الآتي على الموارنة… أعظم

ألان سركيس - الجمهورية

ألان سركيس – الجمهورية

أبعد من قضية مقاطعة تكتل مسيحي أو حزبي جلسات الحكومة، أو عدم قدرة الزعماء الموارنة على إيصال الزعيم الأكثر تمثيلاً الى سدّة رئاسة الجمهورية، يبقى المأزقُ المسيحي وجودياً وأبعد من مقعدٍ وزاريٍّ هنا أو منصبٍ قياديٍّ هناك.




يبدو هامشُ التحرّك لدى القيادة السياسية والروحية المارونية ضيّقاً الى حدّ رمي الكرة في ملعب الآخرين، أو حتى عدم التصديق أنّ «المارونية السياسية» وصلت الى هذه الدرجة من الإهتراء.

صحيحٌ أنّ كلّ الشرق بمجمله يتعرّض للحروب والتنكيل، وأنّ الأقليات والأكثريات تدفع الثمن، إلّا أنّ الواقع المسيحي يبشّر بمزيد من الشكّ في المستقبل والخوف من الآتي.

لبنان الوطن القومي الذي وُجد من أجل المسيحيين، بات في غير مقلب، رغم أنّ الحياة مستمرّة بشكل طبيعي، والمهرجانات والأفراح تعمّ الديار، ويعود الضعف المسيحي الى تصاعد الأصوليات سواءٌ السنّية أو الشيعيّة، فيما يبقى اليهود مسيطرين على سياسات المنطقة بفعل الدعم الأميركي والغربي، إضافة الى ما شهدته الساحة المسيحية من صراع على السلطة، والقمع الذي لاحق قياداتهم أثناء الإحتلال السوري وإبعادهم من الحكم.

لم يستطع الموارنة مجابهة التوسع السنّي والشيعي، ولم تستطع مرجعيّتهم رغم إمتدادها الى أنطاكيا وسائر المشرق التأثير على المسيحية المشرقية مثل الأزهر أو النجف، علماً أنّ هذه الأرض هي أرضهم، وهم شركاء فيها وليسوا دخلاء. والقيادة السياسية ليست أفضل حالاً، إذ إنّ كرسي رئاسة الجمهورية جعلتهم يشنّون حروباً لا تنتهي، ففرغت الكرسي، وتكاد الجمهورية أن تفلت من بين أيديهم.

وليس بعيداً من العلاقة مع الفاتيكان، ما زال هناك شبه لوم من الكرسيِّ الرسولي لبعض القيادات المسيحية، ناتج عن تصرّفات سابقة خسَّرت المسيحيين كثيراً، ودفعتهم الى موقع إنهزامي، وهذا الأمر ما زال يتردّد في أروقة الفاتيكان، ما يؤثر بعض الشيء في تقريب وجهات النظر بين الزعماء الموارنة وربما الاتفاق على اسمٍ واحد لرئاسة الجمهورية، رغم أنّ هذا الأمر يبدو صعباً للغاية ولا مجال لحصوله.

ومع تطوّر الأوضاع وبروز نيّات في صوغ تفاهمات سنّية- شيعية ستكون على حساب الدور الماروني، تتضاءل فرص استعادة الحضور المسيحي في الدولة أو تصحيح الخلل أقلّه، وقد اتضح للمسيحيين أنّ المكوّن السنّي الذي استعان بالبندقية الفلسطينية لقلب التوازنات الداخلية ليس في وارد التخلّي عن أيٍّ من المكتسبات التي حققها بعد «اتفاق الطائف» وطوال فترة الإحتلال السوري، فيما الشريك الشيعي لن يتنازل عن خطته الإستراتيجية المرتبطة بإيران والتي تدور رحاها في سوريا والعراق واليمن من أجل إيصال هذا الزعيم الماروني أو ذاك الى سدّة الرئاسة مهما بلغ حجم الوعود والوفاء.

وأمام هذا الواقع، يبدو أنّ هامش التحرّك المسيحي يضيق، فلا تفرّقهم وإنقسامهم بين المحور السنّي- العربي والمحور الشيعي- الإيراني أعطى نتائجه المثمرة، ولا أحد إلتفت الى اتفاقهم وورقة نواياهم الموقعة في 18 كانون الثاني في معراب والتي أفضت الى ترشيح العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية.

الرئاسة بحكم المؤجَّلة، ويبقى قانون «الستين» هو القانون الإنتخابي النافذ ولا مجال لإقرار غيره في هذه اللحظات التعطيلية، حيث تعترف الأحزاب المسيحية بأنه بات من الصعب إقرار قانون يؤمّن صحّة التمثيل، وبالتالي فإن كلّ الإتصالات التي تحصل هدفها تبريد الأجواء وتهدئة النفوس لأنّ المعركة الكبرى تدور في سوريا وليس في لبنان.

لم يبقَ أمام الموارنة سوى التسليم بخسارتهم وتحوّلهم أقليّة في بلدهم الأمّ، أو وضع خريطة طريق تنقذ الوضع اللبناني عموماً وتساعدهم للعودة الى الحياة السياسية بعدما كانوا أساسها، وعليهم استعجال خطواتهم قبل حصول الاتفاق النهائي وذهاب لبنان الى حصة الأميركي أو الروسي، أو السنّي أو الشيعي، وبالتالي حجز مقعد في الصفوف الأمامية للكبار في المنطقة وعدم التلهّي في أزقة بلداتهم الجبلية ومدنهم المستحدَثة.