//Put this in the section

لبنان الرسالة

kassem-youssef

بقلم: قاسم يوسف




المنطقة تعبق بدخان كثيف، ولا مجال حتى لتحسس مواقع الأقدام، كل الطرق تصب في الهاوية، وبعضها يصل إلى قلب الجحيم. أوروبا قلقة، تقول في أحدث تقاريرها إن الأزمة السورية باتت تهدد الكوكب برمته، وإن الحرب العالمية قد تنطلق لحظة وقوع أي خطأ في التنسيق أو الفهم. لا شيء يدعو للطمأنينة أو الترف، كل الإشارات تأخذك نحو محصلة واحدة وحيدة: أدفن رأسك حيث تسنى لك، فالعاصفة لا ترحم.

خضعت أوروبا الكبرى، بقدها وقديدها، لمفاعيل الأزمة السورية، بعض تداعياتها لامس اكتساح اليمين المتطرف لجُل المدن والعواصم، وبعضها الآخر تجاوز مجرد التلويح المباشر بتعليق اتفاقية شنغن، فيما تجوب أنجيلا ميركل العالم بحثًا عن كوة تفوّت الانهيار الوشيك، كل الأنظار تصبو نحو سوريا وأزمتها التي تخطت، أو تكاد، كل قدرة على التطويق أو الإحاطة.

كان لبنان، ولا يزال، الحلقة الأضعف ضمن هذه المعادلة. ربما ساهمت مظلة تقاطعت فيها مصالح الجميع بإرساء جو من الهدوء الهشّ، لكن الوضع قابل للانفجار في أي لحظة، لا سيّما وأنه يترافق مع متحرك داخلي بات يرزح في عنق الزجاجة. كل العوامل تصب في خانة الفوضى والمجهول، بيد أن الاستقرار لا يزال قائمًا وواقعًا، بل وأكثر من ذلك، البلاد تتهيأ لكباش ديمقراطي غاب طويلًا عن ربوعها.

لم تكن الأمنيات لتتجاوز تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي، شيءٌ أشبه بربط نزاع داخلي حول مجمل الملفات الملتهبة بانتظار قطار التسويات أو الحلول الكبرى. كان العقل السياسي، أو بعضه، ينظر بعين الريبة والجزع إلى نار تستعر خلف الحدود، وكانت جُل المعطيات المقلقة تصب في هذا الإطار، حتى بات الكلام عن استقرار نافذ ودائم أشبه بضرب من الجنون، فالفوضى تهرول نحونا من أصغر المعارك في أزقّة حلب، إلى أفظع تجليّات قضم الأصابع حول النفوذ الناعم من أنقرة إلى موسكو، مرورًا بطهران والخليج وباب المندب.

سار لبنان بثبات نحو اجراء انتخابات بلدية تحترم المواعيد القانونية، كانت المعركة أشبه بدخول في المجهول، لا سيّما وأنها تتعارض من غالبية النصائح السياسية والأمنية التي دعت إلى تأجيلها وعدم المجازفة بإجراء استحقاق قد يرفع نسبة التوتر نحو منتهاه، فيما ترافق هذا الوضع مع أجواء شعبية وسياسية أوحت وكأن التأجيل واقعٌ لا محالة، وأن المسألة لا تعدو كونها محاولة لترتيب إخراج مناسب لاتفاق دُبّر في ليل.

في لقائي الأخير مع وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، بدا الرجل واثقًا ومتيقنًا رغم الجبل الذي يحمله على كتفيّه. كنت أدرك حتمًا ماهية الضغوط الهائلة التي حاولت دفعه نحو تأجيل الانتخابات، سألته عن حالها، لم يتردد للحظة: الانتخابات في موعدها، والتأجيل خارج قاموسي، ونقطة على السطر. كان شعوره بأن لبنان بدأ ينزلق بشكل مرعب نحو استسهال العبث بالأنظمة والدستور والقوانين، وأنه بدأ يفقد هويته الديمقراطية وطبيعة كيانه وفرادته، وبالتالي فإن هذا الاستحقاق تجاوز حجمه الفعلي، ولامس رمزية استثنائية توازي الرسالة التي يحملها لبنان في محيط يضجّ بما يضجّ.

يذهب لبنان غدًا نحو استعادة شكل من أشكال الديمقراطية التي طالما تغنى بها، هو يتنفس الصعداء ويشعر بأنه قادر على تقديم نفسه بأزهى صوره وأبدعها على الإطلاق، لا يريد لشيء أن يعكّر صفوه وفرحته، فيما يُخاطب العالم بصيغة المتكلم: أنا لبنان، وهذا بعضٌ من رسالتي.