موسى الصدر … غيب جسدا وبقي بالفكر

مسعود محمد – بيروت أوبزرفر




تغييب الإمام موسى الصدر حدث مفصلي من احداث إيصال المنطقة الى ما هي عليه من نزاع وتنازع بين مكوناتها، فلولا غياب العقل والمنطق، لما وصلنا الى سلفيات دينية تتباهى بالقتل العلني، ولما طغت الغريزة على العقل.

ميزة لبنان والعراق التفاضلية هي التنوع ، والتعايش هو في صميم الحياة اللبنانية ، لذلك لقد ركز الإمام الصدر أن في قلب التعايش الإسلامي المسيحي ائتلاف بين المؤمنين ، وهذا مدماك التعايش . فالمؤمنين المسلمين أخوة للمؤمنين المسيحيين ، وبهذا فقد تخطى الإمام التمييز بين المؤمنين إلى أي دين انتموا. وكانت دائماً كلمته
( المؤمن المسلم أخو المؤمن المسيحي ).

كان الإمام يحرص على الربط بين المصلحة العليا للشيعة والمصلحة العليا للبنان ، فلا تقدم هذه ضد تلك.

يقول الامام الصدر ” فمنذ ألف سنة فتح اللبناني عينيه فوجد جاره من غير دينه وأكل عنده ..والكل عاشوا الآلام والآمال وكان بينهم من الصلات والوثائق أكثر بكثير مما كان بين الناس في البلدان والأخرى” .‏

على ضوء هذا الواقع التاريخي والحضاري للبنان ، والذي نشأ بفعل التمازج بين حضارات متنوعة وثقافات متعددة وتيارات فكرية متنوعة ، وكان نتيجة ذلك أنه وحدنا في هذا البلد ألوان ومجموعات ، ومما يجعل لبنان ملتقى ومعرضاً للأفكار والتجارب … أو بتعبير الإمام الصدر (هي نوافذ حضارية بين لبنان والعالم ) .‏

سيرة مقتضبة:

هو السيد موسى بن صدر الدين بن إسماعيل بن صدر الدين بن صالح شرف ‏الدين من بلدة “شحور” العاملية، من عائلة يمتد نسبها إلى الإمام موسى الكاظم عليه السلام.‏
تعرض جد العائلة “صالح شرف الدين” للاضطهاد والتنكيل من قِبَل أحمد الجزار، ‏أسوة بأهالي جبل عامل وعلمائه، الذين ذاقوا الويلات على يد هذا الطاغية. وكان ‏نصيب السيد صالح أن قتلوا ولده الأكبر أمام منـزل العائلة في شحور ثم قاموا ‏باعتقاله مدة تسعة أشهر في سجون الجزار في عكّا إلى أن تمكن من الفرار إلى العراق حيث أقام في النجف الأشرف. 
برزت عائلة شرف الدين، والتي عرفت لاحقاً باسم عائلة “الصدر” بين العائلات ‏العلمية الكبرى، وتوزعت في الحواضر العلمية في النجف، وقم وحفل تاريخها ‏بنجوم لامعة عدّت من مفاخر العالم الإسلامي.‏
ومن بين هؤلاء السيد موسى الصدر الذي ولد في أحد أحياء مدينة قم بتاريخ 1928.5.15م.

ابتدأت حياته العلمية في سنّ مبكرة عندما التحق بمدرسة “الحياة” الابتدائية عام ‏‏1934م، وتابع دراسته حتى نال الشهادة الثانوية من مدرسة “سناني” في العام ‏‏1946م، وخلال فترة تعليمه الأكاديمي كان يتلقى الدروس الحوزوية، لكنه قرّر ‏في العام 1941م أن يتفرّغ لتلك الدروس في حوزة قم، وقد امتدّت دراسته هناك ‏لأكثر من عقد من الزمن، ما مكّنه من اجتياز مرحلة المقدمات ليحضر دروس ‏بحث الخارج في الفقه والأصول، بالإضافة إلى الفلسفة عند أساتذة الحوزة ‏المشهورين وعلى رأسهم الإمام الخميني والسيد أحمد الخوانساري، والسيد صدر ‏الدين (والده)، وآية الله الداماد، والسيد محمد حسين الطبطبائي. وغيرهم.‏
 كان يُنظر إلى السيد الصدر على أنه تلميذ نجيب فاق أقرانه، ‏فكان يدرّس أثناء دراسته، متمتعاً بأسلوب شيّق جذاب، ما أهّله لينتـزع إعجاب ‏طلبته، مضافاً إلى إعجاب أساتذته. كل ذلك جعله يثبت نفسه كأستاذ مميز في ‏الحوزة العلمية خلال مدة قصيرة.‏
والملاحظ، أيضاً، أنه تابع دراسته الأكاديمية في الجامعة لينال شهادة الليسانس في ‏الحقوق الاقتصادية سنة 1953م، ويذكر معاصروه أن عمامته كانت أول عمامة ‏تدخل حرم كلية الحقوق. وخلال تلك الدراسات المتنوعة تمكّن من إتقان الفرنسية ‏والإنكليزية، إضافة إلى العربية والفارسية.‏

بعد وفاة والده عام 1954م، استأذن الإمام الصدر آية الله العظمى البروجردي ‏قدس سره من أجل التوجه إلى جامعة النجف الأشرف، راغباً في الاستفادة من ‏علوم أستاذتها الكبار ومراجعها العظام، وقد بقي هناك حتى عام 1958م، حيث ‏حضر دروس كبار العلماء، ومنهم:‏
المرجع السيد محسن الحكيم والإمام أبو القاسم الخوئي، والشيخ مرتضى آل ‏ياسين.‏
 حافظ السيد الصدر على تفوّقه في النجف الأشرف بين أقران الدراسة والمباحثة، ‏فأدهش الجميع بذكائه ومعارفه.‏
بعد المرحلة النجفية عاد إلى قم حيث أسّس مع بعض إخوانه مجلة “مكتب إسلام” ‏وتولى رئاسة تحريرها.‏

رحلة الإمام في الواقع اللبناني:

عاد  الإمام موسى الصدر إلى أرض أجداده في لبنان لأول مرة سنة 1955م، حيث حلّ ‏ضيفاً على المرحوم السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، ثم أعاد الكرّة عام ‏‏1957م.‏
وفي العام 1960م أتى إلى مدينة صور ليقيم فيها ويمارس وظائفه كعالم دين خلفاً ‏للعلامة شرف الدين. ومن ذلك العام ابتدأ العمل الديني والسياسي والاجتماعي ‏للإمام الصدر في لبنان، فأعاد هيكلة “جمعية البر والإحسان” التي أسّسها السيد شرف الدين، مروراً بإنشاء مؤسسات عامة تعنى بالشأن التربوي والمهني ‏والصحي والاجتماعي والديني.‏
ومن إنجازاته تسليط الضوء على دور المرأة، وضرورة مشاركتها في الحياة ‏العامة، ولذلك أقام دورات لمحو الأمية وغيرها من النشاطات.‏
ومن أهم إنجازاته، والتي تمّت بعد دراسات واستشارات وتحركات مكثّفة كان ‏تأسيس “المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى”، الذي هدف إلى تنظيم أوضاع الطائفة ‏الإسلامية الشيعية، محاولاً رفع الغبن اللاحق بها، وقد أقرّ مجلس النواب اللبناني ‏قانون إنشاء المجلس في العام 1967م.‏
وفي العام 1969م. انتخب الإمام الصدر رئيساً لهذا المجلس، وصار يُعرف بلقب ‏‏”الإمام” ورفع لواء الدعوة والعمل، ووجّه دعوات لتوحيد الشعائر الدينية بين ‏المذاهب الإسلامية ودعا للوحدة الوطنية، وحذّر من الخطر الصهيوني المتزايد ‏وأكّد دعمه للمقاومة الفلسطينية، ودعا للعدالة والمساواة بين طوائف لبنان ومناطقه.‏
وطالب بتأسيس مجلس للجنوب لرفع الحرمان عنه ولمواجهة العدوان الصهيوني ‏المتواصل عليه.‏
بعد سنوات من المطالبة والسعي لم توافق السلطة على عددٍ من مطالب الإمام ‏الصدر فبدأ العمل الميداني، بغية تعبئة الجماهير، وصعّد حملته بمهرجانات شعبية ‏عارمة كان أضخمها مهرجان بعلبك بتاريخ 17 – 4- 1974م، ثم مهرجان ‏صور بتاريخ 5-5-1974م، وفي تلك الغمرة أعلن سماحته تأسيس “حركة ‏المحرومين” التي رسم السيد الصدر مبادئها بالقول: “إن حركة المحرومين تنطلق ‏من الإيمان الحقيقي بالله والإنسان وحريته الكاملة وكرامته، وهي ترفض الظلم ‏الاجتماعي، ونظام الطائفية السياسية، وتحارب “بلا هوادة”، الاستبداد والإقطاع ‏والتسلّط وتصنيف المواطنين، وهي حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة ‏أرض الوطن، وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرّض لها لبنان”.‏
وبعد إنجازه لمشروع المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وتأسيس مجلس الجنوب ‏وإطلاق حركة المحرومين قام الإمام الصدر بتشكيل جناح عسكري لحركة ‏المحرومين بهدف مواجهة العدوان الصهيوني على لبنان.
وفي عزّ عطائه وذروة تحركه اندلعت فتنة الحرب اللبنانية التي لم تميّز بين لبناني ‏وآخر، فبادر الإمام إلى بذل المساعي والجهود للتوسط لدى الفرقاء بغية خنق ‏الفتنة وتهدئة الوضع، وقام لهذه الغاية بتأسيس عدة لجان وتنفيذ عدة اعتصامات.‏ نال السيد موسى الصدر احترام جميع الطوائف بما فيها المسيحية لما كان يتمتع به من انفتاح و سعة صدر.

الإمام الصدر وحوار الأديان ورؤيته لموضوع الأقليات:

إن الإمام الصدر هو رجل حوار بامتياز ، والحوار يبدأ بالإصغاء ، وهذا ما ميزه عن غيره. وكان يشارك في الحوار الإسلامي المسيحي حتى أنه ألقى في إحدى المرات خطبة في عيد الفصح في إحدى الكنائس الرئيسية في لبنان. كل ذلك قوى عرى الصداقة بين الأديان و دعم السلام في لبنان.
‎فالإمام الصدر كان من كبار الأئمة المجددين الذين انخرطوا في العمل من أجل الإنسان وخيره ، ومن أجل إعمار الأرض .. لذلك فقد جاهد من أجل المحرومين والمستضعفين ..

كان الامام الصدر يقرأ موضوع الأقليات بطريقة مختلفة، فبيّن أن الإسلام يحمل منظومة فلسفية متكاملة ومنسجمة تُظهر ترابط الإنسان وحركته بالكون. كانت للصدر حساسية ملحوظة تجاه العلمانية التي عبرت عنها أحزاب في الواقع الثقافي والاجتماعي الشيعي، فانصبت جهوده على نقدها ضمن ثلاثة مداخل رئيسة: تنكر العلمانية للدين، وعزل القوانين والأنظمة والحقوق عن القيم، وعلمنة الدولة اللبنانية وإبعادها عن الديمقراطية التعايشية.

مثّلت إشكالية هوية لبنان محوراً أساسياً في انشغالات الصدر الفكرية. فأين وقف في ما يتعلق بفوضى انتماءات اللبنانيين وهوياتهم المركبة وانقسامهم السياسي الطائفي؟ بين تياري الانعزالية المفرطة في نزعة اللبننة لدى أصحاب الأمة المارونية، والعروبة التي تريد لبنان ملتصقاً بالمنطقة العربية، رفض الإمام الاتجاهين السياسيين.

رأى أن البيئة الاجتماعية والثقافية اللبنانية لا تتقبّل غربة لبنان وانفصاله عن هذه المنطقة، كما لا تتقبل في الحال عينها، اندماجاً كلياً في المحيط الإسلامي الواسع. انطلق الصدر في فهمه لقضية الأقليات من قاعدة ضرورة تقوية التعايش بين أبناء الطوائف والمذاهب والأديان بصرف النظر عن لعبة الأحجام والديموغرافيا وعقدة الأقلية والأكثرية. حمل خطابه تجاه الأقليات مسلكاً رؤيوياً إذ كان على يقين أن العدو الإسرائيلي عمل وسيعمل على تقوية الكيانات الطائفية لتعزيز وجوده بهدف تقسيم المنطقة على أسس مذهبية. اللافت ما أشار إليه في أحد الحوارات الصحافية حين قال: «قد نجد أنفسنا غداً لنرى إسرائيل قوة سياسية تتفاعل مع المعارضة في كل بلد عربي».

نظر الصدر إلى العلاقات الإسلامية المسيحية من زاوية القيم الدينية والإنسانية المشتركة. تضمنت خلاصاته للأديان بعداً اجتهادياً تعزز نظرياً في التشديد على التعايش وتكريس لاهوت التسامح وتقبل الآخر والاندماج معه مع الابتعاد عن تناقضات الهويات الدينية الإلغائية، وكان من أوائل الذين ساهموا في إطلاق الحوار الإسلامي المسيحي، فكان مع رفاقه : المطران جورج خضر، الأب يواكيم مبارك، الشيخ صبحي الصالح، وحسن صعب وغيرهم أول من وقّعوا بياناً في 8 تموز 1965م ، في إطار المحاضرات التي نظمتها «الندوة اللبنانية » عن المسيحية والإسلام في لبنان ، حيث تم التأكيد على تلاقي الديانتين في إيمانهما بالله ا لواحد، وبقيامهم معاً على تعزيز قيم روحية ومبادئ خُلُقية مشتركة تصون كرامة الإنسان، وتعلن حقه في الحياة الفضلى، وتنهض بالأرض وما عليها في محبة وسلام ووئام .

كان الإمام دائم الحرص على بناء الجسور وعبورها ، بعكس كثير ممن يبنون جسوراً ليعبر عليها غيرهم ، وهذا ما يفسر تعلق أبناء الطوائف كافة بالإمام الصدر . وقد منعت هذه الجسور الإمام من كثير من الانزلاق وقع به غيره.
بالنسبة للإمام الصدر، يرتكز التعايش الإسلامي المسيحي على الدين بصفته جامعاً مشتركاً ، فعند الإمام الصدر الإسلام كسائر الأديان الأخرى ، يتمسك كأساس لكل تعاليمه ، بالإيمان بالله الواحد ، خالق الكون والبشر ، ويشدد على أن أفضل طريقة لضمان رضى الله هي في خدمة الإنسان بصرف النظر عن انتمائه العرقي واعتقاده الديني ، لأن الدين بالمفهوم الصحيح لا يعزل أبناءه عن الآخرين .

ويقول الإمام الصدر : إن تعاليم الدين تمنع بوضوح أي تفرقة بين عباد الله وخدمة الإنسان وتحرّم أذيته أو ما يمس كرامته .‏

لكن من يضمن أن لا تتحول الفوارق بين الألوان والمجموعات المختلفة إلى حدود حيث تنصّب الجدر فيما بينها ، ويحل الصراع بدل التعاون والعداوة بدل المحبة .‏

عن هذا السؤال يجيب الإمام الصدر ويؤكد في كثير من المواضع والمناسبات عن الفرق بين الدين والتدين ، بما هو التزام حقيقي بالتعاليم الدينية الصحيحة ، يختلف تمام الاختلاف عن الطائفية التي يصفها بالسلبية ، وهي تؤدي بشكل أو بآخر إلى الانعزال عن المجتمع ، بل إنها تقسمه إلى أجزاء صغيرة يمكن أن تنشأ بينها جدر متباعدة . وهذا مرفوض من قبل الدين الصحيح الذي يحتوي على تعاليم مفصلة بالنسبة للتصرف مع أبناء الطوائف الأخرى .‏

وباختصار شديد، حرص الإمام الصدر أشد الحرص على تبيان الفرق بين الطائفية والتدين ، هذا الإصرار على التشبث بالتعايش بين اللبنانيين والتأكيد على مسألة الحرية في لبنان كشرط أساسي لبقاء صيغة التعايش.

ويدعو الإمام الصدر اللبنانيين على الاتعاظ من تجربة الحرب والتطلع إلى المستقبل مع التمسك بالثوابت والأولويات التي لا يمكن أن تُمسّ ، وعلى اللبنانيين من خلال الحوار أن يختاروا صيغة تحفظ هذه الأولويات وهي:‏

1 – وحدة لبنان و (العراق) هي ميزة وجوده ، والرسالة اللبنانية (العراقية) هي في التعايش .‏

2 – الحرية في لبنان (العراق) ضروره ، لأنه فقط بالحرية يمكن بقاء مجموعات حضارية تتعايش في وطن واحد.

3 – احترام حقوق المواطنين أي : العدالة التامة ، العدالة السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية والعدالة في التنمية (الإنماء المتوازن).

الإمام الصدر اطلق الثورة الإيرانية، اشكالية علاقته بالإمام الخميني:

في مرحلته الإيرانية، عايِش الإمام الصدر في فترة الخمسينيات متغيرات هامة آلت تدريجاً إلى رسم وجه إيران الجديد. أحاط إحاطة واسعة بالمبادئ التي حكمت الثورات التي قام بها مراجع الحوزة منذ الحركة الدستورية، وصولاً إلى الإمام الخميني حيث كان الصدر واحداً من عشرين هم أصل الثورة الإسلامية.

محورية الصدر في حركة الثورة الإيرانية تجلت في كونه الشخص الذي صنع للثورة حضورها على الساحة اللبنانية والإقليمية.

وكان الإمام قد شارك في مراسم تتويج قداسة البابا بولس السادس بناء على دعوة رسمية وكان رجل الدين المسلم الوحيد الذي دُعي لهذه المناسبة. وساهمت لقاءاته في الفاتيكان وعرضه لمعاناة الشعب الإيراني وعلماء الدين في ظل حكم الشاه في إطلاق سراح الإمام الخميني من سجنه. الا ان العلاقة فيما بين الإمام والصدر والخميني تعتريها الكثير من الضبابية فالخميني كان يخطط لبناء دولة الفقيه ولعب دور الولي الفقيه، وعزل الشيعة عن مجتمعاتهم، وصولا الى ما نشهده حالياً من تدخل ايراني في الدول العربية والدول المحيطة بها، وفرض الشيعية السياسية كقوة احتلال كما هو حال دمشق وبغداد، بينما كان الإمام الصدر مع إعطاء الشيعة حقهم وإنصافهم، ضمن مجتمعاتهم. وقد أشار الى ذلك الاختلاف الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني في كتاب مذكراته المعنون “حياتي”، اذ أشار فيه الى أن العلاقة بين الخميني والصدر كانت سيئة جداً، بسبب أفكار الصدر التي لم تكن على تطابق مع ما ستحمله الثورة الإيرانية من سياسات يصل ارتدادها إلى لبنان، حيث كان الصدر يحاول منع الشيعة من  الدخول في اي اقتتال داخلي، ما دفع رفسنجاني التدخل لمحاولة رأب الصدع بين الرجلين، خصوصاً أنه كان من أشد المؤيدين لأفكار الصدر التجديدية قبل إختفائه.

ظهر موسى الصدر في الاوساط الشيعية كقائد ورجل دين ثوري، أستحكم على قاعدة شعبية كبيرة من الشيعة، واستقطب عدد كبير من مثقفيهم،  حتى من الساحة الإيرانية التي سبقت الاطاحة بالشاه ، فكان لموسى الصدر مواقفاً أيجابية مع المناهضين لسياسة الشاه خاصة الاحزاب الليبرالية التي حسب على تيارها، وكذلك التيار الاسلامي المتمثل بجماعة الخميني (يرتبط موسى الصدر بقرابة نسب مع الخميني)الذين تمركزوا في العراق ولبنان، فقد حصل لهم على دعم كبير من الحكومة السورية سهل لهم عملية تنقلاتهم وتحركاتهم بجوازات سفر سورية، كذلك كان حلقة الوصل التي جمعت الخميني وجماعته بالرئيس السوري حافظ الاسد، بالاضافة إلى دوره البارز في تقريب الافكار بين التيارات الاسلامية والعلمانية داخل الساحة الايرانية.

كان الامام موسى الصدر محسوباً على حركة تحرير إيران (نهضت آزاري إيران) التي أسسها مهدي بزركان، والتي أيدت حصول أصلاحات سياسية مثل أقامة ملكية دستورية وهو مشروع طرحه المرجع كاظم شريعتمداري وأيده موسى الصدر، ورفضه التيار الاسلامي بشدة وأثار حفيظة الخميني ضد موسى الصدر وشريعتمداري، مما أدى إلى شن حملة أعلامية كبيرة خاصة ضد الصدر الذي أعتبر خطراً  يهدد مشروع الخميني  للأسباب التالية:

1- العلاقات الوثيقة التي تربط موسى الصدر بالتيار الليبرالي الذي خشى الخميني وجماعته نفوذهم بعد الاطاحة بالشاه على حساب تهميش التيار الاسلامي المتمثل برجال الدين.

2- أتخاذ موسى الصدر جانب المرجع شريعتمداري ودعم مشروعه في تأسيس ملكية دستورية، يعد رفضاً من قبل الصدر لمشروع نظام ولاية الفقيه الذي عزم الخميني على أقامته في إيران، ليمنح نفسه سلطة دينية وسياسية لن يحصل عليهما في نظام الملكية الدستورية.

3- الموقع المفترض لموسى الصدر في إيران بعد الاطاحة بالشاه، خاصة وأن حركة تحرير أيران (نهضت آزاري إيران) التي يترأسها مهدي بزركان، كانت تعمل تحت عمامة موسى الصدر.

4- التوجه العربي الذي يلعب الصدر على أوتاره يختلف جذريا مع الأجندة الشعوبية التي يحملها الخميني.

5- تمتع موسى الصدر بشعبية واسعة في الأوساط الشيعية واستقطابه قاعدة كبيرة من مثقفي الشيعة المستقلين ستجعل منه منافساً قوياً للخميني على الساحة الشيعية ومن هنا كان الاختلاف بين أمل وحزب الله بالمنهج، ولتلك الأسباب تم تأسيس حزب الله بداية بخرق أمل عبر شخصيات شيعية، وتالياً شقها لتأسيس الحزب الذي أعلن ولائه المطلق للخميني، وتشكيل مرحلة القضاء على ما تبقى من فكر الإمام الصدر وفعالية المؤسسات التي أطلقها بما فيها حركة المحرومين أمل.

6- وجود موسى الصدر بثقله الشيعي على الساحة سيؤثر على نفوذ الخميني في بعض المناطق مثل لبنان، خاصة وأن الخميني يسعى لأن يكون القائد الثوري الأوحد والمرجع (الديني والسياسي) العام للشيعة في العالم وصمام الامان في الجنوب اللبناني.

7- النفوذ القوي للكيانات والتنظيمات التي أسسها موسى الصدر، مما يجعل تأسيس اي مشروع حركة أو حزب او مقاومة جديدة تدعمه إيران مصيره الفشل، ومن هنا كان الصراع الشيعي الشيعي أمل حزب الله في الإقليم والضاحية لإنهاء ما تبقى من مشروع الإمام الصدر.

فلسطين في ضمير ووجدان الإمام الصدر:

كانت فلسطين في ضمير الامام الصدر وأخذت حيّز أساسي من تفكيره. أقام الإمام الصدر اوثق العلاقات مع قادة المقاومة الفلسطينية خاصة حركة فتح، وكان حامياً وناصحاً قائلاً «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»، رافضاً انزلاقها في مستنقع الأزمة اللبنانية، وأن تستغل من أي طرف لبناني، معتبراً ان القبلة يجب ان تكون وتبقى فلسطين بقوله «إن العودة الى فلسطين هي صلاتنا وإيماننا ودعاؤنا نتحمل في سبيلها ما نتحمل ونتقرب الى الله في سبيلها بما نتحمله من متاعب». وقام الإمام الصدر بزيارة جبهة السويس وأمضى عدة أسابيع فيها حيث اجتمع إلى العسكريين، وأمَّ الصلاة في مساجدها ودعا إلى وجوب التمسك بالدين وإعلان الجهاد المقدس في سبيل تحرير فلسطين، كما اقترح مشروع «سندات الجهاد» لتفعيل المشاركة على كافة المستويات الشعبية في الجهاد ضد إسرائيل. حذر الإمام من أخطار ثلاثة ودعا إلى التصدي لها مهما كلف الأمر: خطر التقسيم لأن التقسيم إسرائيل ثانية في قلب الوطن؛ وخطر الاعتداءات الإسرائيلية الذي يجب علينا وجوبًا شرعيًا وتاريخيًا ووطنيًا أن نقف للتصدي لها؛ وخطر تصفية المقاومة الفلسطينية. إن إسرائيل شرّ مطلق وخطر على العرب مسلمين ومسيحيين وعلى الحرية والكرامة.

استحضر الإمام الصدر كل عناوين فلسطين من فقر وتهجير وتشريد ومقاومة وشهادة وفداء في مواجهة اخطر مشروع تتعرض له الامة العربية في سياق نصه الإصلاحي والجهادي والمقاوم. فاعتبر ان قضية فلسطين، مع التسليم بأن شعبها هو رأس الحربة في مسيرة تحريرها ومقاومة إسرائيل، هي قضية كل فرد وانسان عربي ومسلم وحر. وعليه تقع مسؤولية ليس دعم المقاومة الفلسطينية فحسب، بل الانخراط الكامل بالمقاومة والالتزام بها.

عمل الامام على المستوى النظري والفكري على جعل هذه القضية في متن ميثاق حركة المحرومين (امل)، وهو الميثاق الذي يشكل الاساس الفكري للانتماء التنظيمي كما جاء في البند السادس (وفلسطين الارض المقدسة التي تعرضت ولم تزل لجميع انواع الظلم هي في صلب حركتنا وعقلها، وأن السعي لتحريرها اولى واجباتنا، وأن الوقوف الى جانب شعبها وصيانة مقاومته والتلاحم معها شرف الحركة وإيمانها، لا سيما ان الصهيونية تشكل الخطر الفعلي والمستقبلي على لبنان وعلى القيم التي نؤمن بها، وعلى الانسانية جمعاء، وأنها ترى في لبنان بتعايش الطوائف فيه تحدياً دائماً لها ومنافساً قوياً لكيانها).

وفي مجال الفعل عمل على إطلاق اوسع عملية تثوير في الوسط الشيعي اللبناني عبر إنشاء افواج المقاومة اللبنانية «أمل»، إذ قال «لا اريد ان انتظر حتى تحتل اسرائيل الجنوب وأُأسس مقاومة، فكان مؤسساً لمقاومة استباقية من خارج اطر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية والجيوش العربية، ليشير الى البعد الشعبي، وضرورة ان يتحمل كل بلد عربي مسؤولية الإعداد الكامل، وإطلاق تشكيلات مقاومة لإسرائيل كي لا يكون العبء على عاتق الفلسطينيين وحدهم.

وآمن بضرورة تصعيد المحرمات كل عوامل العداء والصراع مع اسرائيل وفي المقدمة منها ضرورة تطوير وتمتين الحاجز النفسي في هذا الصراع عندما حّرم أي اعتراف او تعاون مع اسرائيل بقوله «إسرائيل شر مطلق والتعامل معها حرام»،

من اخفى الإمام الصدر ولماذا؟

تمحورت عناصر التجديد الثقافي لدى الصدر حول جملة من قضايا. شُغل بإبراز الثقافة الإسلامية والانطلاق بها إلى فضاء الثقافة العالمية. سعى إلى بناء فكر المسلم الشيعي وتكوينه ثقافياً وإيمانياً. تصدى لما يسمى «المرجعية السكوتية» والحوزة الصامتة لابتعادهما عن معترك الحياة السياسية.

ونظراً للإنجازات المهمة التي قام بها الإمام الصدر، ولما كان يسعى إلى تحقيقه ‏سواء على الصعيد الوطني أو على صعيد القضية الفلسطينية وغيرها، كل ذلك ‏أكسبه مكانة مرموقة، شعر معها المتربصون بالمنطقة بالخطر على مصالحهم، فتقاطعت مصالح دولية مع مصالح اقليمية مؤكدة خوفها منه ومن مشروعه وضرورة التخلص منه، ‏فتحوّل إلى هدف لأجهزة الاستكبار بغض نظر من بعض الحلفاء، فتم التخطيط للتخلص منه والقضاء على ‏مشروعه الكبير.

في أطار الجولة العربية التي بدأها موسى الصدر مع الكويت يوم 23 آب عام 1978، في واحدة من رحلاته الساعية ‏إلى وضع حد للجنون العبثي في لبنان، وصل إلى ليبيا يوم 25 من نفس الشهر بدعوة من الرئيس معمر القذافي يرافقه محمد يعقوب وعباس بدر الدين، ثم أختفى ورفاقه دون أن يعثر لهم على أثر أو يسمع عنهم أي خبر، سوى ما صرح به رئيس الوزراء الليبي عبد السلام جلود عن مغادرتهم الاراضي الليبية، متوجهين إلى روما على متن الرحلة 881 في 29/8/1978، وقد ذكرت السلطات الايطالية أن شخصين وصلا إلى أيطاليا قادمين من ليبيا، أحدهم يرتدي زي رجال الدين، وقد حجزا غرفتين في فندق هوليداي آن لمدة عشرة أيام إلا أنهم لم يمكثوا سوى بضع دقائق غادرا بعدها الفندق تاركين خلفهم جوازي سفر يحمل أحدهم اسم موسى الصدر والأخر يحمل أسم محمد يعقوب.

من المستفيد من غياب الإمام الصدر:

كلن ملفتاً جداً للنظر ما استطاع الخميني أن يحرزه من تقدم ملحوظ بعد غياب موسى الصدرفكما اسلفت سابقاً استطاع ان:

1- أدخال جماعات وحركات صغيرة مرتبطة بإيران في حركة (أمل)، من أجل أن يظهروا على الساحة اللبنانية، ثم تركوا الحركة ليشكلوا حزب الله الذي برز على الساحة كجبهة مقاومة أسلامية (تديرها إيران) على حساب تهميش حركة أمل، ومشروعها اللبناني، والعروبي، وما كان لهذا أن يحدث لولا غياب موسى الصدر.

2- أن غياب موسى الصدر عن الساحة الأيرانية بعد الاطاحة بالشاه مهد للتيار الأسلامي في أيران أن يقضي على منافسيه وينفرد بالسلطة بعد أن تحالف مع الشيوعيين للتخلص من التيار الليبرالي، ومن ثم القضاء على الشيوعيين والحركة الكردية التي ساندت الثورة ما عدى حزب “كومله” الذي رفض الانحياز الى حركة دينية بقيادة ملالي ستجعل من ايران دولة مغلقة، وهذا كلن خطأ تاريخي دفع ثمنه الشيوعيين الإيرانيين “حزب توده”، والحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة قاسملوا، حيث الدكتور قاسملوا وخلفه الدكتور شرفكندي تم تصفيتهم بيد ايران وعملائهم في حزب الله اللبناني. وبذلك تم تجريد الساحة الايرانية من المقربين من الثورة الحقيقية للشعب الايراني التي كانت تسعى للحرية والديمقراطية في ايران، كما صفي أنصار الإمام موسى الصدر، أما بأبعادهم أو أغتيالهم كما حدث للدكتور مصطفى شمران.

3- ما كان للخميني أن ينفرد بالساحة الشيعية مع وجود منافس كموسى الصدر يمتلك قدراً كبيراً من الشعبية والحضور في الاوساط الشيعية، فغياب الصدر منح الخميني مساحة أكبر للعب دور القائد الروحي الأوحد خارج المجتمع الايراني، وهو لم يعمل فقط على تصفية الإمام الصدر بل عمل كذلك على تحجيم كل المرجعيات الشيعية اللبنانية الرافضة لنهج ولاية الفقيه على رأسهم الإمامين فضل الله ومحمد مهدي شمس الدين، حيث تعرض السيد فضل الله لمحاولة اغتيال، وانسحب حزب الله من اتباع مرجعيته. أما الإمام شمس الدين، فمن المواقف التي لها دلالة على ما كان يبيته الخميني له وللسيد موسى الصدر هي الهجوم الذي تعرض له، قبل أن يبدأ الخميني خطبته في حسينة جمران (شمالي طهران)، فتهجم صادق خلخالي (رئيس المحاكم الثورية) وأمام أنظار الخميني على الشيخ محمد مهدي شمس الدين (وهو من كان معروف بقربه لموسى الصدر) متهماً شمس الدين والصدر بأنهم عميلين للشاه!!.

4- أصبح حزب الله اللبناني (ذراع إيران الطويلة) هو المتحكم في الجنوب اللبناني، وتمدد لاحقاً الى العراق وسوريا وإفريقيا، بعد أن أخذ دور حركة أمل وتحول الى ذراع الاٍرهاب العالمي بيد الحرس الثوري الايراني، وبالتالي فأن الخميني وجماعته أصبحوا صمام الامان في المنطقة عن طريق حزب الله الذي ارتبط رسميا بإيران.

ما احوجنا في هذه المرحلة الحساسة الى فكر الإمام الصدر الجامع الرافض للسلفيات بكل اشكالها، والداعي للانفتاح والمحبة، ووحدة الأديان من منظار إيماني واسع، قد يظنّ المستكبرون أنهم اختطفوا الصدر وقضوا على مشروعه، ولكنهم وإن ‏كانوا قد غيّبوه جسداً ، ولكن أفكاره بقيت نبراساً تنير في ‏ليل هذه الأمة