عالحلوة والمرّة معك

 

kassem-youssef




بقلم: قاسم يوسف

ما إن يأخذ الغضب سبيله إلينا حتى يكبحنا سعد الحريري ويسكب على رؤوسنا مياهه الباردة. فعل الكبح لم ينتج يومًا عن قوة الرجل أو ضعفه، ولا عن قدرته الاستثنائية في الترويض والأدلجة. كل ما في الأمر أننا نشبهه ويشبهنا، نحبه ويحبنا، نشعر بمصابه ومصابنا، نتحسس ما بقي من عقولنا، ثم نعقد العزم على ملازمته في حلاوته ومرارته، شيء أشبه بعاطفة دون مقابل، أو لنقلّ: متلازمة فاضلة في مقبرة بلا شواهد.

حكايتنا مع الرجل تتخطى كل قدرة على التطويق أو النسف. ربما يعمد بعض الحاقدين إلى إغراقنا بكم وافر من العبث بغية إيصالنا إلى نقطة اللاعودة، لكننا ما نلبث أن نركن إلى عقلنا البارد في مقاربة أي متحرك على خط هذه العلاقة. لقد اخترنا السير إلى يمنيه دون طلب أو منّة، وهذا خيار استراتيجي لا عودة عنه أيًا تكن الأسباب أو الضغوط.

طبعًا هذا الكلام لا ينطلق من فراغ، ولا من محاولة للتسويق الفارغ والتصفيق الممل، فقد تلقيت اتصالًا يفيدني بدعوى قضائية رُفعت بحقي على خلفية صورة أعتز بصياغتها ونشرها عبر موقع فيسبوك. الحدث يبدو للوهلة الأولى عاديًا ولا يستحق مجرد التعليق، سيما وأن الدعوى لا تساوى الحبر الذي كُتبت به، لكن مبعث الألم تمثل في تبني تيار المستقبل لهذه الدعوى بشكل مباشر، وفي جنوح بعض كوادره إلى استعراض رثّ للعضلات على حساب المسار الذي حصّناه، ولا نزال، بالدم وبأشفار العيون.

بعيدًا من الدعوى التي تستجدي العار لأصحابها وعرابيها وغرفهم السوداء، وبعيدًا من ما أحدثته مجرد صورة في صفوف منّ صدّعوا رؤوسنا بالديمقراطية وحرية الرأي، لا يسعني إلا أعبّر عن وافر الشعور المتناقض بالسعادة والقلق. مرد الأولى إلى قدرة مجموعة صغيرة من الشباب على إحداث زلزال سياسي تردد صداه في غير مكان، بحيث تحوّل إلى كرة نار تتدحرج على وقع انعدام الثقة واليقين. فيما يدك القلق سعادتنا ويعيدنا إلى الحقيقة المرّة: لا نستطيع الرد بصفع مؤلم ومزلزل، رغم قدراتنا وخياراتنا المفتوحة، كرمى لعيون سعد الحريري.

على المستوى الشخصي، لم أتوان يومًا عن دعم هذه المسيرة بما تيّسر، حاربت بقلمي المتواضع، وساهمت بجزء بسيط جدًا من التسويق وصناعة الرأي العام. لم أطلب ولم أنتظر يومًا جزاءً ولا شكورا، بل على العكس تمامًا، كان منسوب الحقد يرتفع مع كل نص أو مقالة، وكانت سهام الغدر والتحريض تلاحقني حيث حطت بي الرحال، لكني آثرت الترّفع عن الصغائر والاهتمام بالبحث عن أدبيات جديدة تردف المعركة الأساسية، لا المماحكات العبثية.

اليوم، وفي غمرة الشعور بالمرارة، نجدد التمسك بسيرتنا الأولى. لن يستطيع متسلقٌ أن يحرف مسارنا، ولن نتلّفت إلى مهووس أو مرتاب بات مستعدًا أن يتملق أحذية منّ رفسهم ورفسوه ليحافظ على منصبه ومكانته. ليذهبوا جميعًا نحو أعلى سقوفهم في هذه الدعوى وسواها، ولتأخذ الدولة والعدالة مجراها. فنحن حسمنا خيارنا منذ أمد سحيق: عالحلوة والمرّة معك.