مجتمع القسوة – سامر فرنجيّة – الحياة

لم تكن الرائحة الكريهة التي اجتاحت لبنان، ومعها سرب الذباب والبرغش، كافية للتغطية على صدمة اكتشاف شبكة الإتجار بالبشر التي سبقتها أو مسلسل فضائح ميشال سماحة الذي تلاها. فالفضيحة الجديدة أكملت مسلسل الفضائح المتسارع وأعطته بعداً حسياً كان ينقصه لكي تأخذ الرواية شكلها النهائي، حيث يربط بين أجزائها المنتشرة على كافة الجسد الاجتماعي منطق الانحلال العام الذي تشهده البلاد.

هكذا أظهرت الرائحة المستوى البيولوجي للأزمة الحالية، حيث تلتقي أجساد النساء المعذّبة بمشاريع أشلاء الأجساد في جو تسيطر عليه رائحة بقايا أجساد أخرى.




يرمز مشهد الذباب المرفق برائحة بقايا الإنسان إلى الموت والنهاية. وتشكّل مقولة «النهاية» الطريقة المثلى التي استقبل بها اللبنانيون رائحة عاصمتهم الجديدة، هم الذين تدرّبوا على عقود من تخيل النهاية في شكل حرب أهلية، وهي «النهاية» التي أسّست لحاضرهم.

لقد وصلنا إلى خط النهاية، نحب أن نردّد لبعضنا البعض، مع تمرين على المقارنة بين نهاية نحتفل بعيدها الحادي والأربعين ونهايتنا الحالية. ويأتي المستوى البيولوجي المتمثل بالأجساد والأشلاء والرائحة ليؤكد مقولة نهاية السياسة والاجتماع، أي الاصطناعي، وعودة الحياة المادية بخلاياها وأعضائها وبرازها إلى الواجهة.

بيد أنّ الكابوس الفعلي الذي تحاول تفاديه مقولات النهاية هذه قد لا يكون في نهايتنا ورائحتها الكريهة، بل في امكانية أن لا تكون هناك نهاية تنقذنا من تحوّل «شي موريس» إلى نموذج للعلاقات الاجتماعية التي تنظّم الجسد اللبناني. أو بكلام آخر، ليس من انحلال للمستوى الاجتماعي وعودة إلى المستوى الطبيعي، بل تعميم لمنطق لا يعترف بهذه الثنائية، بات هو المنظّم الفعلي لعلاقات الأفراد والجماعات، وهو منطق «القسوة».

فمنذ حادثة كترمايا والأمثلة تتكاثر على قسوة تبدو الطريقة الوحيدة لتنظيم العنف المكبوت، ومن خلاله المجتمع بأكمله. وهذه القسوة لا تظهر فقط في حوادث نموذجية كحادثة كترمايا أو تجارة الأجساد، بل تمتدّ لتشمل علاقات أكثر «طبيعية» كعلاقات زوجية أو معاملة للخادمات الأجنبيات أو تعاطٍ يومي مع النازحين السوريين.

القسوة تحتاج إلى أجساد لتبسط استبدادها عليها ولخلايا لتنتشر من خلالها ولأشلاء تتناثر لتدلّ عن وجودها. الرائحة الكريهة مصدرها ليس مجهولاً، إنّها رائحة «مجتمع القسوة».

وأن لا تكون هناك نهاية تنقذنا من الواقع لا يعني أنّه ليس من نهاية للمرحلة الراهنة. فالأزمة الحالية لم تعد مجرّد أزمة سياسية، مرتبطة بمسألة الدولة وتشعّباتها، وليست مجرّد أزمة اقتصادية ناتجة من سنوات من السياسات المالية الكارثية وفساد الدولة، أو أزمة في علاقات الطوائف ونظامها التوافقي. لقد تعدّت الأزمة الحالية حدود تقسيم العمل المعتاد بين السياسة والاقتصاد والثقافة لتطرح مسألة أسس نظام ما بعد الحرب الأهلية وتحوّله إلى حاضنة لتطور مجتمع القسوة. فالشيء الذي انتهى، والتي طغت رائحته إلى جانب رائحة أجساد هذا المجتمع، هو عالم نظام ما بعد الحرب الأهلية ومنتقديه – العالم القائم على فرضية أنّ هناك إمكانية لتخطي علاقات القسوة التي ورثناها عن الحرب الأهلية، إمّا من خلال وعد النظام أو وعد نقده. فهذا العالم ووعوده انتهت لنكتشف أن «شي موريس» وصف أدقّ للحاضر من كل ما كتب عن هذه الفترة.

فما انتهى أيضاً مع النظام هو منتقدو النظام، الذين تمسكوا برواياتهم النقدية عنه وبوعودها، أكانت عن «نيو-ليبراليته» أو طائفيته أو غيرها من النعوت التي حاولت أن تسقط بعضاً من المعنى على ممارسات القسوة التي كانت تنمو في هذه الفترة. فالنظام الاقتصادي، على رغم منتقديه، لم يرق لأن يكون نيو-ليبرالياً، هو القائم على ريع واستلاب واحتكار وصفقات. التراكم الأولي لم ينتج سواه، وبات اليوم يحاول استخراج ما تبقى من قيمة مختبئة في بعض الأجساد ليستمر لبعض الوقت. كما أنّ النظام ليس توافقياً، كما يردّد دعاة المدنية والعلمنة في نقدهم هذه الميزة المسؤولة وفق تحليلاتهم عن آفات البلاد. فهو أيضاً لم يرق إلى هذا المستوى، وبقي سجين ثنائية الهواة والإجرام التي تميز طبقته السياسية.

بكلام آخر، محاولات إلباس هذا النظام خطابات فضفاضة عليه لم تعد تنفع إلا لطمأنة النقاد بأنّ هناك شيئاً أكثر من مجرّد «شي موريس» في هذه البلاد.

بيد أنّ تطور مجتمع القسوة هذا لم يحدث في فراغ، بل تطوّر في ظل عملية إفراغ للقيم والمعايير من كل معنى في مرحلة ما بعد الحرب، وضرب كافة المؤسسات المسؤولة عن تحديدها وتفعيلها. ولم يعد يقتصر اضمحلال المعايير هذا، كما كتب وسام سعادة في جريدة «المستقبل» (٧/٤/٢٠١٦)، على الخلافات السياسية «الكبرى»، بل بات يصيب الجسم الاجتماعي ككل. أكان الأمر في الثقافة أو الصحافة أو النقابات أو القضاء أو الجامعات، تميزت هذه الفترة بالقضاء على كامل تلك الأجسام الوسيطة التي كانت تشكّل حاجزاً في وجه انتشار القسوة، لكي يبقى في وجهها مجرّد خرافات «دولة القانون» أو «المواطن الصالح» أو «الشعب الثائر».

ونظام كهذا لا يُصلح، لكنّه أيضاً لا يُسقط، كما اكتشف «الحراك المدني» بمرارة الصيف الفائت. فقد يشكّل الحراك نتيجة عقود من نقد هذا النظام ومن خلاصتهم، وقد تبين بسرعة أن أدواته وخطاباته ليست فقط غير قادرة على تغيير هذا النظام، بل قد تنتمي إلى عالمه. فلا التظاهرة المركزية أو الانتخابات النيابية أو الإضراب العام قد تنفع في وجه مجتمع القسوة، وقد بقيت تلك الأدوات تطوف فوقه من دون أن تقبض عليه. ربّما في وجه هذا الانحلال العام، لم يبق إلا الانفكاك عن الدولة ومخيلتها العفنة وعن الشعب بوصفها آخرها الناصع، للعودة إلى صراع القيم والمعايير، الذي قد يؤسس لمناعة مختلفة في وجه القسوة ورائحتها الكريهة. بكلام آخر، الدولة وشعبها باتا قطبي مجتمع القسوة، وإذا لم نخرج من سيرورة الترنح بينهما، فستستكمل القسوة انتشارها لتستعمر ما تبقى من أجساد.