علي حمادة - النهار

“علك الماء” في لبنان – علي حماده – النهار

من يدقق في خريطة الصراعات في المنطقة، ولا سيما في مداها الأقرب أي سوريا والعراق، لا بد أن يدرك ان المسرح اللبناني هامشي في الوقت الراهن. ولعل الدليل الأهم على ما نقول هو الإعلان عن تأجيل انعقاد اجتماع “مجموعة الدعم الدولية للبنان” الذي كان مقرراً عقده الشهر المقبل في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وإذا كانت الأمم المتحدة أعلنت بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية ان التأجيل جاء بطلب من لبنان، فالحقيقة ان المجموعة الدولية منشغلة راهنا عن لبنان، والدول المؤلفة للمجموعة لا تملك اجوبة ردا على هواجس لبنان المتعلقة بالمد التهجيري السوري الهائل على أرضه، فضلا عن الدعم المالي الذي لم يرق الى مستوى الأزمة المستفحلة. وينشغل لبنان في الوقت الضائع، بأزمات حكومية “تافهة” لا تعكس سوى رغبة اللاعبين المحليين في تقطيع الوقت بالمناورات، والمناوشات الصغيرة، وهذه تدور في حلقة الاستحقاق الرئاسي المفرغة، التي يعرف الجميع ان خيوطها تمتد الى الخارج المشتعل والمنشغل عن لبنان. وبهذا المعنى فإن لبنان موضوع في غرفة الانتظار، مع تفاهمات اقليمية – دولية للحفاظ على حد أدنى من استقراره، ريثما تتوضح صورة المشهد الإقليمي التي تخضع حاليا لتحولات كبيرة جدا، خصوصا في سوريا، مع دخول تركيا للمرة الأولى عسكريا الى سوريا، محمية بتفاهمات متعددة الطرف، روسية – ايرانية – اميركية، وبشعار معلن هو محاربة تنظيم “داعش”، و آخر غير معلن هو منع قيام كيان كردي مستقل على حدودها الجنوبية!




لبنان موضوع على هامش الاهتمام الدولي، مع ان الهامش الداخلي الذي يرفض اللبنانيون توسيعه قابل لأن يكون غالبا، لو جرى الانتقال من حال الانتظار المزدوج للعمل بجدية على إتمام الاستحقاق الرئاسي اللبناني بقليل من الحكمة. فانتخاب رئيس جديد للجمهورية خطوة حيوية في هذه المرحلة، من أجل خفض سرعة انهيار المؤسسات الوطنية اللبنانية. فإن انهارت المؤسسات انتقل لبنان من حال الحرب الأهلية الباردة راهنا، الى حال من الحرب الاهلية الساخنة. من هنا المطلوب تحكيم العقل، والذهاب الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية من خارج الاصطفافات، يكون عنصر توحيد وتهدئة وليس عنصر تهييج، وتحريض وانقسام. ان لبنان في حاجة الى كثير من العقلنة، والى كثير من التواضع، والى مبادرات وطنية جامعة لا فئوية. ماذا عن الأزمة الحكومية الحالية؟ بداية انها لا حكومة، وان بقاءها صوري ليس إلا وإن كان الكل متمسك ببقائها حتى إشعار آخر. لذا فإن الأزمات التي تفتعل تارة على هامش أدائها السيئ أصلا، لا تغني ولا تسمن، ولا تغير في الواقع شيئا. و ما الكلام “السوقي” و”النزق” لبعض الاطراف السياسيين المأخوذين بجنون العظمة سوى مزيد من “علك الماء” كما يقال.

على اللبنانيين إدراك انهم وحدهم في هذا العالم، وأكبر الشواهد تجربة خمسة عشر عاما من حرب دمرت لبنان بين ١٩٧٥ و ١٩٩٠، اضافة الى المذبحة المروعة القائمة في سوريا منذ ٢٠١١. فليتعقل كل من اصابه جنون من أي نوع كان وليكف المسؤولون عن “علك الماء”!