب الرئيس عون وإنما بتأييد القانون النسبي أيضا.

عند هذا الحد، تحرك الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، خرج عن صمته الذي يلتزمه منذ أشهر، وخرج من سياسة المهادنة والمرونة والتسهيل والتساهل التي واكب بها التسوية الرئاسية الحكومية واعتمدها في عملية تشكيل الحكومة، حيث ارتضى جنبلاط بما كان يعرض عليه حتى لو حصلت تقلبات في العروض التي تنقلت من الصحة الى العدل فالتربية ومن البيئة والزراعة الى «المهجرين»…

جنبلاط بدا «لا مباليا» في موضوع الحكومة، لأن معركته ليست هنا وإنما في مكان آخر: قانون الانتخاب..

هذه معركة حياة أو موت بالنسبة إليه لا يستطيع فيها التنازل أو السكوت أو إظهار أي مؤشر ضعف..

قانون النسبية يحجمه نيابيا ولا يعطيه كتلة أكثر من 6 نواب (حاليا 11) ويلغيه سياسيا..

وبما أن الطائفة الدرزية قائمة على أحادية الزعامة الجنبلاطية، فإن إلغاء جنبلاط سيكون بمثابة إلغاء للطائفة ودورها وحقوقها.. هكذا يصدر جنبلاط معركته معبرا عن رفض كامل لقانون النسبية ومجاهرا بتأييده لقانون الستين ومطالبا في كل الأحوال بأن ي لحظ وضع خاص لمنطقة الجبل وتحديدا الجبل الجنوبي الذي يضم أقضية الشوف وعاليه وبعبدا.. ففي أي قانون جديد يطالب جنبلاط بفصل قضاء بعبدا عن قضاءي الشوف وعاليه وإبقائهما دائرة انتخابية واحدة بحيث يكون تأثير مجموع الأصوات الدرزية فيهما واضحا وحاسما.

في كل الانتخابات النيابية التي جرت بعد الطائف كان وضع جنبلاط الخاص يؤخذ في الاعتبار الى درجة أن مناطقه كانت تشكل دوما استثناء. وحتى عندما جرت أول انتخابات على أساس المحافظة دائرة انتخابية، جرت الانتخابات في جبل لبنان على أساس الأقضية.. والآن يعلو «صراخ جنبلاط السياسي» لأنه يخشى بعدما أفلت من اغتيال جسدي أن يقع في اغتيال سياسي عن طريق «مقصلة الانتخابات» لتدفيعه ثمن موقفه من الحرب السورية وخياراته السياسية التي لم تكن من ضمن «الخط المنتصر في المنطقة».. ولذلك لم يتردد جنبلاط في رفع الصوت والبطاقة الحمراء في وجه قانون النسبية لشد عصب الطائفة ودفعها للالتفاف حوله، بمن فيهم الوزير طلال ارسلان المؤيد للنسبية.. ولدفع حلفائه التاريخيين بري والحريري الى مد يد المساعدة، إما باستمرار وضعه الخاص، أو على الأقل بعدم السير بالنسبية الكاملة وعلى أساس دوائر كبرى.

مما لا شك فيه أن موقف جنبلاط يساهم في جعل مسألة وضع قانون جديد للانتخابات أكثر صعوبة وتعقيدا..

خصوصا أنه يلقى مساندة من طرفين أساسيين: المستقبل والقوات اللبنانية، وهما يرفضان النسبية ويقبلان كحد أقصى نسبية مختلطة وليست كاملة. وهذا المنحى في قانون الانتخابات الجديد يجعل أن التوصل الى اتفاق حوله أمر صعب جدا في المهلة المتبقية الفاصلة عن موعد الانتخابات، وحتى لو تم الاتفاق عليه سيكون أمر تطبيقه ووضعه موضع التنفيذ غير ممكن عمليا «تقنيا ولوجستيا» في هذه الفترة، ويفرض تأجيل الانتخابات لفترة والتمديد لمجلس النواب تمديدا تقنيا.

في الواقع، معركة قانون الانتخابات مهمة الى درجة أنها ستكون هي، لا الرئاسة ولا الحكومة، الدافع الأول والمباشر الى خلط أوراق اللعبة والتحالفات، كما أنها معركة «شرسة» لأنها تتصل بـ «المصير السياسي ومستقبل الأحجام والأدوار»، إضافة الى أنها ستطرح مصير انتخابات العام 2017 التي هي «على المحك وفي مهب الريح»..

ثمة أسئلة كثيرة مطروحة في هذا السياق:

٭ الأولوية للانتخابات أو للقانون؟! لإجراء الانتخابات في موعدها أم لوضع قانون جديد؟!

٭ هل في حال لم يحصل اتفاق على قانون الانتخابات، تؤجل الانتخابات ويتم التمديد لمجلس النواب؟! هل يقبل الرئيس ميشال عون بذلك؟!

٭ هل في حال لم يحصل الاتفاق على قانون النسبية، تجري الانتخابات على أساس قانون الـ 60؟! هل يقبل حزب الله بذلك؟!

الصورة مشوشة وتدفع الى الاعتقاد بأن الانتخابات بين احتمالين: الإجراء والإرجاء. فإذا كان الأهم هو إجراء الانتخابات تجري على أساس قانون الستين، وإذا كان الأهم القانون الجديد لن تجري في موعدها وسيكون تمديد لفترة محددة تمتد حتى سنة كحد أقصى.

الأنباء