يا معشر المسلمين

kassem-youssef

بقلم: قاسم يوسف




عربيٌ يجتاح القطار بساطور. لاجئٌ يحصد روح بولندية بمنجل. مسلمٌ يدهس عشرات المحتفلين في مدينة النور. هنا يحزّ أحدهم رقبة طفل. وهناك تجثو أوروبا أمام رعب يقض مضجعها: هذا مختلٌ قتل ما تيّسر من أترابه وأفرغ الرصاصة الأخيرة في جمجمته. وذاك متطرف طالب بلمّ الشمل، فحضنته المانيا بصدرها الرحب.

أي خُلاصة تلك وأي مُحصلة. الجثث باتت ترقد في حناجرنا، والدم ينهمر غزيرًا من شرياننا الأبهر، والعالم بات يُصنفنا في خانة الوحوش والذئاب الجائعة. نبحث خلف كل جريمة عن مبرر يحول دون انغماسنا الأكيد. نُردد عباراتنا الممجوجة في مقارعة الحقائق الناصعة: هؤلاء ليسوا منا ولسنا منهم. صحيحٌ أنهم خرجوا من تحت أظافرنا. صحيحٌ أنهم يقتلون ويذبحون باسم رسالتنا وكتبنا المقدسة. صحيحٌ أنهم سوريون وعراقيون وإيرانيون وأفغان. لكننا لسنا منهم وليسوا منا.

في إحدى المقاطع المصوّرة، يعمد أرباب الضحك إلى استحضار رجل بملامح عربية وإسلامية، يصل إلى المكان المستهدف، يرمي حقيبته ويهرب، فيهرول الجميع ذعرًا في كل حدب وصوب. حصلت مصادفة مشابهة في إحدى أسواق بغداد المزدحمة، صرخ أحدهم بصوت متوسط: الله أكبر، فكانت الكلمة أشبه بزلزال مدمّر لم يبقِ ولم يذر. سارع الجميع للهروب من موت بات يلاصق هذه العبارة على نحو وثيق.

لم يعد كافيًا أن نغسل أيدينا بعد كل غزوة في شرق الأرض ومغربها. بات لزامًا علينا أن نتحرك ونسارع إلى كبح جماح هذا التدهور المريع. لنبدأ من مساجدنا. من الخطيب المفوّه الذي يلوي عنق اللغة ليحثنا على ضرورة الجهاد ومحاصرة الكفر والانتشار بالسيف، إلى الكتب والاجتهادات التافهة التي تتمحور حول قشور تُعاند العصر وتحاكي منطق الكهوف والتقوقع والانغلاق.

لقد بات حضورنا مردافًا للرعب. نطل برأسنا مع كل مجزرة. تحط المذابح حيث نحط رحالنا. ليس صحيحًا أن هؤلاء الوحوش هم فئة ضالة خرجت من كوكبتنا الناصعة. ربما هم الأكثر ضلالًا، والأكثر قدرة على تنفيذ ما تجرعوه في المساجد والمآتم ودروس الظلام، لكننا جميعًا في بوتقة واحدة. في خندق واحد. هناك حيث الدرك الأسفل من القاع السحيق.

هي أمانة نحملها جميعًا في ظرف شديد الدقة والحساسية والتعقيد، لا بد أن نكون بحجم الحدث وتداعياته الهائلة في غير مكان. أن نسارع بشجاعة إلى تفعيل النقد الذاتي وإعادة قراءة النصوص بعقل بارد وفكر مُنفتح. لا شيء يستحق التعنت والاختباء خلف راديكالية خشبية وغوغائية عبثية، ولا مقدّس يفوق قدسية الانسان وحقه في العيش بحرية وكرامة.