نُبادر رغم الجراح

kassem-youssef

بقلم: قاسم يوسف




تنازعنا وميشال عون طويلًا. منذ قيادة الجيش، مرورًا بالحكومة العسكرية، وصولًا إلى انتفاضة الاستقلال ووثيقة التفاهم. خبرناه وعرفاناه. تعاظمت خشيتنا من خطابه وأدبياته وجنوحه المريع نحو الكسر. لم نفهمه يومًا ولم نتفهم حيثيته. يقول بإننا أحرجناه فأخرجاناه عقب ثورة الأرز، ودفعناه مرغمًا إلى حضن حزب الله. ثم رحنا نسجّل عليه كل كبوة وكل منزلق. لاحقًا توهمنا أن شعبيته إلى انحسار، لكنه ما برح يُصرّ على صفعنا بكثرة كاثرة تخوض الغمار في ركابه.

لم يكن ميشال عون أفضل حالًا، فقد سعى إلى اعتماد الطعن المؤلم، وإلى استحضار كل أدوات القهر ووسائل الصفع والتماهي مع مشاريع الشيطنة. سارع إلى حشرنا في الزاوية مع كل استحقاق، وحمل كل ألوية الانقلاب والتمرد والرفس الفاقع للأعراف والمعاهدات. سعادته التي ترافقت مع إسقاط سعد الحريري في حديقة منزله تجاوزت كل الأطر وكل القيم، وحطت في وجداننا كيدًا يضجّ بصرير الأسنان وقضم الأصابع. استفزنا الرجل على نحو لا يُطاق. ثم أدخلنا جميعًا عنق الزجاجة، وأنزلنا منزلًا لا نحبه ولا نُطيقه.

اليوم بات الرجل أمرًا واقعًا. لا امكانية لشطبه أو ازاحته. هو الممر الحتمي والوحيد نحو جمهورية تنازع بلا رأس. حاولنا طويلًا أن نتجنب تجرّع هذا السمّ، ذهبنا نحو اجتراح وتأييد المبادرات المؤلمة لتحريك المياه الراكدة، لكن شيئًا لم يتغيّر. كنا نستطيع أن نوغل عميقًا في لعبة التعطيل والإصرار على معادلات ممنوعة من الصرف. نستطيع أيضًا أن نهرّول نحو خطاب شعبوي وتعبوي، أن نرفض هذا الواقع المرير، وأن نضرب الجمهورية ورأسها عرض الحائط. لكننا لم نفعل. آثرنا العض على الجرح، حتى وإن كان الثمن انتخاب ميشال عون.

بالأمس أطل نهاد المشنوق. كان واضحًا وشفافًا ومباشرًا: الرئيس قبل رأس السنة. هذا ليس كلامًا عابرًا في مضامين السياسة الداخلية والخارجية. وهو ليس تصريحًا للاستهلاك المحليّ. بات يُمكننا الآن، وبكل بساطة، أن نرفق اسم ميشال عون بلقب فخامة الرئيس، وأن نتصرف جميعًا وفق هذه الحقيقة. طبعًا سيسيل حبرٌ كثير في ركب التحريض على هذا الخيار، سيذهب البعض عميقًا في قدحه وذمه واستهداف عرّابيه سياسيًا وشعبيًا, لكن لا بأس. المهم أن نخرج بأقل الخسائر في منطقة باتت ترقد برمتها فوق صفيح مشتعل.

سنذهب غدًا نحو انتخاب ميشال عون. هو يعلم أننا مرغمين ومرهقين، وأن خياراتنا استقرت بين الموت والموت. عليه أن يسارع إلى احتضاننا. إلى ملاقاتنا في منتصف الطريق. إلى تبديد شكوكنا وتفهّم هواجسنا. لبنان ليس دولة تعيش في فراغ، ولا دويلة تنحصر من المدفون إلى كفرشيما. نحن نتفاعل مع المحيط بوجداننا وعاطفتنا وشعورنا السحيق بالغبن والمظلومية. لا نريدك حكمًا تشهد الملحمة بلا دور ولا تفاعل، ولا طرفًا ينحاز لمحور على حساب آخر. لقد تعبنا. جميعنا يبحث عن الخلاص، وعن كوة تُخرجنا من المخاض العسير والشر المستطير.

يُدرك سعد الحريري ونهاد المشنوق بأن سنّة لبنان ليسوا على خير ما يرام، وبأن الجنوح نحو انتخاب عون لا يُشكل ضمانة ولا يجلب الطمأنينة، لكنهم يُصرّون على صبرهم الاستراتيجي وقدرتهم على المبادرة والوصول إلى هبوط آمن. يرفعون صوتهم بوجه الجميع: ما عانيناه منذ اغتيال رفيق الحريري يوازي ألف حرب أهلية. اشتعلت الدنيا من دمشق إلى صنعاء. ضاقت علينا الأرض بما رحبت. اغتالونا في وضح النهار. تناثرت عظامنا المهشمة على الأرصفة وشرفات المنازل. لكننا حافظنا على رصانة عقولنا وحصافة خطابنا. رفضنا الانجرار خلف النار. وسارعنا إلى إخماد الحرائق وبلسمة الجراح. نحن بألف خير، رغم أننا مُثخنون بالجراح والألم.