//Put this in the section

ماذا وراء انسحاب بوتين المفاجئ من سوريا؟

نشرت مجلة “نيوزويك” تقريرا للباحث في معهد كينان المتخصص بالدراسات الروسية ماكسيم ترودوليبوف، حول قرار فلاديمير بوتين المفاجئ بالانسحاب من سوريا.

ويشير الكاتب في بداية تقريره إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده بوتين مع وزير خارجيته ووزير دفاعه، للإعلان عن نية الانسحاب، ويقول إن “الثلاثة كانوا يبدون مرتبكين طيلة العشر دقائق”.




وتذكر المجلة أن وزير الدفاع سيرغي شويغو عدد الطلعات التي قام بها سلاح الجو الروسي، ومساحة الأرض التي تمت السيطرة عليها بالكيلومترات المربعة. أما وزير الخارجية سيرغي لافروف، فأشار إلى التفاؤل الحذر تجاه مجرى الأمور على الصعيد الدبلوماسي.

ويلفت التقرير إلى أن “أيا من الرجلين لم يبد حاسما، ناهيك عن كونه منتصرا، أما فلاديمير بوتين وبعد الاستماع لهما وبعد أن فرغ صبره، فقد أعلن أنه تم تحقيق الأهداف في سوريا، ثم أعلن عن انسحاب (الجزء الرئيس) من القوات الروسية ابتداء من اليوم التالي”.

ويشير ترودوليبوف إلى أن الإعلام الروسي الرسمي كان يوم الثلاثاء 15 آذار/ مارس مشغولا في بث التقارير عن الانسحاب، حيث تم بث لقطات تظهر هبوط الطائرات العائدة في مدينة فورونز، على بعد حوالي 350 ميلا جنوبي موسكو، وأخبرت وزارة الدفاع صحيفة “فيدوموستي” بأن نصف الستين طائرة التي أرسلت إلى سوريا ستعود.

وتجد المجلة أن الانسحاب الجزئي، حيث ستغادر بعض القوات وتبقى أخرى مناوبة، هو في الغالب أداة تفاوض، ستؤدي دورا مهما في المحادثات السورية-السورية، وفي العلاقات الروسية-الأمريكية، مشيرة إلى أن وزير الخارجية الأمريكي سيتوجه إلى موسكو لمناقشة سوريا، ويمكن تغيير حجم القوة الروسية في سوريا بسهولة، بالاعتماد على كيف ستسير المحادثات الروسية الأمريكية.

ويقول الكاتب: “لم يتوقع أحد أعرفه انسحابا (إن كان هذا حقا هو انسحاب) بهذه السرعة، وأصبح هناك تحليلان متداولان، فالمعلقون المحليون الذين فوجئوا بالتحرك أشادوا مباشرة بالإعلان، ووصفوه بأنه أهم انتصار للسياسة الخارجية في تاريخ روسيا، أما المراقبون الآخرون، خاصة من لديهم علم وتجربة بتدخلات روسيا في مناطق أخرى، فاستنتجوا أن الانسحاب ليس حقيقيا، حيث تلاعبت موسكو قبل ذلك بإعلانات الهدنة والانسحابات، وفي أوكرانيا فعل الكرملين ذلك عدة مرات”.

ويتساءل ترودوليبوف: “فهل غادرت روسيا فعلا؟ أشار بوتين حتى خلال الإعلان نفسه إلى أن المنشآت البحرية في طرطوس وقاعدة حميميم الجوية ستبقى كما هي، وقال كبير مسؤولي الكرملين سيرغي إيفانوف في 15 آذار/ مارس، إن روسيا ستأخذ الاحتياطات كلها لحماية الأشخاص والمعدات التي تبقى في سوريا”.

وينقل التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، عن نائب وزير الدفاع نيكولاي بانكوف، قوله: “لقد حققنا بعض النتائج الإيجابية، ولدينا الآن فرصة إنهاء سنوات من العنف، لكن من المبكر الحديث عن انتصار على الإرهاب، وسيبقى الطيران الروسي يوجه ضربات لأهداف تابعة للإرهابيين”.

وتورد المجلة أن الخبراء والمطلعين في موسكو يفسرون الوضع بطريقة غير درامية، كانسحاب جزئي “قابل للعكس”، حيث إن المعدات التي يتم سحبها يمكن إعادتها ثانية.

وينوه الكاتب إلى أن “المؤسسة في موسكو تقول إنه تم تحقيق بعض الأهداف، وهذه الأهداف تختلف عن تلك التي تسعى لها موسكو في أوكرانيا؛ ولذلك من الممكن ألا يكون هذا تكرارا لما فعلته روسيا في أوكرانيا، وبذلك يصبح استخدام المراقبين لما فعلته روسيا في أوكرانيا وإسقاطه على سوريا غير دقيق”.

ويفيد التقرير بأن موسكو حققت مهمة في سوريا، مستدركا بأنها لم تكن بالطبع ما أعلنت عنه، فالأهداف الحقيقية “ليست الرسمية المتمثلة في محاربة تنظيم الدولة” كانت سياسية وعسكرية.

وترى المجلة أن “بقاء الأسد في الحكم لم يكن هدف روسيا الأساسي، لكن منع سقوط النظام كان هدفا، وكان الهدف إثبات أمر، وهو أن روسيا تعتقد بأنه يجب بقاء الزعماء الحاليين مهما كان حجم جرائمهم، حتى يتم تغييرهم بالتصويت أو استبدالهم محليا”.

ويبين ترودوليبوف أن “روسيا أثبتت أن الجيش الروسي عاد، وكان هذا أمرا مهما بالنسبة للجيش الروسي بعد سنوات من التخلف، حيث يحرص الكرملين على أن يكون الجيش الروسي واجهة التحديث، يضاف إلى ذلك ما قاله بوتين نفسه في مقابلة تلفزيونية في كانون الثاني/ ديسمبر، أن التجربة السورية قدمت خدمة كونها فرصة ممتازة لإثبات فعالية الأسلحة الروسية الحديثة”.

وبحسب التقرير، فإن بداية مفاوضات السلام كانت فرصة مناسبة للخروج وبيع التحرك على أنه مخطط تخطيط جيد، مشيرا إلى أنه على المستوى المحلي بدأ هناك شعور بالإرهاق، وأصبحت سوريا عبئا أكثر منها محفزا للجماهير، وكان مهما بالنسبة للكرملين أن يثبت أن روسيا لن تجر إلى مستنقع، كما توقع الرئيس الأمريكي باراك أوباما.

وتستدرك المجلة بأن “روسيا لا تستطيع المغادرة تماما وبشكل دائم، صحيح أن الأسد أصبح متعجرفا بسبب الدعم الذي حصل عليه من قوة رئيسة، ولذلك فإنه من المنطقي أن يترك مكشوفا للضغط عليه ليتصرف بمسؤولية خلال مفاوضات السلام، لكن على الكرملين البقاء موجودا لمنع محاولات التخلص منه”.

ويذهب الكاتب إلى أن “القوى السياسية الروسية على اختلاف ألوانها تنفست الصعداء لدى سماع إعلان الانسحاب، وإن كان جزئيا، ويعتقد الكثيرون في موسكو أن وقف إطلاق النار الذي حققه بوتين هش، ويمكن أن ينهار في أي لحظة، كما أن سوريا أصبحت كحبة البطاطا الحارة، ومن الحكمة إلقاؤها لمن يريد أن يلتقطها، حيث يتوقع الكثيرون تفكك سوريا، ولم يرد بوتين أن يموت المريض بين يديه، ولذلك اختار الخروج عندما أصبحت هناك فرصة مناسبة للخروج”.

ويعلق التقرير بأن “الغالب، أن روسيا تريد الخروج من سوريا، وربما حتى من أوكرانيا، لكنها تريد أن تعامل كونها منتصرة، ويجب اعتبار حملتي أوكرانيا وسوريا انتصارين للكرملين للشعور بإنجاز المهمة”.

وتختم “نيوزويك” تقريرها بالإشارة إلى أن “المشكلة هي أن على روسيا الاستمرار في الاستثمار في الصراعات الدولية للحفاظ على هذا النوع من النجاح، وهناك قول مشهور في روسيا أصله من لغة المافيات: (الدخول يكلفك روبلا واحدا، لكن الخروج يكلفك اثنين)، ويعني إذا انضممت إلى عصابة أو شاركت في نشاط من نوع ما، عادة ما يكون غير قانوني، ففي الغالب لن يكون خروجك من المشهد بناء على شروطك”.