جمول هزمت اسرائيل … وأسقطتها سوريا

مسعود محمد - بيروت اوبزرفر

مسعود محمد – بيروت اوبزرفر

هذا ليس مقال، انها محاولة للنقاش من موقعي المتواضع السابق، في قيادة بيروت للحزب الشيوعي اللبناني، وكعضو سابق في قيادة قطاع الشباب والطلاب التي قدمت الكثير من المساهمات في تلك المقاومة التي انطلقت من كل الوطن الى كل الوطن، رغبة مني باستعادة دورنا ببناء لبنان الحر الديمقراطي المستقل. لن أستطيع لوحدي أن ارسم صورة ومحتوى للنقاش فذلك يحتاج الى مساهمات كل الحريصين على استعادة ذلك الدور التاريخي للشيوعيين برسم صورة مشرقة للوطن.
هذا ليس مقال، انها محاولة للنقاش من موقعي المتواضع السابق، في قيادة بيروت للحزب الشيوعي اللبناني، وكعضو سابق في قيادة قطاع الشباب والطلاب التي قدمت الكثير من المساهمات في تلك المقاومة التي انطلقت من كل الوطن الى كل الوطن، رغبة مني باستعادة دورنا ببناء لبنان الحر الديمقراطي المستقل. لن أستطيع لوحدي أن ارسم صورة ومحتوى للنقاش فذلك يحتاج الى مساهمات كل الحريصين على استعادة ذلك الدور التاريخي للشيوعيين برسم صورة مشرقة للوطن.




اجتمع الشهيد جورج حاوي والأستاذ محسن ابراهيم في منزل الشهيد كمال جنبلاط الذي اغتاله النظام السوري ليعلنوا منه بيان إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ولم يكن ذلك البيان موجهاً لليساريين فقط بل كان موجهاً لكل اللبنانيين الشرفاء لينتظموا دفاعاً عن الكرامة الوطنية والتصدي للاحتلال الاسرائيلي، فالمقاومة هي رد فعل سياسي أو عسكري يعبر عن رفض التدخل الأجنبي (الاستعماري).

وجاء في البيان:

” أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً حراً مستقلاً.
إلى السلاح استمراراً للصمود البطولي دفاعاً عن بيروت والجبل، عن الجنوب والبقاع والشمال.

إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض لبنان من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه.
أيها اللبنانيون،

إن واجب الدفاع عن الوطن هو أقدس واجب. إن شرف القتال ضد المحتلّ هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطني أن يفاخر به.

فلتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين كافة، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الإيديولوجية والطائفية والطبقية، في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسراً للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم”.

كانت العمليات الأولى لجبهة المقاومة سرية للغاية ومفاجئة للجميع، لم ينتظر المقاومون كثيراً بعد بيان أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي (أبو أنيس) وأمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم كثيراً لبدء عملياتهم، يروى ان الطلقة الاولى كانت رمزياً في ١٦ أيلول الا ان قرار امين عام الحزب بالدفاع عن بيروت سطره ثلاث شيوعيين بدمائهم يوم ١٤ أيلول اثناء مواجهة تقدم قوات الاحتلال الى بيروت، فأطلقوا المقاومة دون انتظار لاي بيان انطلاقاً من إيمانهم بضرورة استمرار المواجهة ضد الاحتلال استنادا الى قرار الحزب وأمين عامه، قاتل الرفاق ببسالة وسقطوا شهداء، جورج قصابني ومحمد مغنية وقاسم الحجيري، اول شهداء جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، استشهدوا صباح الرابع عشر من أيلول، في يوم دخول الجيش الإسرائيلي إلى العاصمة بيروت، وحسب شهادة أحد مرافقي قادة الحزب وظلهم الأمين، علي ابي حيدر، انطلاقة العمليات لن تكن من صيدلية بسترس، رغم ان الحزب قد أرخ لها كأول عملية، ففي تلك الليلة أوقف مرافقي الشهيد حاوي سيارته ال BMW أمام السفارة الروسية للتمويه وانطلق الشهيد حاوي الى منزل الشهيد حسن حمدان “مهدي عامل”، حيث كان الشهيد مهدي بانتظاره وترك له باب المدخل مفتوحاً، بعد وصول أبا انيس أراد ان يبلغ قائد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية الياس عطا الله رسالة عملية توحي له بضرورة الإسراع بتنفيذ العمليات فطلب من أحد المرافقين رمي قنبلة صوتية على جيب اسرائيلي كان يقف على مفرق بيت الشهيد مهدي عامل، ووقف الشهيدان حاوي وعامل، في غرفة المونة المطلة على الجيب بزجاجها الداكن وراقبوا تنفيذ العملية، حيث حصل بعد ذلك هرج ومرج، وسقط للعدو جريحين، وخرج الشهيد مهدي عامل الى الشرفة  ليوحي وكأنه كغيره من الجيران خرج ليرى ما حصل، ويموه عن وجود أباً انيس في بيته، فصرخ به جنود الاحتلال ليعود الى داخل المنزل وهكذا انطلقت عمليات جبهة المقاومة من قرب منزل الشهيد مهدي عامل، الى صيدلية بسترس، الى محطة أيوب الى مقهى الويمبي الى عائشة بكار، الى بيروت كلها، الى الجنوب كله، الى البقاع كله و الى كل لبنان، انطلقت المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي، منذ اللحظة الأولى لاجتياح بيروت، وهي تعرف أن الطريق طويل وان مقاومة الاحتلال ومقاومة نتائجه تعني انتقالا نوعيا بالوضعية اللبنانية من حالة التفكك الداخلي الذي ساد عشية الغزو الى حالة جديدة، تحاول النهوض من الركام وتقدم صياغة جديدة للحاضر والمستقبل، ليس في لبنان فقط بل على امتداد الساحة العربية، لذلك استهدفت تلك المقاومة حتى لا يمتد التغيير الى تلك الدول التي تريد بقاء رؤسائها الى الأبد، وتنتخبهم تصفيقاً ووقوفاً، استهدفت حتى لا يكون في العالم العربي ربيعاً. المقاومة الوطنية اطلقت بانطلاقتها مشروعا وطنيا عنوانه التحرير والتغيير الديموقراطي. ليكون مقاومة عابرة للطوائف والمذاهب، وشهداؤها هم على مساحة الوطن كله. وهذا ما اعطاها بعداً حضارياً جميلاً وحقيقياً، سر قوتها أنها ناضلت من أجل الوطن وهذا ما مكنها من تحقيق نجاحات هامة، اذ كان لها الدور الأساسي بافشال نتائج الاجتياح الاسرائيلي للبنان لا سيما اتفاق 17 ايار، كما ان الاصلاحات ذات الابعاد الديموقراطية في اتفاق الطائف تعود في قسم اساسي منها الى دور المقاومة الوطنية”.

على صفحته للتواصل الاجتماعي كتب علي ابي حيدر بمناسبة ١٦ أيلول إطلاق جبهة المقاومة الوطنية “هناك مقاومين كثر على رأسهم مؤسسي تلك المقاومة، الشهيد جورج حاوي والرفيق محسن إبراهيم.

قياداتها كثر عاشوا بصمت وتحملوا الاهمال والحرمان، من الياس كمال زياد مازن حسين حسن ريمون طوني هشام درويش فرج الله جهاد فهد حكمت أبو جمال جلال شربل خليل علي جمال رائد زاهر وغيرهم وغيرهم
أسرار المقاومة ليست عندكم لانكم لا تعرفون تاريخها ولا تعرفون المقاومين
اسرار المقاومة هي في ضمير ووجدان الوطن بضمير ووجدان الشيوعين والوطنين”.

كريم مروه نائب الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني، أورد في كتابه ” فصول من تجربتي”، في الصفحة ١٠٥ تقريرا إحصائيا عن عمل جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية كالتالي:

العملية الأولى المعلن عنها    ٢٠ أيلول ١٩٨٢    صيدلية بسترس
العمليات التي جرى تنفيذها     ١١١٣
العمليات ضد العدو الاسرائيلي     ٩٠٧    ٨١٪‏
العمليات ضد العملاء    ٢٠٦    ١٩٪‏
عدد الشيوعيين المشاركين بالمقاومة     ٧٠٠٠
عدد شهداء جبهة المقاومة من الشيوعيين     ١٨٤
عدد شهيدات جبهة المقاومة من الشيوعيين    ٧
الشهيد الأول    هشام مرعي     ١٢/٠٥/١٩٨٣
الشهيدة الأولى     يسار مروة    ٠٢/٠٨/١٩٨٣
توزع الشهداء على المحافظات
الجنوب    ١٢٩
البقاع    ٢٩
الشمال    ١٤
جبل لبنان    ١٠
بيروت    ٢
عدد الجرحى     ١٢٠٠
عدد اللذين اعتقلوا في سجون العدو    ٣٠٠٠    ٢٥٠٠ في أنصار
٥٠٠ في الخيام
مساحة الأرض التي احتلها العدو عام ١٩٨٢    ٣٤٥٠ كلم
مساحة الأرض التي حررت حتى شهر نيسان من العام ١٩٨٥    ٢٦٠٠ كلم

حول هدف تأسيس تلك المقاومة ومعوقات عملها بنفس الكتاب في الصفحة ١٠٣ كتب كريم مروة يقول ” ان تأسيس جبهة المقاومة والعمليات الأولى التي رافقت إصدار البيان التأسيسي الذي صدر من منزل القائد الشهيد كمال جنبلاط، كان يرمي من قبل الشيوعيين تحديداً الى خلق الشروط لوطنية لبنانية جديدة يتوحد حولها اللبنانيون والقوى السياسية التي تمثلهم من كل الاتجاهات، في الدفاع عن الوطن ضد العدو الأساسي للبنان المتمثل بإسرائيل. لكن المؤسف في ذلك الحين ان تلك الصرخة الوطنية الصادقة قوبلت من جهات متعددة كان أكثرها شراسة ما واجهه الشيوعيون من قبل حركة أمل وحزب الله الناشىء حديثاً بالاغتيال والخطف الذين ذهب ضحيتهما العديد من المناضلين كان في مقدمتهم المفكران حسين مروة ومهدي عامل وقبلهما القائدان الشيوعيان سهيل طويله وخليل نعوس، فضلاً عن عدد من خيرة ابطال جبهة المقاومة ذاتها”.
اختار الحزب “الشيوعي” لمقاومته السرية التي حضّر لها، مقاتلين مؤهلين للعمل على إنجاز مهمة التحرير. ولم يكن الأمر سهلاً بعد تحرير صيدا والجوار والعودة الى تخوم الشريط الحدودي، إذ إن التسلل في مناطق نفوذ حركة أمل لتنفيذ العمليات في المناطق المحتلة كان صعباً، فهي أقامت سجوناً خاصة بالشيوعيين في زفتا وتعرض المقاومون للتعذيب هناك، كان التسلل داخل المناطق المحررة بالصعوبة نفسها في اجتياز المواقع الإسرائيلية”.

تفننت حركة أمل في التنكيل بالشيوعيين، واستخدمت أبشع وسائل الترهيب والترويع والاعتداء والتهجير الذي طال أكثر من 600 شيوعي من بلداتهم وقراهم في الجنوب على قاعدة أنهم غير مرغوب فيهم (لجأ معظمهم إلى بلدة الرميلة الشوفية الساحلية القريبة من صيدا)، ومن ثم اعتقال المقاومين ضد الاحتلال الإسرائيلي وتعذيبهم. ولم توفر حركة “أمل” عنصراً في المقاومة أو ناشطاً معروفاً أو عاملاً اجتماعياً أو كادراً تعليمياً أو طبيباً أو نقابياً إلا وأذاقته مما في جعبتها من صنوف الإرهاب. وليس أدل على ذلك من اسماء مثل كامل صباح وأحمد صالح (أخ النائب الحالي في كتلة “التنمية والتحرير” عبد المجيد صالح) وخليل ريحان (نجا من محاولة اغتيال) وحسن صباغ وهاني زين الدين وحسن حدرج وأديب وهبي وديب الجسيم وميشال واكد، القيادي في الحزب آنذاك ابن حارة حريك  الذي خطف في الرابع من كانون الأول (ديسمبر) عام 1985، من منطقة بئر العبد في الضاحية الجنوبية، على بعد أمتار قليلة من مركز أمني تابع لـ”حزب الله”، ووجد في 6 شباط 1986 مقتولاً ومشوهاً على شاطئ السان جورج في عين المريسة. أما جريمته فكانت محاولته إعادة المسيحيين الذين هجرتهم حركة “أمل” ومن ثم “حزب الله” من المنطقة، ليشتروا فيما بعد أراضيهم، بأبخس الأثمان، بالترهيب والترغيب، بواسطة عدد من تجار البناء المعروفي الهوية والتمويل، لإقامة ما سمي لاحقاً بـ”المربع الأمني وجعله من لون طائفي واحد. مع الانسحاب الثاني لإسرائيل، تغيّرت الصورة الناصعة للمواجهة والمقاومة في الجنوب، وتغير الجو السياسي العام تماماً، اغتيل عدد من قيادات المقاومة في “القومي” و”الشيوعي”، ومهّدت تلك الاغتيالات الطريق نحو صعود النسخة المشوهة من المقاومة  بطابعها الطائفي الاسلامي، حيث جرى “تنظيف” الجنوب من أهل الجبهة وطرد الشيوعيين من النبطية وصور وغيرها بعد ملاحقات واغتيالات طالت قيادات وكوادر الى أن جرى تفريغه، بعد زرع الخوف والملاحقة والاعتقالات والتعذيب والاغتيالات، وبذلك تم القضاء على التنوّع في النسيج القائم في الجنوب وفي المقاومة، وألبس “حزب الله” العباءة الإيرانية للمقاومة، من أجل تحقيق مشروع لم ينتبه إليه البعض في البداية، أو ربما انتبهوا ولم يكن بإمكانهم المواجهة فخضعوا للأمر الواقع المفروض من حكم الوصاية السورية، وحده الحزب الشيوعي تصدى لتلك المحاولة الا ان بدايات انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الدعم والامكانيات وشراسة القتل والتنكيل الذي حصل في صفوف الشيوعيين دفعهم لاحقاً الى التراجع مكرهين، لتبدأ مرحلة صفراء بتاريخ لبنان والمنطقة فتتحول تلك المقاومة الطائفية الى جيش تابع للنظام الايراني هدفه تكريس هيمنة ذلك النظام على لبنان وما تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية سوى مشهد من مشاهد تلك الهيمنة. هي نفسها الحكاية تتكرر اليوم في لاسا وغيرها من المناطق المسيحية، امتداداً الى داريا حيث يتم مصادرة أراضي المسيحيين، وغيرهم من الطوائف الأخرى دون وازع او خوف لضرب صيغ التعايش التي يتميز بها لبنان وسريا وفرض صيغ طائفية على البلدين، وللقارىء أن يستنتج مدى التغيير الديمقراطي، الذي كان سيحدثه في البلدين استمرار المقاومة بصيغتها الوطنية الداعمة للتعايش والوحدة الوطنية ورفض كل الأشكال الطائفية للحكم.

اغتيل من الحزب الشيوعي وبأمر النظام السوري وبيد عملائه في أمل وحزب الله بما مجموعه ١٨ كادرا قيادياً شيوعياً عدا المقاومين والنقابيين وأهل القرى الواقعة تحت هيمنتهم، واللائحة تطول. أمعن النظام السوري وحلفاؤه من “الممانعين” و”المقاومين” في استخدام جميع وسائل الترهيب والتخوين والاغتيال لتطويع من يخالفهم الرأي، بعدما قدموا الإغراءات، فسقطت هذه الباقة من الشهداء وهي تواجه ذلك النظام وترفض الخضوع له، ليلتحق بهم لاحقاً قائد ومؤسس المقاومة ضد اسرائيل جورج حاوي. رغم كل تلك الجرائم، لم يستكن النظام السوري، ولم يستكن حلفاؤه، فما زالوا يوزعون الاتهامات يميناً وشمالاً بالتخوين واللاوطنية، ضد كل من يخالفهم الرأي، مجرد الرأي.

حول تلك الحقبة القاتمة كتب كريم مروة في الصفحة ١٠٦ من كتابة ” فصول من تجربتي” ما يلي ” كان الهدف من ذلك الصراع معنا، بدعم مباشر من القيادة السورية، إبعادنا عن العمل في المقاومة، وإضعاف دورنا في الحرب الأهلية لجعل الصراع فيها طائفياً ومذهبياً بالكامل”.
يكمل الاستاذ مروة وقائع تلك الحقبة في الصفحة ١٠٧ ويقول ” كان من ابرز الصدمات ما ووجهنا به من رفض مهذب من قبل حزب الله للعمل المشترك في المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي بقرار ضمني ومعلن من الوصاية السورية التي كانت قد قررت حصر المقاومة بحزب الله دون سواه. جاء ذلك الرفض من خلال ثلاثة لقاءات أجريناها مع ثلاثة أمناء عامين
لحزب الله هم الشيخ صبحي الطفيلي، والشهيد السيد عباس الموسوي، والسيد حسن نصرالله”.

وكان غازي كنعان في جلسة شهيرة مع جورج حاوي والياس عطاالله التي أراد فيها منهما ابلاغه بكل العمليات العسكرية ضد المحتل قبل تنفيذها، قد أخذ القرار، ونفذ عبر مخابراته مع أمل ولاحقاً مع حزب الله، قرار تحجيم دور الشيوعيين، والإطلاق عليهم من الخلف لأنه كان يعلم أن الشيوعي لا يقبل ان يتعامل مع السوري كعميل، وأن زعيم الحزب جورج حاوي ليس من تلك الطبقة السياسية اللبنانية المرتبطة بالنظام السوري بملفات السرقات والفساد حتى يستطيع النظام تهديده او إخضاعه، لذلك تم إغتياله لاحقاً من قبل ذلك النظام السوري المجرم لقتل كل أمل بإطلاق حركة تغيير ديمقراطية تأخذ لبنان نحو حكم وطني ديمقراطي.

لم تستهدف سوريا وحدها في تلك الفترة الحزب الشيوعي بل تقاطعت الرغبة السورية بانهاء دور الحزب مع الرغبة الإسرائيلية بالانتقام من الضربات النوعية التي انزلها الحزب بها مما اجبرها على الانسحاب من ثلثي الاراضي المحتلة تحت تلك الضربات، فقامت اسرائيل عملية نوعية ضد الحزب فنفذت إنزالاً على موقع لقيادة المقاومة في النبي صفا بالبقاع الغربي، في 26 كانون الأول 1989. وفي اليوم نفسه دمّرت بقنبلة فراغيّة من طائرة حربيّة مقر اللجنة المركزية للحزب في الرميلة. يقظة المقاومين، نبهت الحرس الى الخطر، فكان هو المبادر الى إطلاق النار، ولم تسنح للعدو فرصة استخدام عنصر المباغتة، فتصدى المقاومون للإنزال في النبي صفا، أصابت الغارة الجويّة على الرميلة القيادة والقاعدة بالذهول والصدمة، فخسر الحزب ثلة من قادة تلك المقاومة، مما أدى الى أضعاف دور الحزب في المقاومة بظل تفاهم اسرائيلي سوري أمريكي سوفياتي حينها بانهاء دور الحزب في المقاومة.

تطل علينا ذكرى انطلاقة المقاومة الوطنية اللبنانية وقد ودعنا قبل أيام من تلك الذكرى قائدين من قادتها أنهكهما المرض، الاول هو القائد التاريخي جورج سليم البطل، الذي شارك بنشاط في إنشاء الحرس الشعبي وتأسيس الحركة الوطنية وإطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، كما ساهم في عقد وتمتين الصلات مع حركة المقاومة الفلسطينية الناشئة وفي انتزاع الاعتراف بها وبمنظمة التحرير لدى بلدان الحركة الشيوعية وأحزابها. عشية الإجتياح الاسرائيلي للبنان، توقعت قيادة الحزب الشيوعي اجتياحاً اسرائيلياً للبنان قبيل حدوثه عام 1982، وأن يصل إلى بيروت، وقامت لهذه الغاية بتحضير كوادر المقاومة. تداعت قيادتا الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية الى اجتماع مع بدء الاجتياح، نشب جدال عنيف بين جورج بطل وياسر عرفات الذي حذر القيادات الفلسطينية من مغبة تقديراتها القائلة إن عمق الهجوم الإسرائيلي لن يتجاوزالاربعين كيلومتراً.  وكان جورج البطل أفضل من وصف النظرة السورية للبنان فسوريا لم تتعامل مع لبنان كبلد حسب البطل، فكتب نقلاً عنه الاعلامي غسان الحجار بمقال للنهار عشية وفاته، ” في معرض تقييمه لواقع الحزب الشيوعي وعلاقته بالنظام السوري، والجدل الذي رافق الشيوعيين في تحديد علاقتهم ليس فقط بالسوريين وانما بالاحزاب المسماة “وطنية” في لبنان، اجرى بطل نقداً جريئاً قال فيه “كانت لدينا اوهام كثيرة ودخل السوريون لبنان عام 1976 واضطلعنا بدور سياسي لا ضد الدخول السوري فحسب، بل ايضا ضد الموقف السوفياتي المؤيد لدخولهم. دخل السوريون بينما كان رئيس الوزراء السوفياتي كوسيغين في دمشق. كان السوفيات يعتبروننا مغامرين، ودخل السوريون لمقاتلتنا فقاتلناهم. في رأيي ان لدى سوريا، قبل حافظ الاسد وبعده، استراتيجية منذ البداية: تدريب كل القوى اللبنانية على السلاح. وسوريا منذ العام 1918 ومنذ قيام دولة فيصل وسقوط الامبراطورية العثمانية، لم تقبل بلبنان. هذه ليست استراتيجية البعث، انما هذا هو منطق سوريا وكل الحكومات السورية من (اديب) الشيشكلي الى (حافظ) الاسد. بشار الاسد وحده زار بيروت رسميا. العقل السوري استمر هو هو حتى جاءت فرصة دخول لبنان. المهم انهم كانوا دائما عنصرا مؤججا للحرب الاهلية. ولم يوافقوا على انهائها الا بعدما وضعوا شروطهم كاملة في اتفاق الطائف …”.

القائد الثاني الذي ودعه جمهور المقاومة هو كمال يوسف البقاعي “المعلم”، الوجه السري للمقاومة ذلك القائد الذي ما ان تسمع بتواضعه وتفانيه، وما ان تعلم انه قد توفي دون ان يستطيع سداد فاتورة طبابته، حتى تردد مع مرسال خليفة كلمات أغنية ” ما بعرفن” …
ما بعرفن ما شايفن

لفوا وجوهن بالقهر

ما بعرفن ما شايفن

خبوا سلاحن بالوعر

خبوا أساميهن .. ما في حدا بشوفون.. إلا إذا ماتوا

وتعلقوا متل التحف، متل القمر عم ينخطف
كتب عنه رفيقه كاسترو فَقِيه يقول:
” كوفيه وقناع وجريده بالايد …
هذا هو المعلم …
ان تعرفه جوازا للثقة ما بعده جواز ..”.
اشتهر كمال بين رفاقه بالقناع الذي كان يلبسه حين يقابلهم، حفاظاً على سرية حركته وحتى لا يعطي العدو أي فرصة لاصطياده وهو من تعرض للعديد من محاولات الاغتيال، رسم له بكلماته رفيقه رجائي أبو همين بورتريه يبرز أصالته وحزمه كقائد ميداني لجبهة المقاومة الوطنية نفذ الكثير من العمليات النوعية وحررالأرض بصمت بلا إعلانات وأبقى وجهه مخبأً خلف قناعه ليتفاجىء الكثير بعد موته بانجازاته التي كانت بحجم الوطن.
كتب رجائي ابو همين المناضل الذي قاتل تحت قيادة كمال عشية وفاته لجريدة السفير،

” لدي عذري الشرعي، لن أذهب الى اجتماع اللجنة المركزية، الرفيق كمال في المستشفى. مررت به. بدا فرحا جداً. أمسك بيدي وقال لي أهلا برفيق الدرب. نظرت اليه بعينين دامعتين. وجهه يصارع الموت بضحكة ترفض أن تفارقه.

تعود بي الذاكرة إلى مساء 12 أيلول 1990. في منطقة النبي صفا في البقاع الغربي، كانت ساعات النهار قد شارفت على المغيب عندما تقدم نحونا رجل طويل القامة يمسك بيديه جريدة ويخبئ وجهه بقناع. كانت «الشيفرة» بيننا وبينه ورقة. تسلم الورقة وقرأها «شهيد، أسير». ثم انتفض بسرعة وبلغة حاسمة، قائلاً: «لا أريد شهداء لا أريد أسرى». وعلى الفور، قام بتمزيق الورقة قطعاً صغيرة، متوجهاً إلينا «أريدكم أن تعودوا جميعاً». ثم نظر إلي، أنا ابن السادسة عشرة، وقال «كيف معنوياتك؟»، فأجبته «معنوياتي عالية جداً»، ليرد عليّ بلغة بثت بداخلي العزيمة: «بدي اياك ترجع يا بطل».

كنت أخاف كثيراً من مجرد ذكر اسم «المعلم» أمامي، فنبرته العسكرية كانت حادة جدا. كانت تعليماته دقيقة. علينا التوجه لمهاجمة كمين إسرائيلي في تلال برغز قرب الدلافة والهدف أسر جنود إسرائيليين. كانت عمليات الأسر هاجس كمال الدائم. انتشرنا قبل وصول الكمين وفق ما هو مخطط. وفي اليوم التالي، ما إن شرع الجنود في أخذ أماكنهم حتى بادرنا بإطلاق النار عليهم ليحصل اشتباك أدى الى وقوعي في الأسر واقتيادي الى معتقل الخيام حيث أمضيت ثماني سنوات.

في المعتقل كنت أفكر كثيرا في شكل «المعلم». ربما أثار بي التعذيب الذي تلقيته كي أبوح باسمه الحقيقي فضول معرفته. صار لي الحق في معرفته. وبعد سنوات الأسر، ما إن خرجت من المعتقل حتى جاء إلي رجل اعتقدته رفيقا عاديا، شرعت أحدثه عن الأسر والعملية وقلت له «أرغب في التعرف الى المعلم». من هو هذا الشخص «يلي اكلت قتل بلاوي عشانو». نظر إلي وضحك، قائلا «أنا كمال البقاعي.. أنا المعلم يا بطل». عرفت منه أنه بقي في المنطقة يوم تنفيذ العملية. قال لي «انتظرتك أن تعود».

يده باردة بعض الشيء في المستشفى. لا يقوى على إمساك يدي بقوة كعادته. أطلت النظر بعينيه ووددت لو أقول له «انزع قناع الموت عن وجهك أيها المعلم، فهو لا يشبهك.. ولا بأس لو عدت بي معك الى الوراء حتى لو أمضيت عمرك بين التلال والأودية. يكفي أنك بيننا. انزع قناع الموت ولا تغادرنا الآن. ارجع الينا يا بطل»”. انتخب كمال البقاعي نائباً للأمين العام للحزب في المؤتمر الحادي عشر إيماناً بالقضايا التي قاتل لأجلها، وتكريماً له على دوره بالتحرير وسرد الحزب سلسة طويلة من العمليات النوعية التي خطط لها الراحل كمال البقاعي ابرز تلك العمليات هي كالتالي:

1-    عملية الشهيدة لولا عبود.

2-    عملية الشهيد جمال ساطي.

3-    عملية اغتيال روبنسون الذي كان يؤسس لأول مستعمرة في لبنان.

4-    عملية اغتيال الضابط الاسرائيلي ابو النور التي ساهمت بإخراج العدو من البقاع وتحريره.

5-    عملية تفجير إذاعة العميل لحد التي أدت الى استشهاد كل من الياس حرب من تنورين وميشال صليبا من بتغرين وحسام حجازي من طرابلس المينا، فيما وقع في الأسر كل من ناصر خرفان وسليمان رمضان.

خاض كمال البقاعي مع رفاقه المئات من العمليات العسكرية والاستطلاعية، في كل منطقة البقاع وصولا الى قمم جبل الشيخ وحرر تلك الارض دون ان يأخذه الغرور الا ان ما لم يذكر عن كمال من قبل حزبه رغبة بمحو تاريخ تلك المرحلة عند نعيه، ذكره القيادي السابق في الحزب الشيوعي طارق ضاهر، على صفحته للتواصل الاجتماعي، ” في بيان نعي القائد كمال البقاعي الذي صدر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني.. والذي عددت فيه مآثر الرفيق كمال في تصديه للعدو الاسرائيلي ودفاعه عن ارض الوطن.. تجاهلت تلك القيادة مرحلة مهمة ومعركة كبرى خاضها كمال ورفاقه لمنع دبابات الجيش السوري من اجتياح البقاع وبخاصة معركة مشغرة البقاع الغربي والتي منعت السوريين من سلوك طريق ميدون جزين حيث جرى ضرب الدبابات السورية هناك وبقيت اثار المعركة لفترة طويلة شاهدة على دفاع الشيوعيين عن ارضهم بوجه كل طامع”.
كتب احد ابرز مرافقي قائد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية الياس عطا الله، وظله الأمين رمزي الحلبي عشية ذكرى إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية على صفحته للتواصل الاجتماعي ما يلي،  ” ١٦ايلول سنة ٨٢ أذيع بيان جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال الاسرائيلي من بيت الشهيد كمال جنبلاط الذي اغتاله حافظ الاسد وكانت العملية الاولى في بيروت قرب صيدلية بسترس وبدأت المقاومة السياسية والعسكرية في وجه العدو وعندما طلب من حافظ الاسد ضرب المقاومة الوطنية لصالح المقاومة الإسلامية أي حزب الله اغتيل لنا 18 رفيق على يد المخابرات السورية وازلامهم وكان آخرهم قائد جبهة المقاومة الوطنية الرفيق جورج حاوي الذي اغتاله بشار الاسد كل هذا التاريخ الوطني من كمال لجورج وبعد في رفاق ضد الشعب السوري بصراحة مع بشار الاسد”.

لقد اصبح معروفاً بعد وفاة كمال البقاعي انه قد اجل عملية الشهيد جمال ساطي لمدة ٢٤ ساعة ليثنيه عن العملية الانتحارية، من كان حاضراً يومها يعرف انه حصل لاحقاً نقاشاً جدياً وإذا لم تخني الذاكرة حضره الرفيق كريم مروه وكان العنوان هل نستمر بالعمليات الانتحارية ام نوقفها؟

فكان القرار جماعيا بايقافها لان مهمة الرفيق المقاوم ضرب العدو والعودة الى قواعده ليضرب من جديد ..  فنحن كمقاومين وطنيين وحزب شيوعي علماني لا نملك مفاتيح الجنة لنوزعها على مقاومينا جنتنا هي الوطن الذي سعينا لتحريره من المحتل  ..  جورج حاوي، قيادة جبهة المقاومة الوطنية، قيادة الحزب في حينها التي كان من ضمنها نخبة كالشهيد الكبير حسين مروه الذي صمد مع المقاومين في بيروت وحرضهم على القتال وعبئهم للمواجهة …  تحية

هذا هو النموذج الذي علينا استعادته وليس الاستعراض بالبدلات العسكرية حيث لم يعد لها اي نفع او اي فعالية بظل هيمنة سلاح حزب الله لا بل يصبح الاستعراض بها مبررا وخادماً لذلك السلاح الغير شرعي ولو من غير قصد.

اعرف الرفيق حنى غريب منذ العام ١٩٨٥ ولقد اكلت في بيته وعشنا معه أياماً صعبة وجميلة باطار اتحاد الشباب الديمقراطي وهو لم يكن يوماً استعراضياً وكان عنده قدرة على النقاش وبدا عشية وداع كمال و بوعده له بصيانة وحدة الحزب وتطوير برنامجه وإعادة اللحمة صادقاً الا ان حنى ليس وحده وهو لا يملك كل مفاتيح المكتب السياسي واللجنة المركزية وهناك قوى بنت مصالحها مع حزب الله، والنظام السوري، وسلمتهما مقاليد الحزب ومن الصعب ان تسمح تلك القوى للحزب بالعبور الى مستقبله الذي يتطلب التالي بالحد الأدنى

١- اعادة كل الرفاق الى الحزب بدون قيد او شرط.

٢- اعادة صياغة برنامج الحزب من خلال قراءة تاريخه والقيام بمراجعه فكريه وتاريخيه. والتفكير والاجابة عن سؤال مهم وهو اي لبنان نريد؟ هل حقاً نريد لبنان ملحقاً بايران ومحاور اخرى كالسعودية وغيرها؟ اذا كان الجواب بلبنان الحر المستقل فكيف السبيل الى ذلك؟

٣- مؤتمر استثنائي على غرار المؤتمرين الثاني والسادس يؤسس لعودة الحزب للعب دوره في جميع الأُطر النقابية والعمالية والوطنية وبلورة تيار ديمقراطي مدني يكون الحزب جزىء منه و يضم طيف واسع من المعترضين على الحالة المتردية سياسيا واقتصاديا في البلد.

ما سبق يتطلب الانسحاب من التحالفات مع الممانعة وغيرها من الأُطر السياسية التي تهدد لبنان ككيان .

من هنا يبدأ النقاش ومن هنا يتم استعادة قرار حزب كان فيه شخصيات استثنائية كجورج البطل، وكمال البقاعي، وآلاف المناضلين، لنعمل معاً على فك أسر حزبنا والعودة به الى الحياة السياسية لأجل وطن حر وشعب سعيد

.