//Put this in the section
عبد المنعم يوسف

صراع عبدالمنعم يوسف مع «الحرامية» مستمرّ

ما زال مدير عام هيئة «اوجيرو» عبدالمنعم يوسف يواجه مافيات السياسة والاتصالات في لبنان، تماماً كما واجههم منذ تولى وظيفته في النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي، ثم سُجن في العام 1999، في عهد الرئيس اميل لحود، وخلال الحملات الكيدية التي كانت تُشَن وقتها، ليخرج بعد خمسين أسبوعاً بريئاً من كل التهم التي وُجّهت إليه في 37 دعوى جزائية.

ما زال يوسف يواجه عصابات السياسة والمال في لبنان، تماماً كما واجه في المرحلة ما بين العامين 2008 و2014 الدعاوى الفارغة التي أُقيمت ضده من قبل وزراء «التيار الوطني الحر» الثلاثة (جبران باسيل وشربل نحاس ونقولا صحناوي) الذين تولوا حقيبة الاتصالات في تلك المرحلة، فخرج بريئاً من 13 دعوى جزائية أُقيمت ضده.




ما زال يوسف يُعاند، وقد أقام «الحزب التقدمي الاشتراكي» ضده دعويين جزائيتين بتهمة إهدار المال العام، فيما السبب هو عدم قيامه بزيارة تيمور جنبلاط «لشرب فنجان قهوة»، وقد خرج بريئاً من هاتين الدعويين أيضاً.

ما زال يواجه بصلابة، خاصةً بعد «فضيحة الانترنت غير الشرعي» وارتباط هذه الفضيحة بسياسيين ومحطات إعلامية ومصالح كبرى قام بكشفها، بل أرسل موظفيه ليفكوا الأجهزة غير الشرعية فووجهوا بالسلاح، من جهة، وبحملة إعلامية هستيرية من جهة أخرى.

في هكذا مناخ يصح قول الصحافي يوسف حويك إنه «إذا كان جرم عبد المنعم يوسف إهمال وظيفي وهو يُدخل إلى الخزينة أكثر من مليار دولار سنوياً وبانتظام، عدا عن الجهوزية قدر الممكن لتركيب وتصليح الهاتف… فماذا يمكن توصيف جريمة المسؤولين عن الكهرباء المتمادين بحق الناس والمؤسسات؟».

ويصح قول الرئيس فؤاد السنيورة «انه لم يتخلَّ عن يوسف «لقناعتي بانه موظف نظيف، ويتحلى بالكفاءة المطلوبة»، ويعتبر انه منحاز الى جانب الحق وصاحبه، «وإني مسرور حين يكون موقفي في عكس التيار الجارف..».

ويستشهد السنيورة برسالة وجهها الامام علي بن أبي طالب الى احد الولاة يحثه فيها على «ألا يكون المحسن والمسيء عنده في منزلة سواء»، معتبراً ان الخطير في الحملة التي يتعرض لها يوسف هو انها تعطي رسالة سلبية لموظفي الدولة، فحواها ان «المرتكب سنكافئه ونحميه، والآدمي سنعاقبه ونلاحقه، وكأننا بذلك ندفعه الى ان يقتدي بالفاسد وان يبحث عن سند سياسي او طائفي».

ويلفت السنيورة الانتباه الى ان هناك قنابل دخانية تُطلق من حين الى آخر للتمويه والتغطية على الارتكابات الحقيقية والفادحة في ملفي الانترنت غير الشرعي والتخابر غير الشرعي، ملاحظا ان البعض يحاول ان يبرر ارتكاباته او ان يخفف من وطأتها بالتلطي خلف قضية يوسف المفتعلة وكأنه يقول: أنا مرتكب، لكن لست وحدي.

في المقابل لم يتخلَّ النائب وليد جنبلاط عن «القنابل الدخانية» عندما سأل ساخراً على مواقع التواصل الاجتماعي، «هل اكتشفوا في بغداد شبكة او شبكات إنترنت غير شرعية من ايام رئيس الوزراء السابق نوري المالكي او الغير؟ هل لديهم في بلاد ما بين النهرين أمثال «عبد المنعم تلفون»، ربما يريد الاستعانة بخبرات وزير دفاعنا لتحرير الفلوجة».

في هذه الصفحة تسلّط «التمدن» الضوء على الصراع القائم بين يوسف و«الحرامية»، «حرامية» السياسة والاتصالات في لبنان، وتنشر جزء من «شهادة صديق» كتبها الصحافي فارس خشان على موقع «جنوبية».

بين الوزير بطرس حرب والـ «MTV»

في 27 أيار الماضي عقد الوزير بطرس حرب مؤتمراً صحافياً قال فيه:

«أجد نفسي مضطراً الى طرح أمام الرأي العام، موضوع مالكي محطة MTV والحملة الشعواء التي تشنها على وزارة الاتصالات، والتي تحولت مؤخراً الى حملة شخصية علي.

إن من حق اللبنانيين معرفة قصة هؤلاء، ومن واجبي توضيح القضية التي أخرجت مالكي هذه المحطة عن طورهم والتي دفعتهم الى تحويلها الى منبر للشتم والتلفيق والتجني.

يعلم جميع اللبنانيين ما قمت به شخصيا لحماية هذه المحطة الإعلامية من الاضطهاد والقمع التي تعرضت له. ولا اود تكرار دوري في الوقوف الى جانب المحطة يوم اضطهدت، وفي إعادة فتح المحطة المذكورة بصياغتي شخصيا وتقديمي اقتراح القانون بفتح القناة مجددا بعد قرار قضائي جائر صدر في ظروف الوصاية السورية، والذي أقره مجلس النواب فعادت المحطة الى دورها الإعلامي المعهود.

إلا أن اكتشاف وزارة الاتصالات لشبكة الانترنت غير الشرعي ووضع النيابة العامة المالية يدها على القضية بعدما تقدمت بشكوى جزائية بحق المخالفين وبأمر من النيابة العامة التي طلبت من هيئة «اوجيرو» مؤازرتها في فك كل المعدات والاليات المرتبطة بهذه الشبكة، ومنها موقع الزعرور العائدة ملكيته للأصحاب محطة MTV، وبعد مصادرة بعض المعدات في هذه المحطة ووقوع اشكال بين موظفي «أوجيرو» وحراس الموقع، طلب إلي السيد ميشال غبريال المر ان أعلن عدم وجود أي مخالفة في محطة الزعرور، فاعتذرت، لأنني كوزير للاتصالات، لم أكشف على الموقع المذكور ولا يمكنني ان ألبي طلبه لان لدي تقريرا محررا من الموظفين التابعين لمؤسسة رسمية لا أستطيع مناقضته قبل ثبوت عدم صحته. بدأت الحملة على الوزارة وعلى موظفيها وعلي.

واحتراماً مني للعلاقة التاريخية التي تربطني بالمحطة وأصحابها، امتنعت عن الرد عليها، واكتفيت بالتأكيد أن نترك الامر للقضاء، الذي يعود له وله وحده الحق بهذا الامر، غير أن هذا الموقف المبدئي المراعي للأصول والقانون لم يرق أصحاب المحطة الذين قرروا تصعيد الحملة لتطالني شخصيا بالزعم ان موقفي مشبوه لأنني أحمي موظفين في مؤسسة عامة تابعة لوصايتي، وان القضاء سيحاسبني، الى ما هناك من مزاعم وافتراءات.

وبغية وضع حد للمهاترات، قررت ان البي دعوة الاستاذ مرسيل غانم في برنامج كلام الناس لتوضيح ما يجري وللرد على المزاعم والاتهامات، وهذا ما حصل.

الا ان الاستاذ غبريال المر اجرى مداخلة في البرنامج ليجدد تكرار الاتهامات، ما دفعني الى تفنيدها لبيان عدم صحتها وخروجها عن قواعد النقاش، وآدابه وموضعيته، مؤكدا انه للقضاء وحده حق الفصل والاتهام والادانة التبرئة لاي انسان، وانه لا يحق لاحد غيره ادانة احد. فما كان من السيد المر الا ان طلب سجن احد الموظفين مدى الحياة؟

إلا أن القضية لم تتوقف الى هذا الحد، لأنه تبين لوزارة الاتصالات، في معرض مراقبتها الدورية لحركة اتصالات مشتركيها، وبهدف كشف وقمع عمليات تهريب مخابرات دولية بصورة غير شرعية، اكتشفت ارقاما هاتفية ثابتة تعمل بشكل مشبوه، اذ ان تعمل بصورة غير منقطعة طيلة 24 ساعة في اليوم الواحد وباتجاه واحد، بحيث لا تتلاقى أي مخابرة من الغير وانها تعمل باتجاه الاخرين فقط، ما بشكل دليلا قاطعا عن حصول اتصالات غير شرعية عليها، ولدى التدقيق في الامر، ،بعد اجراء مقارنة عملها بعمل كل الأرقام التابعة لكل المشتركين اللبنانيين لم نجد تفسيراً لذلك الا باستعمال هذه الأرقام لتهريب مخابرات دولية الى الداخل بواسطة الانترنت عن طريق نظام VOIP وادخالها الى شبكة الاتصالات الداخلية كمخابرة داخلية، وهو ما يتسبب بخسائر مالية كبيرة للدولة اللبنانية نتيجة فقدانها لحصتها في سعر المخابرات الدولية. فور تبلغي التقرير المذكور أصدرت امري بقطع هذه الخطوط فورا والتوسع في تدقيق كل الأرقام الثابتة والخلوية ورفع تقرير بالمشتبه بها لملاحقة أصحابها قضائياً.

وشاءت الصدف ان تكون الأرقام التي اكتشفت تعود ملكيتها لأصحاب Studio Vision الذين يملكون محطة .MTVوفجأة تدخل بعض سعاة الخير ناقلين رغبة السيد المر وقف أي حملة ضدي وطرح المهادنة فكان موقفي مبدئياً بأنني لست بصراع مع احد، وانني كوزير أقوم بواجبي ولا يمكنني تغطية احد.

تابعت التحقيق حول الأرقام المشبوهة وطلبت إعادة وصل الخطوط المشبوهة ومراقبة حركة الاتصالات فيها، فتبين لنا انها تدنت من أربعة آلاف مخابرة يوميا الى أربعين فقط بعد انكشاف امرها، ما شكل دليلاً إضافياً على

«شبكات الإنترنت غير الشرعي»

بدأت فضيحة «شبكات الإنترنت غير الشرعي» عندما باشرت أوجيرو بحملة مكافحة المحطات الدولية غير الشرعية، بعدما أعلن الوزير حرب أنّ «معلومات اللبنانيين قد تكون مباحة لجهات مجهولة من جهة ونافذة من جهة أخرى»، وعلى أثر هذه المعلومات عرضت قناة «الأم تي في» تقريراً في نشرة أخبارها في 12 آذار الماضي شنّت فيه هجومًا على رئيس هيئة «أوجيرو» عبد المنعم يوسف واصفةً إياه بـ «الرجل غير المسؤول» وقالت إنّ «مجموعة من شركة «أوجيرو» تسللت إلى «هنغار» يقع على مركز الزعرور وخلعوا باب غرفة التابلوهات ورموا خارج الغرفة بطاريات «التلي سياج».

هذا التقرير استدعى ردًا من أوجيرو ببيان صحافي، مؤكدة أن «دخول الزعرور جاء ضمن حملة مكافحة المحطات الدولية غير الشرعية وبموافقة المراجع القضائية وبمواكبة الأجهزة الأمنية وتعرضنا لتهديد مسلح»، وأن «التجريح والأسلوب المتشنج الذي واكب ما نشرته محطة MTV يشي وكأنه هجوم استباقي، يهدف إلى التهويل والترهيب بما يطرح تساؤلات عدة عن الدوافع الكامنة وراءه».

ما حصل بين الأم تي في ويوسف تحوّل إلى حرب أخذ ورد وتراشق تهم في النشرات الإخبارية بين «الأم تي في» من جهة، الـ lbci و«الجديد» من جهة ثانية.

فقناة ةٴٓج كشفت في تقرير حمل عنوان «إنترنت الزعرور… مسلحون وتهديد» أن «أكثر من 20 مسلحاً تابعين لميشال المر هجموا على فريق أوجيرو، أثناء حملتهم بمكافحة الإنترنت غير الشرعي في مركز التزلج بالزعرور، وأفرغوا سيارات أوجيرو من المضبوطات وأخفوا الكابلات».

في المقابل استقبلت قناة الجديد عبد المنعم يوسف وعرضت تقريراً تؤكد فيه أن شركة «Virtual-ISP» مملوكة من النائب السابق، إميل إميل لحود ورئيس مجلس إدارة الـ «أم تي في» ميشال المر والمحامي نصري لحود.

«شهادة صديق!» (فارس خشان – «جنوبية»)

قال لي صديق «خبر الحياة التي عجنته» إنّ عبد المنعم يوسف يؤرق الضمير ويوجع الرأس.

شرح رأيه بهذه الشخصية الإشكالية: يؤرق الضمير لأن الحملة التي يتعرض لها، ظلمها أكبر من قدرة الصمت عنها. ويوجع الرأس، لأن الدفاع عن عبد المنعم يوسف «بسود الوج»، فخصومه كثر، وهو «فاتر» في تقديم الخدمات «الكبيرة» لمن يحسب عليه. صديقي محق.

أنا أعرف عبد المنعم يوسف منذ 17 سنة تقريباً، وتربطني به علاقة تطورت مع الأيام الى مستوى الصداقة وأتابع عن كثب الملفات التي تعنيه، أو تُعنى به، وأناقش قضاياه مع أصدقاء لنا مشتركين.

مرة قال لي صديق آخر، معروف بدبلوماسيته وبقدرته على إقامة شبكة علاقات مميزة، إن عبد المنعم يوسف يهوى إدارة المشاكل، وراح يعدّد من يخاصمونه بشراسة، وطلب مني أن أساعده في إقناع عبد المنعم يوسف «بتطريتها».

تمنّي الصديق هذا، ذكرني بحوار بيني وبين عبد المنعم يوسف.

سألته مرة: «إذا وقف ضدك شخص قد يكون مخطئا، وإذا عارضك إثنان قد يكونان مخطئين، ولكن ان تتواجه مع كل العالم، فهذا يعني ان المشكلة عندك؟»

ولا أنسى أن يوسف استهجن مقاربتي لوضعه، فأجابني بسؤال: «إذا استعنت بخبير باللغة الصينية، وراح يترجم لك مراسلاتك، وجاء عشرات الأشخاص ممن لا يعرفون اللغة الصينية واعترضوا على ترجمتي، فهل يجعلني هذا الاعتراض مخطئاً لأن عدد المعترضين كبير؟ إذا كان هؤلاء لا يحسنون اللغة الصينية، فهذا يعني أنني أنا المحق وهم المخطئون. وبدل أن تطلب مني الرضوخ لهم، إطلب منهم أن يكفوا عن التدخل في ما لا يعنيهم، وفتّش عن مصلحتهم في التعطيل على ما يربطك بمن لديه المعرفة، فهؤلاء قد يكونون يهدفون إلى إلغائي من أجل توريطك بمترجم يعمل لديهم، من أجل تمكينهم من سرقتك».

وكان عبد المنعم يوسف محقاً، فإذا كان جميع من يهاجمونه أصحاب مصالح – وهو الأدرى بها – وإذا كان جميع من يعادونه يقدمون مصلحتهم الشخصية على المصلحة العامة – وهو يملك الملفات – وإذا كان جميع هؤلاء، ومن جميع الملل السياسية، وعلى الرغم من عشرات الدعاوى والاخبارات والاستهدافات والاختراقات والتوقيف، قد عجزوا عن إقامة دليل واحد ينال منه، فكيف يكون هو المخطئ وهم المصيبون؟

مرة، قالت لي شخصية سياسية عملت مع يوسف عن كثب: «عبد المنعم يوسف عنيد ولا يخشى المواجهة، ولكنه للأمانة نظيف ولا توجد شبهة عليه».

وسألت هذه الشخصية: «لماذا، والحالة هذه، لا تتولى الدفاع عنه»؟

أجابتني: «وهل تريدني، وأنا سياسي بحاجة إلى شبكة علاقاتي، أن أخاصم كل العالم، من أجله؟ أنا واثق بأنه قادر على تولي أمره بنفسه».

وفي حمأة واحدة من صليات الهجوم عليه، اجتمعت به واستفسرت منه حول أمور كثيرة، أخبرني حقائق عديدةخاصة بقطاع الاتصالات، عن وزراء عمل معهم، وعن سياسيين تعاطى معه، وعن شخصيات اتصلت به.

خصومة هؤلاء له، سببها عدم قدرته على خدمتهم لتوفير عشرات الملايين على حساب الخزينة وبما يتنافى مع القانون.

في الواقع، عبد المنعم يوسف ليس «سوبرمان» بل هو مدير عام صلب، قرّر أن يواجه في دولة فيهاالسوبر حرامي والسوبر ميليشياوي والسوبر متعجرف والسوبر مافيوزي.

بناء عليه قلت لصديقي «الذي عجنته الحياة»: نحن مجموعة تشكو دائماً من انعدام القيم في حياتنا السياسية، ولكننا عندما نكتشف ان قيمنا تتجسد بشخص محدّد، نهرب منه بدل الدفاع عنه، لأن ذلك سيلحق أَذى بمصالحنا.

ابتسم صديقي متنبئاً بما سأتابع قوله: إذا جلسنا مكتوفي الايادي خوفاً على مصلحتنا فلن نكون أفضل حالا ممن ننتقدهم، ونكون، والحالة هذه، ضحايا أسوأ معادلة: شركاء معنويين لمصلحة سارقين فعليين!
التمدن