هدئ من روعك

kassem-youssef

بقلم قاسم يوسف




تحسس أشرف ريفي درب الزعامة انطلاقًا من صدمة متدحرجة ترجمتها انتخابات طرابلس الأخيرة. شعر أنه بات في موقع الندّ، وأن قدرته على الخرق والحضور تفوق أي رغبة داخلية أو اقليمية بشطبه وفرملة حراكه السياسي، لكنه ما لبث أن دخل، أو أُدخل، في سياق مُماحكات ضيقة ستساهم في قضمه وغيره، وفي تعزيز ثقوب الغرق بعد تهشيم الأشرعة وتمزيق سترات النجاة.

سطع نجم الرجل في لحظات شديدة التعقيد، واستطاع أن يترجم حضوره وصوته المرتفع ليحصد غالبية وازنة من شارع يفترش الجمر ويلتحفه، بينما يبحث الآخرون عن سد الثغرات وربط النزاعات وكبح جماح الجنون والحؤول دون السقوط المريع في الهاوية. أحسن أشرف في التقاط اللحظة وفي حجز مقعد على طاولة الكبار، لكنه لم يتقن لغة الجلوس عليه، وهنا تمامًا يكمن الخلل المركزي، حيث أنه أثبت قدرته في الأمن وفي الشارع، فيما تعوزه الخبرة والواقعية السياسية لصرف رصيده المتراكم بعيدًا من العبثية والشخصنة.

في مواقفه الأخيرة، جنح أشرف ريفي نحو افتعال معارك جانبية وغير مفيدة، ما أظهره بصورة الباحث عن انتقام آني ضمن أزقة تضجّ بقضم الأصابع. ماذا يعني، مثلًا، الهجوم الناري على مفتي طرابلس والشمال مالك الشعّار؟ ولماذا هذه الحملة الشرسة على سعد الحريري؟ أين تكمن المصلحة المباشرة في ذلك؟ وهل يبحث السنّة فعلًا عن زعيم يعتلي جثة زعيم آخر في خضّم مواجهة داخلية وإقليمية لامست حدودًا غير مسبوقة على الإطلاق؟

يدرك أشرف ريفي جيدًا أنه في سباق محموم مع منّ يفوقه قدرة على النزال في السياسة وفي الأمن والشارع، وهو إذ تلّمس بوادر انتفاضة تبلورت في حضرة العمائم وتحولت إلى ما يشبه كرة ثلج تتدحرج على وقع خطاب وأدبيات جديدة، سارع إلى تسعير الهجوم بوجه سعد الحريري، وإلى خطب الود وكسر الجليد مع نهاد المشنوق، الذي بات يمتلك وحده القدرة على النسف أو الاستكانة، لكنه منهمكٌ في لملمة الجراح وضبط إيقاع الصخب، حرصًا على ما بقي من سنّة يقبضون على جمر الاعتدال، وعلى ما تيّسر من الأرض والتاريخ.

يُخطىء أشرف ريفي حين يظن بأن القضية تنحصر في بوتقة الصراع المشروع على الزعامة، ويخطىء أيضًا حين يُغفل المعركة الكبرى ويذهب نحو التركيز على التناتش الداخلي والخلافات الشخصية ضمن مرحلة دقيقة وحساسة. عليه أن يوسّع أفقه ورؤيته، أن يتعاطى بعقل بارد مع المتحركات المشتعلة، وأن يتعلم من صديقه اللدود فنون العزف الهادئ في قلب هذا الجحيم.

.