//Put this in the section

عن أخت الرجال

tony-abou rouhana

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر




ما أصعبها أن توَدّع أحباءً كنت تظنهم أقوى من الرحيل، وما أصعب الوداع من بعيد، حين يكون القلب هناك، أنا، لن أتكلّم عن نهاد سعَيد في السياسة، ولا في دور المرأة الريادية، لحقبة تاريخية ما كان للمرأة الكثير لتفعل مما فعلته هي، الست نهاد، إنما أود أن أنقل صورة، نظرتها وواكبتها لعقود، منذ الطفولة، منذ دخلت ذلك البيت، منذ عرفتها، وعرفت أرجاءه بأدق التفاصيل، أود أن أعود الى زمن الأم، التي عاشت هي أيضاً، بدقة وعمق، تفاصيلنا جميعاً، ما استثنت أحداً، ولا تخلّت يوماً عن أي أحد، أود أن أتذكّر تلك السيّدة، كما كانت، على سجيّتها، وأمومتها ومحبتها، سيّدة البيت المفتوح ودون أي تحفّظ، لكل مَن قصده، الخصم، قبل الصديق، والصغير، قبل الكبير، بيت تواضعها، الذي جمع بين زواياه، أجيالنا، ذاكرتنا، ذكرياتنا، وكل الحنين، أود أن أتكلّم عن أرجوحتها، وتبغها، وقهوتها.. وكأنها لازالت فوق، تجالس الصباح على شرفتها القديمة، وما تغيّر في المكان، ولا في الزمان شيء.. ولا رحلت ولا أظلمت في تلك المطارح أجزاء من العمر، فما أقساها حين تختلس العتمة من لحظاته أجملها، وما أصعبها حين تشعر وكأنك مع عزيز بات تحت التراب، قد دفنت من أيامك أقربها الى القلب.

بكلمات قليلة وبسيطة، تشبه طيبتها وبساطتها في التعاطي مع الناس، صدقها وعفويتها، أود أن أتكلّم عن نهاد سعَيد، كما عرفتها دوماً، سيّدة البيت الذي لطالما اتسع لكل رأي مختلف، ولأي آخر مهما بلغ منسوب الخصومة، عن تلك السيّدة التي ما عرفت المهادنة في مواقفها، ولا عرفت في المقابل حقداً، عن ”الست“ التي زرعت محبة، ومعركة حق في كل حبة تراب جبيلية، ومكان كل حجر قنطار رجولة، عن الإنسانة، الرقيقة الحنونة، وأخت الرجال، إن لم تكن أشدهم بأساً وعنفواناً في لحظات المواجهة، أود أن أتكلّم عن الجرد الذي تنفسَّت هواءه، ارتوت من ينابيعه، عشقت أهله، وعشقوها، طاحنت صخوره.. وتحوّل معها زمن الأقوياء مدرسة ندّية.

ببضع كلمات من القلب، بسيطة بمثل كبرياءٍ راقٍ، لا يهتز أمام المتغيّرات، أياً يكن حدّها، ومنافعها، لا ينكسر، ولا تجرفه جحافل التيه والمناصب، أود أن أتكلّم عن تلك السيّدة التي أرَّخَت بين نساء جيلها، لأجيال من ثقافة الإلتزام بالقناعات والمبادئ، والحوار والإنسانية، عن نهاد سعَيد، التي رحلت كما عرفتها منذ أكثر من 45سنة، هامة كبيرة تفيأت في ظلها هامات كثيرة، وما بدّلت فيها السنوات تلك الأمومة النفيسة التي لا تستثني أي أحد، رحلت كما كانت دائماً، الصديقة، والجارة، شريكة الأفراح والأتراح التي رافقت وعاشت قضايا الناس وأزماتهم، حتى في أحلك الظروف، المترفّعة عن الصغائر، الصلبة، الشجاعة، التي قارعت أعتى رموز زمن الرجال، والكبار، الوفية أبداً، صاحبة الخيارات الحكيمة.. الكريمة، العطوفة التي ما تخلّفت يوماً عن مساعدة محتاج، أياً كان مطلبه، ”أم الكل“ بامتياز.