//Put this in the section

بلا ديّة.. كل البلد

tony-abou rouhana

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر




عن الذين يدّعون زوراً أنهم مجتمع مدني او رأي عام تغييري، او أكثرية كانت صامتة ونطقت صدفة بعدما طفح الكيل، وكأنه طفح بالأمس فقط، وأنهم خارج اصطفافات السياسة والأحزاب والزعامات والإقطاع وتوارث السلطة، وأصحاب مشاريع تجددية، لا تمت الى الطبقة السياسية التي تآكلها الصدأ بأي صلة، منذ الحراك، وصولاً اليوم الى الإستحقاق البلدي، مروراً بالإعتصامات التي نفذوها، ولازالوا أمام المؤسسات وداخلها، غب أي طلب، ولأي ارتباط او مرجعية؟ لا أحد يعلم، هل سأل أحدنا يوماً عن حقيقة هؤلاء، والى أي فريق ينتمون.. هل سألنا، وبغض النظر عن الشعارات، والمطالب التي نتبناها جميعاً، مَن هو المحرّك الأساسي الذي يقف خلف هكذا حراك، ويدعمه، كيف يُمَوّلون حملاتهم، ومن أي مصادر، هل سألنا ولو للحظة فقط، عن التوقيت، وكيف يتوافق دائماً مع أجندة أي تأزيم يطرحها محور واحد وحيد، معروف للجميع.. حزب الله وخارطة أزماته وصراعاته، التي تجاوز معها حدود المحظور، وكامل مساحة الخطوط الحمر، والتي تكاد تكون البوابة الإستثنائية التي تعبر من خلالها فوضى الزعران الخلاّقة الى الداخل.

اما عن لوائح المواجهة الراهنة، والإستحقاق البلدي، هل راجع أحدنا نفسه ولو للحظة واحدة، وسأل، مَن يُمَثّل هؤلاء الذين نُسَمّيهم شباب لبنان الواعد، من أي خلفية يعبرون إلينا، فلول أي أنقاض أحزاب وأي زعامات يتوارثون تحت ستار المجتمع المتّهم بالمدنية باطلاً، وهو الأبعد عنها بمسافات، ولا يُمكن مقاربته معها، خاصة مع الوجوه التي تتصدر المشهد عند كل تحرّك، وشارع، تُبدع في الفوضى، وتستدرج العنف من المجهول.. لو نتوقف ولو للحظة واحدة، عند مهزلة أولئك الملائكة، ونعود الى رشدنا، المرحلة الراهنة لا تحتمل فزلكة أي انقلاب، وإن كان في مكان ما، بات ضرورة، وعلى الذين يختصرون الحكم وقرارات الناس، ويصادرون خياراتهم وآرائهم، فما يُمكن أن يستدعي قلب الطاولة على مَن حولها في الظروف الراهنة، أشد خطورة بكثير مما نشاهد ونعرف، وتحديداً، بواسطة حفنة من قذارة الماضي نفسه، الذي هيمن وأدار أحرق البلد، ولن يُغَيّر في الحاضر ولا المستقبل أي شيء، نعم، نحن على بعد خطوات بسيطة من عودة عقارب الساعة الى الوراء، إن لم يكن بالإقتتال، فبسلطة لا يُمكن أن تُنتج سوى الفتنة.

وعن تركيبة الإصطفافات الهجينة، وما نراه على ساحة التحالفات ويومياتها التي تتقلّب على عدد اللحظات، وما تتطلبه المنافسة الغير شريفة، ورغبات المافيات السياسية، وتقاسم النفوذ من جهة، والفساد، والسرقات، والأموال العامة، من جهة أخرى، والتي ما عاد أحد يعرف حقيقة تقاطع مصالحها، أين يبدأ، وكيف ينتهي، وأي سمسم يفتح كواليسها، ولا حقيقة المؤقت، او الدائم الثابت من اليوم فصاعداً، الذي أثبت وفق أول غيث نتائج الإستحقاق البلدي، أنه ما عاد تلك المادة الأصيلة او الأساسية التي تحكم بالتطبيع على جمهور الأحزاب ومؤيديهم، او مناصريهم، ولا حتى على المنتسبين إليهم في أماكن كثيرة، وبالتالي، فهذا ما سوف يُكَلّف أكثر من باهظ عند الإستحقاقات الأشد والأكثر مصيرية من سيناريو الحرب الراهنة، والتي يُقال أن البلد يخوضها في العائلية والتنمية البحتة، وخدمة المواطن في يوميات عيشه، وحرصاً على كرامته، فيما التناطح على قدم وساق حول المناصب وحدها، ومن بوابتها حول الإستئثار بما يتبقى من دولة، وتقاسم وهم موازين وجودها، بعد أن اختطفها السلاح بسلطتها ومؤسساتها واستقرارها وأمنها ومرتزقتها.

عن  الإستحقاق البلدي، وتحالف النفايات ومدينتي..

ومدينتي هنا، في المطلق، عن مدن لبنان وقراه وضِياعه وأحيائه وناسه، والنفايات هنا، ببساطة، ليست ما تراكم في الشوارع وما بين المنازل، وما كان الخطر المباشر على صحة الناس وحياتهم، إنما النفايات التي عصفت في المبادئ والثوابت، ووجدان وضمير كل مَن خرج عن تاريخه وأهله وشهدائه، وإنسانه، وترك خلفه ذاكرة النضال والتضحيات، وأمانة وطن، شهد زوراً بالحقوق دون الحق، خاض حرب إلغاء على كل آخر مختلف، تآمر، إن كان بالشراكة ام الإستسلام، وحرّض، او ارتكب مساومات او تسويات، أقل ما يُقال فيها أنها تمت بواسطة وكالات معزولة، ما يحصل في المرحلة الراهنة، مرحلة الإستحقاق البلدي، إشارة مهمة جداً، الى أن بعض المسيحيين، بأحزابهم، ومستقلّيهم وكنيستهم، قد استقالوا من مسؤولياتهم تجاه الوطن، ليعودوا الى مسؤوليات الطائفة، لابل المذهب الأضيَق، والإنغلاق على المحدود، وهذا أخطر ما في المشهد.. وأن بعض المسلمين، وربما أكثرية أيضاً، يُقاتلون بنفس السلاح، ونفس الكيدية، الى ما قد يتطوَّر الى كارثة بين مسجد وحسينية أيضاً، ومن دون صمام أمان يمنع حصولها، نعم الى هذا الحد، فما تظهّر على هامش الإستحقاق البلدي، أخطر مما ظهّره الإستحقاق نفسه، وأبعد ممّا يتصوّره المتنافسون على تقاسم ما تبقى من البلد المتهالك المتهاوي، وفشل سلطة ما تبقى منها شيء بعدما اختزلها حزب الله في مربعاته الكونية والإلهية، وحاصرها، داخل ديموقراطية صندوق اقتراع، لا تنقطع عنه الكهرباء، سوى لحظة الفرز وإعلان النتائج، ما يحصل اليوم، واقع عاد ليُرَسّخَه الأمر الواقع في كل واحد منا، إن سقطت بعض أقلية لازالت تؤمن بلبنان الواحد وشراكتها مع الآخر، أياً تكن أوجه الخلاف والإختلاف، بيروت كانت الصورة الأولى والآتي أعظم، إن كانوا بلديات تحالف او خصومة، او توافق لا يُمكن أن يُعَمّر، إن لم يتفجّر لحظة النتيجة، فأقصى حدوده أول اجتماع، لتُرفَع الجلسة على ما دفنته الأحقاد، وتسترت عليه المصالح الآنية.

المعركة الأساسية هي الدولة، شرعية الدولة، هيبة الدولة، وكرامة الدولة، وطالما هناك ما هو غير شرعي على أرض هذه الدولة، وتحت أنظارها، فلا جمهورية ولا استحقاق رئاسة، ولا برلمان ولا قانون انتخاب، ولا مجالس بلدية ولا اختيارية تستحق أن نخوض معركتها، وبعدها، ألف نقطة على ألف سطر، المعركة، معركة الدولة القوية في مواجهة الدويلة التي تسعى الى نهشها بالكامل، معركة مواجهة، مع فائض قوة وسلاح، وموازين قوى، وبيئة حاضنة للإحتلال، المعركة، مع حزب الله، الفصيل الإيراني، هذا وحده ما يستحق القتال، هذا وحده ما يستحق التضحية، غير ذلك، فهذا البلد للبَيع، عن سابق تصوّر وتصميم، وبإرادة أهله.. انتهى البيان.