حوار أوروبي شرق أوسطي …

massoud

مسعود محمد – بيروت اوبزرفر




جمع لقاء في احد المناطق الجبلية على الحدود الفرنسية الإيطالية مجموعة من الأوروبيين ونخبة من اللاجئين القادمين من الشرق للحوار والتفاعل، وبحث إمكانيات التعايش والتفاهم، والانسجام فيما بينهم. كنت شخصيا مدعو الى ذلك اللقاء، سافرت وحط بي الرحال في تلك الارض حبا بالاستطلاع، وفهم كيف يفكر الجيل الاوروبي الصاعد بموضوع اللاجئين وكيف يتعامل معه، وقد اجريت حوارات مع عدد منهم لأعكس لكم وجهة نظرهم بالموضوع.

الحذر كان سيد الموقف، كان يبدو متردداً وقلقاً عندما اقترب مني مستطلعاً ليسألني اذا ما كنت لبنانياً، فأجبته بالإيجاب، فأخبرني مباشرة بدون مقدمات ان له قريب اسرائيلي، وان اسمه هو دافيد، وعندما شعر بتعاطفي ووقوفي مع الشعب الفلسطيني، قال لي ان المعانات مشتركة. فالإسرائيلي يعيش حالة من القلق والتوتر الدائم فهو غير مستقر ويشعر بالتهديد الدائم لحياته. سألني عن رأيي بالعمليات العسكرية، فأجبته بهدوء ان ما يجب ان يقوم به فلسطينيو ال 48 هو إنجاب المزيد من الأطفال، لأنه خلال فترة قصيرة ستهزم ما يسمى بالأقلية العربية اسرائيل بالعدد اي بالديموغرافيا.

اصدر الجهاز الإحصائي الإسرائيلي عام 2014، تقريراً، يتضمن معطيات عامة حول صورة (إسرائيل) الديموغرافية في نهاية عام 2014. وأوضحت المعطيات أن مجموع سكان إسرائيل قد بلغ 8,296,000 نسمة. وبينت المعطيات أن عدد اليهود وصل إلى 6,218,000 نسمة، ويشكلون 74،9 % من مجموع سكان (إسرائيل)، كما بينت أن عدد العرب وصل إلى 1,719,000، تشمل القدس والجولان المحتلين، ويشكلون ما نسبته 20،7%. وصنف التقرير نحو 359,000 شخصاً على أنهم “آخرون”، ويمثلون 5، 3%.

كمن صدمته الحقيقة سرح الى البعيد لعدة دقائق وهو يفكر بالموضوع وقال بكل هدوء انت على حق فالعدد سيغلب.
سألته كطالب عن رأيه باللاجئين الذين يغزون اوروبا، كانت إجابته كالتالي ” بداية كطالب لم أكن مرتاح للوضع فهؤلاء اللاجئين كانوا الأكثر إزعاجاً في المدرسة فهم بشكل عام يثيرون المشاكل، وغير مهتمين بالدراسة بشكل جدي، ويُثيرون البلابل والفوضى في الصف. خاصة في الصفوف المتوسطة الا انني يجب ان أقر انه حتى الأوروبي لديه مشاكل في هذه المرحلة الدراسية فعادة السمة العامة لهذه الفئة العمرية بغض النظر عن انتمائها هو التمرد.

أردت ان افهم منه عن مدى القلق الذي يشعر به كمسيحي ملتزم بظل تكاثر المسلمين في بلده إيطاليا اذ زاد العدد من مليونين الى 12  مليون. كانت ردة فعله سريعة وقال ” ان أخطر ما في الموضوع هو إيمان المسلمين والتزامهم، أما المسيحيين فهم أقل التزاماً وإيماناً”، وقال ” ان هذا الالتزام من قبلهم (اي المسلمين) بدينهم يجب ان يدفعنا كمسيحيين الى التمسك ببعضنا والتكاتف، ومساندة كنيستنا والالتفات حولها”. قال لي ” نحن نسميه غزو إسلامي فخلال عدة سنوات سيصبحون أكثرية، وذلك سيهدد حضارتنا وثقافتنا، ونحن بصراحة لا نعلم كيف نحمي حضارتنا وثقافتنا”.

سألته ان كان الحل باقفال باب اوروبا أمام اللاجئين قال لي ” كلا المشكلة لا تكمن في إبقائهم خارج اوروبا المشكلة ان نصبح نحن الأوروبيين مثلهم”.
سألته عن الدور السلبي للكنيسة الذي أدى الى خلل بإيمان المؤمنين التابعين لها قال لي ” نعم لعبت الكنيسة دوراً سلبياً في القرن الماضي، الى جانب مشاكل البيدوفيليا والفساد المالي، وغيرها من القضايا التي اثرت سلباً على صورة الكنيسة، الا ان الكنيسة قد عملت بصدق على تقويم وضعها وتحسينه لتكون بمستوى تطلعات المؤمنين”.
حول كيفية الاستفادة من موجات اللجوء في بلده قال لي بكل هدوء ” علينا ان نستفيد منهم بتطوير اقتصادنا، وفتح ميادين عمل لهم نحتاجها في إيطاليا ولا يعمل فيها الإيطاليين كالزراعة والقطاف والتنظيف، وترك الأعمال الأكثر أهمية كالإدارة والتجارة ومؤسسات الدولة للإيطاليين حصراً، ويجب ان يكون هناك تمييز بالراتب فيما بين الايطالي واللاجىء فالإيطالي بحاجة لأن يكون له بيته وعمله وسيارته وعائلته وليحصل على كل ذلك يجب ان يكون دخله أعلى من دخل اللاجىء”.

جون فرانكو أستاذ ثانوي وابنته ماجدة طالبة في المرحلة المتوسطة كان لهم رأي مختلف عن دافيد حول موضوع اللاجئين.

قال جون فرانكو ان ما دفع هؤلاء الى اللجوء الى بلادنا هو ( الحرب). وقال ” هم يريدون حياة جميله وآمنه، ونحن في إيطاليا يجب ان نتعامل بايجابية مع تلك الظاهرة فلقد هاجر الطليان وعملوا خارجاً بالسابق خاصة بعد الحرب العالمية، عائلتي فيها مهاجرين الى الأرجنتين وتعودوا على عادات وتقاليد جديده بالنسبة لي ولعائلتي ليس غريبا، الا اننا تحتاج الى تنظيم تكاملهم، وتعايشهم داخل المجتمعات الغربية بسبب اختلاف العادات والتقاليد”.
ماجدة قالت ” انها أستقبلهم بحب وأعرف معاناتهم وماساتهم لا اخاف منهم”.

سألت فرانكو كملتزم ومؤمن عن مدى خوفه من اسلام اللاجئين قال ” نعم هناك خوف وقلق فالمسيحين في إيطاليا لا يزيدون وهناك خوف على المسيحية وليس هناك إيمان نريد ان نزرع فكرة الرب وحبه والإيمان بالجيل الجديد”.

سألت ماجدة كيف تنظرين الى الرب؟
قالت “انا ارى الرب كما نقطة ثابته ومرجع وانا اؤمن به فالرب يساعد وهو موجود”.
– أرا المستقبل كمخاطره وفرصه لتطوير المجتمع واندماج

IMG_3797

في ختام الحديث قال فرانكو ” علينا ان نكون منفتحين، ونطلق حوار جدي، والأهم علينا بناء خطط اقتصادية تناسب التغيرات الديموغرافية، نوع وطبيعة الحياة نريد اقتصاد قوياً فدون ذلك صعوبات لنا ولهم، يجب الانفتاح على الآخر وعدم الانغلاق، لن الانغلاق يخلق الحرب والمشاكل انا اسمع بالحرب ولم أشاهدها ولا اريد ان اؤسس لها”.
في اليوم الثاني اجتمع الأوروبيين في كنيسة قريبة لمركز اللقاء وصلوا معاً فسألت أحدى المسؤولات عن اللقاء عن سبب عدم دعوتنا هل لأننا مسلمين؟ ولماذا يقرر عنا من يريد ان يقيم الصلاة ويعتبر اننا لن نحضر فهذه كلها بيوت الله واقترحت عليها ان نقيم صلاة جماعية تجمع بين المسلمين والمسيحيين.
تم مناقشة الاقتراح ووافقوا عليه الا ان التحفظ هذه المرة أتى من المسلمين ورفضوا الصلاة في الكنيسة وطلبوا ان تقام الصلاة خارج أسوار الكنيسة، وهكذا حصل.
مختار ذلك الشاب المسلم الملتزم من مالي كان الأكثر مرونة بسبب زواجه من مسيحية أوروبية، فهو تلى دعاء مليء بالمحبة وأكد على وحدانية مصدر الأديان وأن الاختلاف يجب ان لا يكون سببا للفرقة وعدم المحبة، وحاول ان يظهر تسامح الاسلام وعدالته.
وتلا ذلك دعاء وقراءة للفاتحة لأجل السلام ورفض العنف والارهاب الذي يضرب الغرب، ولأجل ارواح الشهداء الذين غرقوا في البحر وهم يحاولون الوصول الى بر الأمان في اوروبا.
أما الأوروبيين فكانت صلاتهم لأجل المحبة والتعايش بسلام.
الأب كريستيانو الذي ترأس الصلاة قال لي ” انها خطوة ممتازة هذه الصلاة الجماعية لنؤكد من خلالها ان أصل الأمور هو الانسانية والمحبة، واكد لي ان الكنيسة تسعى لأن تظهر أمام جمهورها بوجه حضاري متمدن، يدعو الى المحبة والسلام”.

IMG_3744
سألته عن خوفه على المسيحية في الغرب بسبب تكاثر المسلمين وهجرتهم الى الغرب لم ينفي خوفه وقال ولكن ذلك لا يعني انني مع التطرّف اليميني ضد المسلمين ” فلقد نما مع ظهور الإسلاموفوبيا – في كثير من الأقطار الغربية – خطابٌ سياسي يميني متطرف يسعى بشكل حثيث إلى استثمارِ الوضع الدولي المترتب على هجمات 11 سبتمبر وغيرها من الهجمات الإرهابية في فرنسا وبلجيكا وبريطانيا،  وما اتسم به من خطابٍ إعلامي معادٍ للإسلام، والواقع الاجتماعي في الغرب وما يُميزه من مشاكل الهوية والاندماج خاصة بالنسبة للمسلمين والعرب. وفي ضوءِ هذه العوامل، نشأ شعورٌ عنصري مناوئ للمسلمين والعرب وللإسلام، أذكاهُ عدم معرفة الإسلام والعيش تحت وهم اعادة الغزو لأن بعض الدول الأوروبية كإسبانيا كانت تحت الاستعمار الاسلامي فأشعل ذلك الخوف حالة من القلق لدى فئات واسعة من المجتمعات الغربية، ونشأ خطابٌ محرض لدى بعض وسائل الإعلام”. قال بكل ثقة ” انا مع حماية عاداتنا ومعتقداتنا الا انني ضد التطرّف والعنف ومع تعميم الرسالة الأهم للسيد المسيح وهي (المحبة)”.