انطباعات باريسية من السيسي الى اردوغان

massoud

بقلم: مسعود محمد




فرنسا نهر السين، كنّا نمشي الهوينة نترقب جمال تلك المدينة وحلاوة النهر الذي يمر بها. ونتحسر على شبابنا الذي يضيع ونحن نحاول تغيير واقعنا في هذا العالم العربي الكئيب، دون تعب او ملل رغم الإخفاقات الكبيرة. كان ذاك الشاب المصري الذي يعمل مصوراً ومخرجاً يخبرنا عن احوال مصر وشبابها، اخبرنا كيف قام العسكر بثورة مضادة واستولى على حلم الشباب وكيف ان مصر تفرغ من تلك الطاقة الشابة الواعدة القادرة على بناء التغيير، وكيف ان السيسي غير قادر حتى على تحمل صوت معارض واحد قد لا يستطيع من خلال معارضته سوى قول رأيه، الا ان مجرد الخلاف بالرأي ممنوع، وأعطى مثلاً على ذلك طرد المذيعة اللبنانية ليليان داوود من مصر بطريقة مهينة مذلة لمصر وليس لليليان. سألته لماذا طردت؟ قال لي ” لتكون عبره لمن يفكر بأي شكل من أشكال المعارضة” وقال “ان ليليان بكلامها كانت تمثل الروح الجميلة للشعب المصري الصابر” أما من طردها ” فقد عبر عن مكنونات ذاته وهو أصلاً لو استطاع لطرد كل أهل مصر ليملكها هو لوحده وتكون مزرعة له ولورثته بدل ان تكون بلداً”.

بينما نحن في هذا الحوار توالت الأخبار على هواتفنا الذكية عن انتشار الجيش التركي وقطع جسر البوسفور وتحركات عسكرية وإذ بذاك الشاب يقول بدون مقدمات ” دا انقلاب بقه” وأخبرنا عن كيف انتشر الجيش المصري ونفذ انقلابه على الاخوان وشباب الثورة ” بتوع الكنتاكي”. سألته ان كان مؤيداً للانقلاب على اردوغان رد من غير تفكير ” طبعاً كلا، نحن بمصر نعرف تماماً ما معنى حكم العسكر، وقال للشاب السوري الذي يمشي معنا وأنتم  في سوريا ايضا تعرفون طعم جزمة العسكر رغم ان حافظ الاسد ببدلته المدنية وطول فترة حكمه أنساكم انه أتى من العسكر”.

وصلنا البيت فتحنا التلفاز لنتابع اخبار الانقلاب وغرق كل منا يهاتفه لأجد ان ليليان كتبت على صفحتها للتواصل الاجتماعي” يا اخوان يا عسكر”، لخصت بكلمتين مستقبل المنطقة التي تحول ربيعها خريفاً. تابعت في اليوم التالي ردود فعل أصدقاء مصريين حول الانقلاب التركي قال لي احد شباب ثورة مصر، ”  انا لست مع اردوغان ولست معجباً بالاخوان وتجربة مصر مؤلمه معهم الا ان ذلك لا يعني ان نظهر كمصريين أمام الناس كأننا من كوكب آخر”.

فضيحة فاقت كل فضائحه السابقة ” هكذا وصف  تغطية الفضائيات المصرية لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، فبالنسبة للسيسي وقنواته أردوغان لم يأت بانتخابات ديمقراطية، وقوات الجيش في الشوارع هي رمز الديمقراطية، ومؤيدو أردوغان هم مؤيدو المنقلبين، وطرد الجيش في الشوارع تعني في منظور الإعلام المؤيد للسيسي أن “الجيش والشعب إيد واحدة” على الطريقة المصرية. فرغم تصاعد إشارات سقوط الانقلاب رسمياً، والأخبار شبه المؤكدة عن القبض على الانقلابيين، وإعلان حتى الأحزاب المعارضة لأردوغان والنظام التركي، معارضتها العودة للحكم العسكري، تم التغاضي عن كل ذلك من قبل القنوات المؤيدة للسيسي مما شكل فضيحة مهنية”.

بينما ينفذ الانقلاب تواصلت فوراً مع فصيلين كرديين معنيين بالانقلاب التركي أكثر من غيرهما، الاول عناصر قيادية من اقليم كردستان وكان الترقب والقلق سيد الموقف، مما يمكن ان يؤثر على خطط الإقليم بالاستقلال وبيع النفط والتبادل التجاري وتركيا كبوابة للإقليم على العالم.

الفصيل الثاني كان حزب العمال الكردستاني في تركيا وكنت انتظر ان يكون الفصيل فرحاً بالانقلاب لافاجىء ” بتنديد الحزب بالانقلاب ورفضه للعودة الى حكم العسكر”، وكان هذا موقف كردي مُلفت يبرز تمسك الاكراد بالديمقراطية، وبتداول السلطة عبر المؤسسات والانتخابات وأنهم في اللحظات التي يقتضي فيها الأمر التعبير عن وطنيتهم وانتمائهم للبلد هم لن يترددوا بذلك أبداً”.

كان ملفتاً اطلالة اردوغان عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي منعها في تركيا وحصر التعامل بها الى أضيق الحدود، ليخاطب الناس من خلالها، هل يعود عن خطأه ويفتح باب التعامل بها من جديد؟ لا اعتقد فهو يعرف اكثر من غيره خطورتها فهي من لم تؤمن له السيطرة المطلقة في اول انتخابات قبل ان يعيدها، وهي من اعادة له حكمه الذي كاد العسكر ان يستولي عليه.

ساعات قليلة انجلى فيها غبار المعركة وبدأت الأخبار بالتواتر من تركيا عن فشل الانقلاب لتتبع الخبر حزمة من الإجراءات الغير مسبوقة بتاريخ الديمقراطيات وسأورد بعض النماذج منها.

1-    تعليق عمل ١٥ الف موظف في وزارة التربية التركية بعد محاولة الانقلاب.

2-    السلطات التركية تلغي تراخيص محطات راديو وتلفزيون بتهمة علاقتها بالداعية فتح الله غولن.

3-    نائب رئيس الوزراء التركي نجري إجراءات قانونية بحق ٩٣٢٢ شخصاً عقب محاولة الانقلاب.

4-    عزل ٤٩٢ شخصاً من العاملين في مجال الشؤون الدينية.

5-    الحكومة التركية تعفي ٢٥٧ موظفاً حكومياً من مهامهم بعد الانقلاب الفاشل.

6-    الأمم المتحدة تدعو لدخول مراقبين مستقلين أو من منظمات غير حكومية أماكن الإعتقال في تركيا بعد تداول اخبار عن حفلات تعذيب بالجملة بحق المعتقلين المشاركين بالانقلاب.

7-    وزارة الأسرة في تركيا توقف ٣٩٣ موظفاً عن العمل لارتباطهم بالتنظيم الموازي.

8-    الأمم المتحدة تشعر بالقلق جراء قيام السلطات التركية بوقف او فصل إعداد كبيرة من القضاة.

9-    اردوغان سأوافق على أي قرار يصدر عن البرلمان بشأن عقوبة الإعدام.

10-    توقيف ٧٥٤٣ شخصاً بينهم ٦٠٣٨ عسكرياً.

11-    رئيس وزراء تركيا سنلتزم بالقانون ونحن ” نصفي الحسابات”.

12-    اقالة ٩٠٠٠ موظف من وزارة الداخلية عقب في تركيا عقب محاولة الانقلاب.

بعد كل ما سبق كتب الاعلامي شارل جبور ” ان ما حصل في تركيا هو انقلاب وليس ثورة لتأييده، وأي اهتزاز لحكم أردوغان ينعكس سلبا على التوازن الإقليمي في مواجهة محور الممانعة وتحديدا النظام السوري، لان المستفيد الأول من اي انكفاء تركي إقليمي هو هذا النظام، وبالتالي هناك مصلحة استراتيجية حيوية بان يستعيد الرئيس أردوغان المبادرة، إن من خلال طي الصفحة الانقلابية سريعا، او من خلال الحفاظ على الدور الإقليمي لأنقرة”.

قد يكون هذا الكلام بالسياسة صحيح،  الا انه لا بد من الالتفات الى ما يجري بعد الانقلاب في تركيا من تصفية حساب كما قال رئيس وزرائها، وهو أن الاخوان يحلون محل العسكر في القمع المنهجي بحجتين الأولى انهم منتخبون ديمقراطياً،  والثانية، وهي الأهم بالنسبة لهم، انهم مكلفون بتطبيق شرع الله وهداية البشر مما دفع بأنصار اردوغان الى لعب دور الشرطي في الشارع واعتقال الانقلابيين وضرب العسكر ولعب دور الشرطة والدولة.

هل هكذا تورد الإبل وتثبت الديمقراطيات سؤال أعيد طرحه على الاستاذ شارل والمتحمسين للصيغة الأردوغانية للحكم مع تسجيل اعتراضي المسبق على كل ما تروجه الممانعة لأنها لا يمكن ان تقارن نفسها باردوغان فهو بحد أدنى منتخب ديمقراطياً.

ليس من الصدفة ان يأتي الانقلاب في تركيا بعد الاتفاق الامريكي –الروسي مباشرة، حول  ضبط الاوضاع في سورية  بعد اي بعد الاتفاق على تصفية كل من جبهة النصرة حليفة اردوغان وداعش.

(الانقلاب ) هو بداية عملية ستجرى في تركيا تجعلها غير مستقرة ومن دون سياسة خارجية واذا اراد اردوغان الاستمرار لا حل أمامه سوى الضرب بيد من حديد في الداخل.

الانقلاب افلت الارغانكون، والنورسيين، واعداء اردوغان الاخرين من عقالهم واصبحت بينهم دماء. وأعدائه موزعون على شرائح عدة من المواطنين بينهم ضباط وجنود ومثقفين وقضاة ورجال دولة ومعلمين وقضاة وغيرهم.

المشكلة الكبرى لأردوغان إنه اصبح هناك دماء بين الجيش والاسلاميين،
لقد بدا واضحا من تصريحات اردوغان النارية بانه سيضع حدا  للدولة العميقة ومخالبها في تركيا . والدولة العميقة هم نواة الجيش بكل فئاته والامن واجهزة البوليس والقضاة والاساتذة وعامة من الشعب .  مهمة اردوغان اصبحت معقدة  للغاية سيحارب  مجبرا الان على عدة جبهات :

1-الجيش
2-النورسيين (جماعة كولان )
3- ال ب ك ك
4- والممانعة ومتفرعاتها.

هل سيكون بمقدوره ان ينجز كل ذلك بديمقراطية؟ اعود الى ليليان داوود واسأل هل هو القدر الجديد للمنطقة ” إما عسكر وإما إخوان”. هي عملة واحدة وجهاها اردوغان والسيسي.