//Put this in the section

أما وقد بكى

kassem-youssef

بقلم: قاسم يوسف




ثمة جدلية عقيمة حول بكاء الرجال، وهي جدلية تختصر الصفة المعنوية لصورة المجتمع الذي ولد من رحم صخرة ترزح عنوة في طريق العبور الفطري نحو المخاضات والانتقالات السلسة، نقطة الارتكاز تكمن دومًا في مقاربة المتحركات، وهي مقاربة تتخطى كل قدرة على تبديدها أو السير بخلافها، فالخارج من إطارها قلة قليلة، والعازف على وترها يجسّد، أو يكاد، كل متلازمات التصحر والاضمحلال والأفوال الحتميّ.

بعض الأيديولوجيات الصلبة تعمد إلى تصوير الرجل وكأنه كتلة اسمنتية، وتعزز هذه النظرية بمروحة واسعة من الاسقاطات والشعارات المعلّبة، فهو ممشوق الهامة، عريض المنكبين، جهوري الصوت، ثاقب النظرة، ميت القلب. السلاح زينته، والمشاعر لا تعرف سبيلًا تسلكه اليه، ولد بعيون تسبح في ملح خشن، لا مكان للضعف أو الهوان، والخيار يرزح حتمًا بين طريقين: إما الموت وإما النصر.

اكثر تلك الحالات خطورة تترافق مع وجود رمز أو أيقونة، وهو الشخص الذي يحمل مشروعًا تتراصف في ركابه جُل التقاطعات التي تصب في إطار شمولية مقلقة. الفرق يكمن في قدراته الشخصية على تعزيز ورفد هذه الحالة وعدم الخروج من إطارها، بل والتعامل مع خارقيها بسفاقة مستفيضة تلامس حدود التهكّم والسخرية المبتذلة من نتيجة طبيعية ترافق كل بشريّ على سطح الكوكب.

في مقاربته لمظلومية لبنان، وعند وصوله إلى عتبة العرب الأقحاح، أدمع الرئيس فؤاد السنيورة ضمن مشهدية انسانية نبيلة استدعت تعاطف المحبين والكارهين على حد سواء، كان الأمر أشبه بخروج جماعي نحو دمج الجانب المعطّل في شخصيتنا المتكاملة. لكنها لحظة صفاء استغلها الرمز إياه، وحوّلها إلى مادة تعيد وصل ما انقطع: لا مكان للضعف، دموعك آثمة، وهي لم ولن تحمي أحد.

هي معادلة بسيطة: الرجال لا تبكي. معادلة كافية لفهم كل شيء. للوهلة الأولى تشعر وكأنك مختلف أو مجنون، تحاول عبثًا أن تكفكف دموعك أو أن تمارس البكاء بعيدًا من مواقعه، تحاول أيضًا أن تردف خاطرك بما تيّسر من كوابح للسيطرة على أي ضعف طارئ، لا مجال هنا للخطأ، بل الخطيئة، فالانزلاق دونه عواقب متدحرجة، وصورتك تلتصق على نحو وثيق بقدرتك على سحق مشاعرك واقتلاع مكامن ضعفك وهوانك.

بالأمس أطل الأمين العام لحزب الله باكيًا، كان المستجد أشبه بملحمة دارماتيكية، تسارعت صورة فؤاد السنيورة إلى مخيلة الجميع، بدا الأمر وكأنه انتقام عفوي بالطريقة عينها، إذ كيف لمن سخر من الدموع أن ينزل الكبوة نفسها. تعاطت الغالبية بسخرية فاقعة، وانطلقت من خسارته المتدرجة في غير مكان، بحيث كان الجواب على دموعه مشابهًا لمعادلته المستفزة قبل عقد كامل: دموعك آثمة، وهي لم ولن تحمي أحد.

خلاصة الأمر تتمحور حول القعر الذي وصلنا إليه. كانوا يظنون أن البكاء حكرٌ علينا، نحن البائسون اليائسون العابرون إلى دولة ما برحت تُلّوح لنا بمنديلها الأبيض، وبتنا نظن أنه هجرنا ليقرع أبوابهم الموصدة. وربما، أقول ربما، حان الوقت الذي ندرك فيه جميعًا بأن البكاء لنا ولهم، وبأن عيوننا وعيونهم تسبح في بحيرة واحدة، وبأن البأس ليس في بكاء الرجال، بل في كبح دموعهم.