//Put this in the section

«بيروتنا» و… مسألة ديانا مقلّد – حازم صاغية – الحياة

edit-hazem-saghiyeh
بدل أن نتغلّب على النفايات، تغلّبت النفايات علينا، فوسّعت مساحاتها في كلامنا وعقولنا. وهذا تحوّل كشفته القفزة الجديدة التي أحرزتها الغرائز مع تشكيل لائحة «البيارتة». ففجأةً وُلد للموسيقى المنحطّة، وهي في لبنان الأعلى صوتاً، وتر جديد للعزف عليه: الأصليّون مقابل الوافدين. ولا يخفى أنّ الأصليّين المُتَخيّلين يملكون هويّة ناجزة تواجه هويّة الوافدين المتَخيّلين.

وللنزاهة، لا بدّ من تحفّظات أربعة تفسّر بعض هذا «السجال» الموحل:




– فهو لا يختصر، بل يتوّج، حالة ينشدّ معها جميع اللبنانيّين، من شتّى المناطق والطوائف، إلى مناطقهم وطوائفهم، بل عائلاتهم و «بيوتاتهم»، وسط استكمال التصدّع الذي تئنّ تحته الوطنيّة اللبنانيّة.

– وهو لا ينفصل عن شعور سنّيّ وبيروتيّ بالمظلوميّة أحدثه سلاح «حزب الله» وفاقمه.

– وهو «سجال» لم يكن ممكناً أصلاً لولا القانون الانتخابيّ الرديء الذي يردّ المواطنين دافعي الضرائب إلى مناطقهم «الأصليّة» للتصويت فيها، ما يغذّي العلاقات السياسيّة الزبونيّة، ويمكّن فكرة «الأصليّ» و «الوافد».

– وهو أيضاً سجال يتغذّى على قناعة تزايدت عالميّاً في العقود الماضية من أنّ المدن الكبرى (الميغابولات)، صارت أقلّ قدرة على مَدْيَنَة الريفيّين الوافدين إليها من قدرة هؤلاء على ترييفها. ذاك أنّ المدن المذكورة تراجعت طاقتها المنتجة فيما تحوّلت الهجرات إليها موجات كاسحة متلاحقة.

والحال أنّ علاج هذه الظاهرات لا يستطيعه إلاّ من هم أكثر مدينيّة، ممّن يكونون الأقدر على رؤية الوطن وتفكيره ككلّ واحد. مثل هؤلاء يجدون أنفسهم معنيّين بتطوير ثقافات للمدينة تلحظ تعدّديّة جماعاتها وتمتصّ احتقاناتها، كما بتطوير جاذبيّات اقتصاديّة للأرياف تُنعشها بينما تخفّف العبء عن المدن.

وما يحصل مع لائحة «البيارتة» عكس ذلك. فبأقلّ قدر من الخيال والموهبة، وبأفظع استيراد للعصبيّات الريفيّة وفولكلورها، تُصبّ الزيوت الملوّثة على نار مشتعلة أصلاً. وبموجب التعصّب، يتصرّف الذين استثيرت عصبيّتهم لأتفه الأسباب كأنّهم عرضة لمؤامرة لا يُردّ عليها بغير اجتثاث المتآمر.

ولا بأس هنا باستعادة حادثة، هي بالأحرى حالة، ممّا أوجده المناخ الموبوء المحيط بلائحة «البيارتة»، وهي حادثة قد تكون لها مثيلات لا نعرفها:

فالزميلة الإعلاميّة ديانا مقلّد ارتكبت ارتكاباً شعوريّاً كان ينبغي ألاّ تشعره، إذ عبّرت عن استيائها من افتقار بيروت إلى الأرصفة. وما إن سجّلت ارتكابها هذا على صفحتها الفايسبوكيّة، حتّى هاجمها قضاة محاكم التفتيش من فايسبوكيّين «أصليّين» أوّلوا كلامها بوصفه نقداً لتعمير الرئيس الراحل رفيق الحريري أو لتصوّره عن المدينة. أمّا الاتّهام الأكبر فأنّ مقلّد، بفعلتها هذه، قليلة «الوفاء».

وليس سرّاً أنّ الهجوم يستبطن التعامل مع ديانا بوصفها غريبة عن الانتماء الطائفيّ والمناطقيّ للشتّامين. لكنّ هؤلاء عبّروا، مرّةً أخرى، عن مفهوم لـ «الوفاء» هو في تخلّفه امتداد لتخلّف فهمهم لمسألة «الأصليّ» و «الوافد».

فمقلّد، على مدى سنوات كان فيها القتل والتشهير مباحين، ظلّت من اللبنانيّين القلائل الذين انفردوا بمواقف تناهض موقف الطائفة التي تنتمي إليها. وهي جاهرت بذلك على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد وتظاهرات الشارع. فلمن يكون «الوفاء»، والحال هذه؟ لها أم لهم، هم الذين لم يفعلوا إلاّ تمتين التطابق مع الطائفة التي صدروا عنها؟ أمّا إذا كان «الوفاء» يعني التماثل مع ربّ العمل، ورفض التمايز قيد أنملة عنه، فهذا أيضاً يستبطن فهماً للعمل بوصفه رِقّاً، يتكرّم بموجبه ربّ العمل على عمل يُحرم صانعه من كلّ قدرة على إنتاج الثروة والمعنى. ولا بدّ، والأمر هكذا، من سداد «المكرمة» بـ «وفاء» مطلق وأبديّ!

وهذه مفاهيم غير مدينيّة البتّة، إذ المدن هي حيث تكون حقوق وواجبات وإرادات حرّة، وحيث يشعر العمل ورأس المال بتكاملهما، فيما تختلط في شوارعها الوجوه والبشرات والأديان والطوائف، عابرةً القرابات والعصبيّات، وملغيةً الأصليّ والوافد لمصلحة المواطن/المواطنة.

لكنْ إذا كانت لزمن اليسر إيديولوجيّة التعمير والتعليم، ولزمن المآسي إيديولوجيّة القوانين والمحاكم، فالخشية أن تكون العودة إلى الغرائز وتحريكها هي إيديولوجيّة أزمنة العسر والإفلاس ممّا تكثر عليه البراهين والدلائل.