١٩٨٨- ٢٠١٦ : الثابت الوحيد تطلّع الجنرال إلى القصر

ايلي الحاج - النهار

ايلي الحاج – النهار

ستكون عودة الجنرال ميشال عون إلى قصر بعبدا، إذا عاد إليه، انتصاراً كبيراً لنظام الأسد وهو في قمة ضعفه، كما كان إخراج عون من قصر بعبدا في 13 تشرين الأول 1990 انتصاراً كبيراً لذلك النظام وهو في ذروة قوته.




تغيّر لبنان كثيراً في 26 سنة، وُلد ونشأ جيل جديد من أبنائه، وانسحب منه جيش النظام السوري وحلّ محله “حزب الله” في توجيه قرار الدولة الاستراتيجي، ولكن لم يتغيّر تطلع الجنرال عون إلى الرئاسة، أكان بالبزة العسكرية أم بربطة العنق المدنية. لم يتغيّر أيضاً رد فعله على ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة، الجدّ في 1988 والحفيد في 2016 . في المرتين وقف معه حليفه الموقت سابقاً قائد “القوات” سمير جعجع، رئيسها حالياً والذي عاد والتقى معه في حلف متجدد تحت راية ورقة “إعلان نوايا”، وإن لم يلتزم بنودها الجنرال.

عندما كان عون في القصر لم ينجح موفدوه الأربعة إلى أركان النظام السوري، ألبر منصور ومحسن دلول وفايز قزي ورياض رعد، بمتابعة من جميل السيّد، (مع حفظ الألقاب) في تركيب تفاهم ثابت بين السيّد الموقّت لقصر بعبدا وبين قصر المهاجرين – الذي أصرّ بطريرك الثبات الماروني نصرالله صفير على عدم معرفة مكانه- وكشف كل من هؤلاء الموفدين في كتب مذكراته ما كان دوره، وكيف أحبط مساعيهم الجنرال ونظام الأسد على السواء. الأول في اتخاذ القرارات تتجاهل موازين القوى والحسابات الإقليمية والدولية، فهاجم الجيش السوري بعدما ضمن الأسَد الأب موقعه في لبنان في صفقة أدت إلى تحرير دولة الكويت من جيش صدام، والآخر بعدم ثقته بالوعود العونية وطمعه بسيطرة كاملة على لبنان ليصبح جرماً يدور في فلك نظامه، الأمر الذي تحقق له لاحقاً.

إلا أن مرور الزمن كفيل بتوضيح حقائق كل امرئٍ وخلفياته. عرف المتعاملون مع رئيس أكبر كتلة نيابية للمسيحيين في لبنان بأنه لا يهمه طرق الوصول إلى الرئاسة. فكلها سواسية، وسواء “الخيارات البشيرية” التي بدأ بها حياته السياسية، أو الأميركية والفرنسية مروراً بالتحالفات مع صدام حسين و”أبو عمار” ، وأخيراً مع حارة حريك مسقط رأسه الذي تحوّل مقرّاً رئيسياً لحليفه الرئيسي “حزب الله” بعد عودته إلى لبنان في 2005. لكأنّ دوران الأرض يتوقّف عند الجنرال عون عندما يتعلق الأمر برئاسة الجمهورية. والجميع اكتسبوا خبرةً في التعامل مع نقطة ضعفه الثابتة هذه. يدغدغونها يوماً ويلعبون بأعصابه يوماً. هل هذا ما يفعله الرئيس سعد الحريري في هذه المرحلة، مستكشفاً تكراراً الطريق الصعبة إلى الرابية؟

ينقسم مَن يعرفون الحريري جيداً بين قائلين إنه لا يقدر على الذهاب عكس اتجاه السير السعودي في لبنان، حيث قدمت الرياض الكثير من أوجه الدعم ولم ترَ في المقابل سوى المزيد من سيطرة إيران فيه وتراجع حلفائها عن التصدي لذراع هذه السيطرة “حزب الله”، وبين قائلين إن الحريري الذي سُدّت أمامه السُبل في المملكة، لم يعد لديه ما يخسره أكثر إذا أقدم على “تسوية ما” لم تتضح معالمها بعد، وإذا نال ضمانات يُمكن الإطمئنان إليها من عون ومن “حزب الله”. (لماذا هذا التعامل الموصوم بالتخلّي، تمارسه كل دولة أو جِهّة تتخذ لها حلفاء في لبنان مع حلفائها هؤلاء في نهاية المطاف؟ يحضر إلى الذهن تاريخ العثمانيين، ثم فرنسا مع من يُفترض أنهم كانوا “معها” من اللبنانيين، وكذلك مصر عبد الناصر و”أبو عمار” وإسرائيل ونظام الأسد).

بالعودة إلى عون، لا يركن كثيرون من أركان الحريري إلى “ضمانات” يقدمها هو أو “حزب الله” ويحذرون رئيس “المستقبل” ويذكرونه بماضي النكث بالوعود، وبلهجة التأكيد يكررون أن خصومه سوف يدفّعونه ثمناً أغلى من ثمن سوف يدفعه إذا عاد إلى منطق الرفض، ورفع كلمة “لا” في وجه سياسة الإملاءات والفرض. سياسة كان ينتهجها “تيار المستقبل” قبل اغتيال مستشاره الوزير السابق الشهيد محمد شطح وتأليف الحكومة الحالية.

أما المتسائلون هل يرضى عون بأن يتقاسم من سيعيدونه إلى بعبدا المناصب الأساسية في الحكومة ومؤسسات الدولة كافة؟ فالجواب الذي يسمعونه هو “نعم”.

وماذا سيكسب جعجع في هذه الحال؟

يكفيه أنه سيكرّس سابقة أن الأقوى عند المسيحيين في لبنان يمثّلهم في رئاسة الجمهورية، ليقف خلف عون وينتظر دوره.