//Put this in the section

حكايات البحر واللجوء: الصومال … حركة الشباب وعود بالجنة

مسعود محمد – بيروت اوبزرفر – السويد

جدتي قتلت في مقديشو، والدي زين جسده بعدة رصاصات، مرتع طفولتي تحول الى غابة من الموت القتل فيها اسهل من شرب الماء. خفت من الموت، فقررت الهرب، قررت الخروج من الصومال، أنا شاب في مقتبل العمر اريد ان أحيا حياة طويلة وجميلة بعيدة عن ألموت والقتل. حركة الشباب والقاعدة يقولون ان من يموت شهيداً سيكون مصيره الجنة، وأنا اريد ان أختبر أولاً جنة الدنيا. اريد ان أختبر حبي مع عذراء دنيوية أسقيها وأشرب منها حباً قبل ان أسكر على حلم قد لا يكون فيه شيء من الحقيقة. عندما احاول ان اتخيل دخولي بحورية عذراء من الجنة لتعود بعد الحب عذراء من جديد وكأن شيئاً لم يكن، لا اصدق ان شيئاً كهذا ممكن الا بأفلام الخيال. أي حب هذا الذي سأهبه لاثنين وسبعين حورية معاً، اي منهن ستستحوذ على قلبي وهل علي ان اعدل بينهن؟ وهل ستكون هناك غيرة؟ وهل ستختلف الضرائر فيما بينهن فيكيدن لبعضهن؟ وما هو مصير حبي الدنيوي وهل يجوز ان تجد من قضت معي ايام العمر في الدنيا دون مقدمات اثنان وسبعين حورية ينافسنها على حبها؟ هل سأكون سلطانٌ يٓحكِم ولا يُحكَم؟ هي حكايا شهرزاد وانا لا اريد ان أكون سلطاناً ينتظر غياب الشمس لتكمل له شهرذاد الحكاية وإذا فشلت يأمر بقطع عنقها. تعد ليبيا تاريخياً مركزاً لعبور المهاجرين إلى أوروبا، وذلك بسبب موقعها الجغرافي وقربها من القارة العجوز. لكن عمليات الهجرة غير الشرعية تصاعدت بشكل كبير لغياب الأمن والصراع المسلح الجاري هناك.




انطلقت برحلتي من مقاديشو الى اثيوبيا محطتي الأولى، ومن ثم الى الخرطوم، بعد ذلك الى قلب صحراء ليبيا الى اجدابيا التي مكثت فيها شهرين ومنها الى بنغازي التي مكثت فيها أسبوعين وبعد ذلك طرابلس التي مكثت فيها شهراً وعشرين يوماً. توقف بحديثه عند أجدابيا مطولاً، سرح وكأنه يستعيد كابوساً وقال في أجدابيا عرفت المعنى الحقيقي للجوع والعطش. كان غذائنا قطعة خبزٍ وقليل من الماء أقل من كوب، أما العشاء فكان قليل من المعكرونة المسلوقة. كان عددنا في الغرفة كبير لدرجة كنّا نتناوب فيها على النوم. وكان النوم على الجنب حتى لا تستحوذ على مساحة كبيرة وتعطي فرصة لغيرك لينام. كان يسمح لنا بالخروج الى الحمام مرة واحدة في اليوم لمدة ساعة واحدة، وخلال تلك الساعة كنّا نتعرض للضرب والإهانة وكان يوجه إلينا كلام نابي بحقنا وحق أهلنا. كان محدثي يتوقف بين الكلمة والكلمة ويردد كلمة ليبيا ليبيا ليبيا ….. وكأنه يهلوث بها. أصبحت ليبيا كابوسه وتعويذته من الله. ضربه المهربون بشدة وقالوا له اتصل بأمك وقل “للقحبة” التي ولدتك ان تحول لنا ٢٥٠٠ دولار وإلا سنقتلك وندفن جسدك هنا في ليبيا. أحدنا لم يملك المال بقي هناك شهراً دون ان يستطيع أهله تأمين الأموال المطلوبة ليكمل الرحلة، لم يتردد المهربين الليبيين بأخذ كليته وبيعها عوضاً عن المال. والدتي استعادت في تلك الأيام كل آلام ولادتها من جديد فهي تلدني من جديد بإنقاذي من يد أولئك الكفرة المتنكرين بقناع الدين، لقد توسلت أمي الأهل والأقارب والأصدقاء، ونجحت بتسول المبلغ المطلوب جمعته قرشاً قرشاً ولم يسمح لي بالانتقال الى طرابلس الا عندما استلم المهربون المال.

مكثت في طرابلس شهراً وعشرين يوماً بانتظار رحلة البحرالموعودة. زربنا في زريبة أحد المزارع مع الدواب وكان الطعام وجبة واحدة عبارة عن قليل من المعكرونة المسلوقة بالماء. حانت الساعة انتشر الخبر بسرعة انتشار النار بالهشيم، وصلت الزوارق سنبحر، كنّا ٤٨٠ شخصاً وكان نصيب كل زورق ١٢٠ شخصاً، قسمنا حسب جنسياتنا، قرر القراصنة ابتزازنا في آخر لحظة وفرض أتاوات جديدة علينا لسلبنا ما تبقى من مالنا، لم أكن أملك أي مبلغ، ولحسن حظي كان القبطان معرفة قديمة وكان يحق لكل قبطان ان يركب معه أربعة أنفار كأجر له فصعدت المركب من ضمن حصة القبطان دون مقابل، فشكرت الله انه قد تبقت لديه بعض من انسانيته بعكس المهربين الآخرين. اعتقدت ان الحكاية انتهت هنا الا أنه عاد فجأة بحكايته الى الصحراء وعبورها قال لي ” هي واحدة من أصعب مراحل الرحلة” فيها الكثير من العطش كنّا نركب ” الوانيت” وهي سيارة نقل تقل ٣٠ شخصاً وكان ممنوع علينا الحركة وكنا محشورين والعطش يقتلنا وكانت كمية المياه محدودة فالمساحة محدودة ويفضل استثمارها باكبر عدد ممكن من الركاب ومن يضعف من العطشى ويقع يرمى ببساطة في الصحراء فالأجرة مدفوعة سلف. حتى لا نستهلك الكثير من المياه بالشرب ونستعمله بكميات قليلة نبلل بها شفاهنا كانت المياه تخلط بقليل من البنزين ليصبح طعمه كريهاً فيقل استهلاكه. أن مناطق انطلاق القوارب المحملة باللاجئين في ليبيا متنوعة، إلا أنها على الأغلب تنطلق من شواطئ الغرب الليبي في “زوارة والمناطق القريبة من طرابلس”، لأنها الأقرب إلى جنوب إيطاليا ومالطا. كما أن هنالك بعض عمليات التهريب تجري بشكل أقل من شواطئ بنغازي. حالات هلوسة سيطرت على بعض ركاب الزورق، فمن الركاب من توهم وجود حمام زاجل ومنهم من ظن انه وصل الى اليابسة فكان يريد إيقاف الزورق لينزل منه. كان بيننا سيدة صومالية تظن ان الشياطين تلبست جسدها، فتدخل في نوبات من الصراخ والهلوثة، فكان ذلك الشاب الذي يأمهم في الصلاة يعالجها بقراءة القرآن، كان يقول ان القرآن يسكت الشيطان المستوطن في جسدها ويكبله. كان يقول ان تلك المرأة قد قضت شهرا في السجن في طرابلس الليبية وتعرضت لحفلات من الاغتصاب المتتالية من قبل المهربين وسجانيها كان السجان يناديها بالقحبة وكانت ترفض إجابته وتتمسك بالصمت، فينهال عليها ضرباً ويجرها كالشاة الى شبه سرير مركون في زاوية الغرفة ويفرغ فيها شهوته خلال لحظات. كان يقول لها المؤمنات الحصينات يبقين في بيوتهن، ويخرجن مع محرم، في احد الأيام أخذها من على سجادة الصلاة وإغتصبها رافضاً ان يصدق ايمانها، ويقال انه بعد ذلك اغتسل وتوضىء وصلى وكأن إغتصابه لتلك المسكينة حق لسيد على ما ملكت أيمانه، كان يعاملها كجارية لا تملك حتى حق الإعتراض. تعطل فينا المركب في عرض البحر، امتلىء الزورق بالماء وتناوبنا على إفراغه منها الى ان وصل إلينا مركب سريع يحمل خبير صيانة أعاد اشغال المركب فتعطل فينا مرة ثانية بعد عدة ساعات أخرى لتتكرر نفس الحفلة كان حمل المركب أكثر من طاقة تحمل محركه.

ما ان خرجنا من المياه الإقليمية الليبية حتى تعطل المركب من جديد، فأرسل القبطان رسائل لاسلكية يطلب فيها النجدة ودخل بين الركاب متموهاً جاعلا نفسه واحداً منا اقتربت منا بارجة إيطالية وتولت إنقاذنا ما أن دخلوا القارب حتى قبضوا على القبطان كانوا يملكون صورة له ولديهم كافة تفاصيل هويته. تم إجلاء الأطفال و النساء أولاً وبعد ذلك أجلي الرجال. بقينا على ظهر البارجة لمدة يومين حتى انقضى نهاية الأسبوع فوصلنا الى شواطىء إيطاليا يوم الإثنين، أخذت بصماتنا وقال لنا الطليان يمكنكم إكمال مسيرتكم الى اي بلد ترغبون بالذهاب اليه، دون مراعاة لأي قانون أو حقوق الإنسان التي تتغنى بها أوروبا، فتحت ضغط ازمتهم الإقتصادية لم يكن الإيطاليين راغبين باستضافة المزيد من طالبي اللجوء وبالتالي كانوا يرغبون بالتخلص من أكبر عدد من طالبي اللجؤ ورمي الحمل على دول أوروبا الشمالية الغنية القادرة على التعامل مع أزمة اللاجئين بمرونة مالية أكبر. وتبعد أقرب الشواطئ الايطالية عن ليبيا 180 ميلاً فقط (290 كلم)، فيما تنطلق بشكل شبه يومي من هناك قوارب باتجاه السواحل الايطالية ليلاً وسط مخاطر كبيرة تواجه الركاب الهاربين من جحيم بلادهم الى جنة مفترضة في القارة الأوروبية، بينما تعتبر الهجرة غير الشرعية واحدة من المشكلات المستعصية التي تواجه كلاً من إيطاليا ومالطا، وهما الدولتان الأوروبيتان القريبتان للسواحل الليبية.

حسب بطل روايتي يتقاضى المهربين في الجزء الأخير من الرحلة من كل شخص ما بين 400 الى 700 جنيه إسترليني (650 إلى 1100 دولار فقط) نظير هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، فيما لا يسمح المهربون للركاب باصطحاب الكثير من الأمتعة والطعام والشراب، خوفاً على أن تتأثر المراكب المترهلة بالحمولة الزائدة. وقال لي أن شاباً ليبياً يدعى محمد، ويعمل مهرباً للاجئين من بلدة زوارا القريبة من الحدود الليبية مع تونس قال له أن: “الأموال في هذا البزنس جيدة جداً”، ودعاه للعمل معه بإستقطاب أفراد قبيلته للسفر وكشف له أنهم قد يجمعون نحو 600 ألف جنيه إسترليني شهرياً، أي مليون دولار نتيجة عمليات التهريب التي سيديرونها من ليبيا الى أوروبا اذا هو عرف كيف ينشر الخبر بين ابناء قبيلته ويستدرج شبابها للسفر من خلال ذلك المهرب، رفض العرض كان يعلم إنه لن يحصل من الشريك المفترض بعد استدراج شباب قبيلته الا على رصاصة في صدغه وسيحرم حتى من الدفن في التراب وقد يرمى جسده في البحر أكلاً للسمك.