القوى المسيحية اللبنانية في مهب الانفجار الديموغرافي والحلف الأقلوي

يقول عميد الكتلة الوطنية ريمون إده، في حوار أجراه معه الباحث اللبناني الكندي كمال ديب أواخر التسعينات من القرن الماضي، “إن المسؤولين عن خراب لبنان هم ثلاثة موارنة: رئيس الجمهورية السابق شارل حلو لأنه وافق على اتفاقية القاهرة عام 1969 وسمح للمقاومة الفلسطينية بمهاجمة إسرائيل من الأراضي اللبنانية. وهذا ما جعل لبنان جبهة عسكرية مفتوحة دفعنا ثمنها غاليا. والمسؤول الثاني عن خراب لبنان هو بيار الجميل (رئيس ومؤسس حزب الكتائب) الذي وافق على اتفاقية القاهرة مع الفلسطينيين ولكنه اكتشف فيما بعد أنهم أصبحوا الحكام الفعليين للبنان، وذهب إلى الشام وطلب من الرئيس حافظ الأسد أن يرسل الجيش السوري إلى لبنان وكان ذلك في 6 يناير 1976. والمسؤول الثالث عن خراب لبنان هو كميل شمعون (رئيس الجمهورية الأسبق والذي اتصل بإسرائيل وقابل بيغن، وأقنعه بإرسال جيش إسرائيلي لتحرير لبنان من الفلسطينيين. فدخلت إسرائيل عامي 1978 و1982 ودمرت بيروت على أهلها وقتلت 20 ألف لبناني. وهكذا جلب شارل الحلو الفلسطينيين، وجلب بيار الجميل السوريين، وجلب كميل شمعون الإسرائيليين وضيعوا البلد”.

قد يكون ما قاله العميد ريمون إده مدخلا لقراءة أزمة القوى المسيحية اللبنانية الحالية التي تعيش واقع الانفجار الديمغرافي السنّي، وتحاول تكريس دور خاص لها في لبنان والمنطقة بالدخول في حلف الأقليات، أو محاولة انتزاع قوانين انتخابية تفصل فيه القوى المسيحية تمثيلها النيابي بحثا عن نقاء تمثيلي مسيحي خالص، يعكس طرحه في هذه اللحظة واقع أزمة مفتوحة تستجيب لها جلّ القوى المسيحية بشكل يساهم في مراكمة الأخطاء بدل محاولة البحث عن حلول.




فقراءة تحولات القوى المسيحية تخضع لسلسلة من التداخلات بين الماضي والحاضر، وتشترك في تكوينها ظروف إقليمية ودولية، إضافة إلى الشأن المحلي وما أرساه من صراعات مسيحية مسيحية لم تجد سبيلها إلى الحل بعد.

الخصوصية المسيحية

تنسب الوصايات الخارجية التي وسمت تاريخ لبنان المعاصر إلى أخطاء ارتكبتها القيادات المسيحية التي عززت منذ سبعينات القرن العشرين وعيا طائفيا، ينطلق من فكرة الخصوصية المسيحية المنفصلة عن المحيط العربي، والمتصلة بالغرب والمطالبة دوما بالحماية، والرعاية، تحت عنوان التعرّض لخطر وجودي.

صار الخطر الوجودي سمة الممارسة السياسية المسيحية، وهو خطر يتشكّل من قطع الصلة مع ما كان الحضور المسيحي قد أسس له، في كامل المنطقة وليس في لبنان فقط، من أبوة مسيحية لفكرة العروبة، بكل ما فيها من بعد سياسي وثقافي جامع. هذه المسيحية العروبية بدأت بالتلاشي، وذابت تماما إبان الفترة التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية بسنوات قليلة، وتبلور غيابها كصيغة مؤسسة للممارسة السياسية المسيحية الجديدة التي تبنتها القوى المسيحية المشاركة في الحرب، والتي لازالت تتسيّد المشهد المسيحي حتى الآن.

فكرة العروبة كانت قادرة على إخراج المسيحيين من منطق الخطر الوجودي، ومن وعي الأقليات الذي نما وترعرع مع الخروج من العروبة إلى العنوان المسيحي. وهكذا تحول المسيحيون من قوة ذات طابع أكثري وشامل في جوهرها وعقلها وفكرها وهويتها إلى مكون أقلّوي يعيش أزمة وجودية.

كانت القوى المسيحية تنادي بالكيانية اللبنانية وكانت القوى الإسلامية تنادي بالعروبة والانسجام مع المحيط العربي والقومية العربية، ولكن وكما يرصد العديد من الباحثين فإن الأمور شهدت تحوّلا كبيرا إثر اغتيال رفيق الحريري، حيث نزل إلى ساحة الشهداء جمهور مليوني سنّي في غالبيته العظمى ينادي بطرد النظام السوري العربي من لبنان. هذا الجمهور رفع بعد ذلك شعار لبنان أولا، وهو شعار يحمل في بعده، وفي النزعة التي يعبّر عنها، كل الخطوط العريضة للفكر المسيحي السابق.

المفارقة أنه وفي اللحظة التي أعلن فيها المكون الإسلامي الأبرز في لبنان خروجه من دائرة العروبة في صيغتها البعثية، والعودة إلى الكيانية اللبنانية التي تتبنى هوية عربية، وترفض في الآن نفسه الوصاية العسكرية والأمنية وحتى السياسية العربية، نجد أن القوى المسيحية عمدت إلى التخلي عن هذا العنوان والركون إلى منطق الخصوصية المسيحية، والدخول في حلف الأقليات، ومحاولة تفكيك الشراكة مع المسلمين، وتكوين كانتون مسيحي مغلق أو وطن مسيحي صغير، تخلّى أصحابه عن الفكرة اللبنانية وعن العروبة، وركنوا إلى هوية ملتبسة لا تبدو آيلة للوضوح.

الحلف الشيعي المسيحي

إبّان فترة صعود نجم الإمام موسى الصدر تنادت النخب المارونية المؤثّرة إلى الترحيب به والتحالف معه تحت عنوان محاربة السنة. حيث يقول ميشال الأسمر وهو من مؤسسي الندوة اللبنانية إن “الشيعة والموارنة يشكّلون الجماعتين الرئيسيتين في لبنان، وإنه يجب بناء الجسور بينهما لخلق بديل أيديولوجي عن الفكر القومي العربي السني في لبنان”.

كان هذا الحلف لا يعنى في منطقه بإنتاج خطاب سياسي وفكري مغاير ومنافس للعروبة التي كانت ترتدي طابعا سنيا ولكن بمحاربتها والسعي إلى إقصائها. كانت فكرة إقصاء مكوّنين رئيسيين من مكونات الاجتماع اللبناني والهوية اللبنانية أي السنّة والعروبة منطق حروب أهلية، يخفي في داخله كذلك البذرة التي أسست لحلف الأقليات ولمنطقها القائم على فصل قضايا المكونات الأقلّوية عن قضايا الأكثرية، لا بل ومحاربتها.

هذا المنطق لم يكن منطقا عابرا، بل أثبت حاضر تجربة القوى المسيحية أنه يمثل الواقع المنهجي للممارسة السياسية المسيحية الآن. جلّ القوى المسيحية في لبنان وفي المنطقة وقفت في صف بشار الأسد الرئيس الأقلّوي في سوريا، الذي ينكّل بالسوريين الذين ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى الطائفة السنية. القوى السياسية المسيحية اللبنانية انقسمت من ناحية الموقف المعلن من مشاركة حزب الله اللبناني في القتال إلى جانب النظام السوري.

الجنرال عون وقف علانية إلى جانب حزب الله، بل راح يسبق قيادات الحزب في التبشير بقرب نهاية الحرب وانتصار الأسد، وشاعت أخبار لم يتم التأكد من صحتها حول تدريب الحزب لمقاتلين ينتمون إلى التيار الوطني الحر، بغية إرسالهم للمشاركة في القتال في سوريا. مثل هذه الأخبار بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، تعكس جوا ينطلق من واقعة التأييد المطلق لحزب الله وممارسته، الصادر عن القوة المسيحية التي تحرص على تقديم نفسها بكونها الأكثر تمثيلا للمسيحيين.

القوّات اللبنانية برئاسة الدكتور سمير جعجع اتخذت موقفا مغايرا من مشاركة حزب الله في الحرب السورية، ولكن واقعة ترشيح سعد الحريري لسليمان فرنجية المنافس المباشر للقوات اللبنانية دفع القوات إلى إسقاط مفاعيل رفض مشاركة حزب الله في القتال، وإمكانية وجود صوت مسيحي متمايز عن الأصوات المتحالفة مع النظام الأسدي. جاء الترشيح القواتي للجنرال عون بمثابة نسف للتمايز القواتي في هذا الصدد، وأنتج صورة تضع القوات في الموقع نفسه الذي يضع الجنرال نفسه فيه. النقاط العشر التي وافق عليها عون لفظيا والتي يتخذها القوّاتيون حجة لتبرير ترشيحه، تنطوي على أفكار فريق 14 آذار، ولكن لا يمكن تنفيذها طالما بقي الجنرال مرشح حزب الله.

النقطة الخامسة من هذه النقاط تدعو إلى “دعم الجيش معنويا وماديا وتمكينه وسائر القوى الأمنية الشرعية من التعامل مع الحالات الأمنية كافة، بهدف بسط سلطة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية”.

النقطة السادسة تؤكد على “ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان، ويحترم القانون الدولي وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول لا سيما العربية منها، بما يحصّن الوضع الداخلي اللبناني سياسيا وأمنيا ويساعد على استقرار الأوضاع”.

مسار الأمور بعد ترشيح الجنرال عون يبرز كيف عمل وزير الخارجية جبران باسيل على تدمير علاقة لبنان بالدول العربية، عبر رفض التصويت على إدانة الهجوم على السفارة السعودية في اجتماع وزراء الخارجية العرب ثم التحفظ على توصيف حزب الله بالحزب الإرهابي في اجتماع الجامعة العربية. تسببت مواقف الوزير العوني بنسف ما جاء في النقطتين، فقد بلغت علاقة لبنان بالدول الخليجية درجة من السوء تنذر بالقطيعة.

رفضت الكتائب اللبنانية الانخراط في لعبة ترشيح فرنجية وعون، انطلاقا من منطق يقوم على رفض ترشيح شخص ينتمي إلى فريق الثامن من آذار، ولكن الكتائب أيدت القرار القاضي بعدم توصيف حزب الله كحزب إرهابي، وهي النقطة الأكثر حساسية في ما يتعلق بعلاقة لبنان مع محيطه العربي. وهكذا يمكن أن نقول إن جلّ القوى المسيحية في لبنان تتبنى النزوع الأقلّوي الذي يتحالف مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة مع النزوع العسكري الشيعي الذي يمثله حزب الله صاحب المشروع الإيراني الأسدي في لبنان المعادي للعرب والعروبة، والداخل في مواجهة مفتوحة مع المكون السنّي الأكثري في لبنان وفي عموم المنطقة.

الانفجار الديموغرافي السني

لم يشكل الانفجار الديموغرافي الإسلامي مشكلة في ظل الإصرار على الحفاظ على صيغة العيش المشترك التي نظّمها وحدّدها اتفاق الطائف، والتي تؤكد على المناصفة في المناصب وفي التمثيل البرلماني بين المسلمين والمسيحيين. بدأ الانفجار الديموغرافي يشكل أزمة وجودية للقوى المسيحية في ظل اشتعال العصبيات الطائفية بشكل عام في المنطقة، واتخاذ الحرب الدائرة في أكثر من مكان شكل الحرب السنية الشيعية. كثرت في ظل هذه الأجواء الخطابات التي تتحدث عن نهاية الوجود المسيحي في لبنان، ونهاية صيغة المناصفة، واعتبار رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان آخر رئيس جمهورية مسيحي في لبنان. تسلّل رعب النهايات إلى الوعي المسيحي، وصبغ ممارسات القوى السياسية بطابع التقوقع والعودة إلى الخطوط الضيقة لفكرة الخصوصية المسيحية.

نموّ العصبيات الطائفية كرس واقعا مأزوما يعود فيه كل مكون طائفي إلى أحضان طائفته فضاقت السياسة وانعدمت، وصارت مقتصرة على إدارة الشؤون الداخلية للطوائف التي تحاول التزوّد بأسباب المنعة والقوة في مواجهة الطوائف الأخرى. وتأسيسا على هذا المنطق باتت كل المكوّنات التي تتشارك الانتماء الطائفي نفسه، تمثّل في نظر الطوائف الأخرى والقوى السياسية مشروعا موحدا، وصارت التمايزات بين المكونات السياسية التي يوحّدها الانتماء إلى حضن طائفي مشترك غير قادرة على صناعة خطاب يتجاوز حدود ما تتيحه طائفتها حتى ولو شاءت ذلك. هكذا بات الفلسطينيون المقيمون في لبنان والذين يتجاوز عددهم النصف مليون فلسطيني، والسوريون الهاربون من جحيم براميل الأسد المتفجرة، والذين فاق عددهم المليون والنصف مليون لاجئ، يمثلون سياقات تؤكد غلبة الديموغرافيا السنية التي ترتدي في نظر القوى المسيحية عموما شكل تهديد وجودي، لا فرق فيه بين الوجود السني المعتدل والمتطرف.

التهديد يبقى على حاله سواء كان الانفجار الديموغرافي السنّي يرتدي طابعا معتدلا، أو كان متطرفا يتبنى منطق داعش والنصرة. في الحالة الأولى فإن الخطر يتمثل في نسف البنى القائمة تحت عنوان حقوق الأكثريات التي باتت أكثريات ساحقة مع توحيد البنى الطائفية للسنّة، وفي الحالة الثانية فإن الخطر يتمثل في ما تتبناه الجماعات السنّية المتطرفة من تخيير للمسيحيين بين الجزية، أو الإسلام، أو الذبح وهي خيارات أحلاها مر.

ردة فعل القوى المسيحية اللبنانية بشكل عام على واقع الانفجار الديموغرافي كانت بمحاولة انتزاع قوانين انتخابية من قبيل القانون الأرثوذوكسي، ينتخب فيها المسيحيون أنفسهم ونوابهم بشكل حصري، بشكل يستبعد تأثير وحضور الصوت المسلم عامة والسنّي خاصة في الإتيان بالنواب المسيحيين.

يسجل كذلك صعود موجة الحديث عن المظلومية المسيحية في الوظائف العامة وفي المراكز الإدارية، وخروج أصوات مسيحية تنفي صفة العروبة عن المسيحيين، وغير ذلك من ردود الأفعال القاصرة عن اللحاق بعمق الأزمة أو تداركها.

ما يبدو غير مفهوم ولا يوجد حتى هذه اللحظة إجابة واضحة عليه هو السؤال حول الأسباب التي دفعت بالقوى المسيحية اللبنانية إلى الركون إلى الحضن الأقلّوي، وتفضيله عن المحيط العربي الواسع، ما جعلهم مدرجين في سياق الانتقام السنّي من الأقليات الذي يشكل دون شك روح المرحلة القادمة بغض النظر عن أيّ تسويات سياسية؟ لا نفهم لماذا يحمّل القسم الأكبر من القوى المسيحية اللبنانية نفسه وزر المشاركة، ولو المعنوية، في إهراق الدم السوري، ولماذا تتبع القوى المسيحية حزب الله في انغماسه الانتحاري في دم شعوب المنطقة؟
شادي علاء الدين – العرب