الرئاسة تنتظر وصول إدارة أميركية جديدة

يَصل اليوم الى لبنان وزير الخارجية الفرنسية جان مارك إيرولت في مهمة متعدّدة الأهداف. وعلى عكس ما يعتقد اللبنانيون، فإنّ بنوداً عدة تسبق بند رئاسة الجمهورية رغم التصريحات والمواقف التي تُركّز على الأزمة الرئاسية.
فالبند المتعلق بالنازحين يشكل أولوية مطلقة لدى باريس، وهو ما حتَّم مثلاً زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند إلى لبنان وهي سابقة لأنها حصلت في ظلّ شغور رئاسي وبعد تأجيلها مرات عدة.

فرنسا التي عانت مع أوروبا من موضوع النازحين السوريين، حضّرت للبنان مساعدات مالية مرفقة بخطة لإقامة استثمارات ومشاريع تسمح بتوظيف السوريين، وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام.




وفي موازاة هذا البند، هناك بند آخر لا يقلّ أهمية، لكنّه محاط بالكتمان ويتعلق باستخراج الغاز من المياه اللبنانية. ذلك أنّ باريس تسعى لأن تكون طرفاً أساساً الى جانب روسيا وأميركا في استخراج الغاز اللبناني، وهي تستند بذلك الى دورها التاريخي على الساحة اللبنانية وحضورها الحالي في جنوب لبنان من خلال قوات الطوارئ الدولية، ما يُخوّلها القدرة على تطوير دورها البرّي ليصبح بحرياً وضامناً لمنع التعديات الاسرائيلية.

أما بالنسبة إلى ملف رئاسة الجمهورية، فإنّ باريس تدرك جيداً أنّ الظروف الإقليمية والدولية لم تنضج بعد بالقدر الذي يسمح بتحقيق اختراق على هذا المستوى، وهي لمَست ذلك مع إجهاض خيار وصول النائب سليمان فرنجية رغم كلّ الدعم الذى جرى تأمينه.

أما ارتفاع حظوط العماد ميشال عون خلال الأسابيع الماضية فقد اصطدم بالرفض السعودي رغم الليونة التي كان أبداها الرئيس سعد الحريري والناتجة عن الظروف المالية الصعبة، وكذلك الشعبية التي ظهرت خلال الانتخابات البلدية، ونتيجة ذلك أعادت السعودية ترتيب وضع الحريري بهدف إبقاء قراره المعارض وصول عون محصَّناً.

إذاً، لا نتائج أساسية لمهمة الوزير الفرنسي في لبنان، والتفاؤل الذي ساد خلال الاسابيع الماضية آيل لأن يتبدّد سريعاً، خصوصاً أنّ الوضع الاقليمي يزداد تعقيداً ولا سيما في سوريا.

وخلال الأشهر الماضية، بدت إيران مرتابة من العديد من الملفات، ما جعلها في أقصى درجات الحذر. الإرتياب الإيراني الاول تصاعد مع التناقض الذي ظهر ميدانياً مع روسيا.

إذ فيما أكدت طهران طويلاً ومعها الرئيس السوري بشار الأسد على عملية تطويق حلب، كانت القيادة الروسية تضع اولويات أخرى وقيل إنّ الاجتماع الثلاثي لوزراء دفاع روسيا وايران وسوريا كان صاخباً وشهد نقاشاً حاداً خصوصاً بين وزيرَي دفاع روسيا وإيران.

ففي حين اتهم الأخير «الشريك» الروسي بنقض التفاهمات خصوصاً في حلب كان وزير الدفاع الروسي يتحدث عن حسابات سياسية لا بدّ من أخذها في الاعتبار وعن مصلحة في جذب دول الخليج العربي «في اتجاهنا من خلال الاتصالات السياسية والديبلوماسية القائمة».

والحقيقة أنّ المسألة لها علاقة بشعور إيران بأنّ زمام المبادرة العسكرية خرج من يدها وأصبح بجزئه الغالب في يد موسكو، وهو ما يشكل خطراً أساسياً عليها.

فمثلا ومع التقدم القائم شرقاً في محافظة الرقة وفق الخطة الروسية، طلبت القيادة الروسية فجأة وقفَ الهجوم، معلنة وقفَ الغطاء الجوّي رغم أنّ هذه القوات أضحت على مشارف مطار الطبقة العسكري والذي سيمنح الجيش السوري موقعاً مهماً جداً مع استعادته، لكنّ العملية توقفت هنا. لذلك قرّرت إيران التحرّك وحدها لتنفيذ النقاط التي لا تتّفق حولها مع روسيا، وهو ما يسمح لها في الوقت نفسه باستعادة زمام المبادرة.

لذلك شنّت القوات الإيرانية هجوماً على طريق الكاستيلو، ونجحت في جعله تحت سيطرة نيرانها من دون أيّ مشاركة روسية. لكنّ هذه النقاط العسكرية على أهميتها لا تعني إطباق الحصار الكامل على الأحياء الشرقية لحلب، حيث معارضو الاسد، فهناك مسارب لا تزال مفتوحة مع تركيا من خلال الوديان والجرود.

وظهر الارتياب الإيراني الثاني مع تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول برنامجها الصاروخي والذي ترافق مع مواقف ألمانية متشددة، ما قد يشكل مقدمة لتكوين ملف دولي ضاغط جديد.

والارتياب الثالث ظهر مع المساحة الواسعة التي أفردت لزعيمة المعارضة الإيرانية مريم رجوي في باريس والحرّية التي فُتحت لها ولحزبها للمرة الاولى منذ قيام الثورة الاسلامية في إيران.

أما الارتياب الرابع فيأتي من الخطاب المتشدّد الذي يسود الحملات الانتخابية الأميركية في ظلّ دفع اللوبي اليهودي لتركيز سياسة مناوئة لإيران ورهان دول الخليج العربي على سياسة أميركية جديدة مختلفة عن سياسة الإدارة الحالية.

لكنّ الصورة الحقيقية لهذا المشهد تبدو مختلفة. ففي تموز 2012 بدأت في أحد فنادق سلطنة عمان محادثات سرّية بين وفدين أميركي وإيراني حول الملف النووي. وفي صيف 2013 تسرّبت معلومات عن هذه اللقاءات السرّية.

ولكنّ الأهم أنه في ايلول 2013 وخلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني الى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، حصل اتصال هاتفي بينه وبين الرئيس الأميركي باراك أوباما.

ما علاقة هذا السرد التاريخي بهواجس إيران؟

يروي ديبلوماسي أميركي مطّلع أنّ الوفد الأميركي السرّي الذي فاوض الإيرانيين ضمّ في صفوفه ديبلوماسياً شاباً يُدعى جاك ساليفان وهو كان أصغر مسؤول شغل منصب مدير التخطيط في وزارة الخارجية الأميركية أيام هيلاري كلينتون.

ومع استقالة كلينتون من موقعها في الخارجية، عيّن نائب الرئيس الاميركي جو بايدن ساليفان مستشاره لشؤون الأمن القومي.

ومع انضمام ساليفان الى فريق العمل الانتخابي لكلينتون، وعدته الأخيرة بتعيينه مستشاراً للأمن القومي الأميركي في إدارتها في حال فوزها بالرئاسة وسيكون عندها أصغر مَن شغل هذا المنصب بعمر 39 عاماً.

والحقيقة أنّ كيلنتون أرادت من خلال التزامها هذا، إرسال رسالة واضحة إلى إيران بالتزامها النهائي والثابت بالاتفاق النووي الذي شارك في مفاوضاته ساليفان وتأكيد أهمية الدور الإيراني بالنسبة إلى واشنطن في الشرق الأوسط.

ويعتقد الديبلوماسي الأميركي المطّلع أنّ انكفاء واشنطن عن تفعيل المفاوضات حول سوريا ليس تراجعاً عن رؤيتها للتسوية بقدر ما هو انشغال كامل بالحملات الانتخابية الحامية، ما جعل اهتمامها بالشرق الأوسط ينحصر حالياً بملف النفط الاسرائيلي، والاكتفاء بوضع المراقبة للملفات الأخرى في انتظار وصول الإدارة الجديدة.

وهذا يعني أنّ لبنان بدوره محكومٌ بالستاتيكو الحالي، وأنّ الواقع الدولي سيبقى مشلولاً الى حين وصول إدارة أميركية جديدة، وبالتالي فإنّ أزمة رئاسة الجمهورية ستبقى على حالها إلّا إذا حصلت حركة لبنانية داخلية في هذا الإطار وهو ما لا يعتقده أحد. أما الوضع الأمني فسيبقى في إطاره الدقيق خصوصاً مع تزايد التعقيدات العسكرية على الساحة السورية وارتفاع حماوة المعارك.

جوني منير – الجمهورية