//Put this in the section

سعد الحريري.. البحث عن تسوية منخفضة تحت سقف مرتفع – محمد قواص – العرب

أيا تكن ردود الفعل التي تداعت عن خطاب الرئيس سعد الحريري، فإن الحدث في وقعه وصداه ينتمي إلى فريق 14 آذار عامة، وإلى البيت المستقبلي في شرفتيْه، الحزبية أو تلك التي تظللها الحريرية بشكل عام. لم يحرك الخطاب لدى الخصوم جديدا، ذلك أنهم لم يتفاجأوا من تأكيد الرجل على ثوابت تعادي خيارات دمشق الأسد وطهران خامنئي في لبنان، وبالتالي فإن ردودهم لن تحمل أيضا أي لافت من حيث دفاعهم المستميت عن مزاج العاصمتين “الممانعتين”، لا سيما في عزّ المعركة السورية الراهنة.

يطلّ سعد الحريري مخاطبا بالدرجة الأولى “ربعه” لتسويق رؤاه لإنقاذ الجمهورية وموقع الرئاسة فيها، بغية تمرير ما كان مستحيلا في خياره الزغرتاوي، تحت عنوان المصلحة الوطنية العامة، وليس مصلحة بيته السياسي بالمعنى الحزبي الضيّق. والحقّ يقال إن الرجل أثبت أنه الزعيم الأول والأخير لتيار المستقبل، بحيث يظهر بطلا للرواية والعرض، فيما يتراجع الطامحون إلى أدوار ثانوية خلفية. وفي ترجّل الحريري إلى المسرح اللبناني يأخذ الجميع علما بما يمثّله حضور الرجل في أفقه المحلي، كما في آفاقه الإقليمية والدولية.




في التفاصيل الرمزية لمشاهد مهرجان البيال مناسبة لإعادة رسم الحلف الآذاري الذي تشكّل على عجل تخصّبه انفعالية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. جرت مراقبة الطقوس التي سبقت الخطاب، وتلك التي تلته، أكثر من تفحّص مضمون الخطاب نفسه. بدا مشهد المصافحات وإيقاع الحفاوة ومظاهر البرودة وتبادل القبلات، مؤشراً على المزاج الهابط على قوى 14 آذار، كما على مستقبل ديمومة ذلك التحالف الذي بات متعدد الأغراض متباين المصالح.

في الشفافية أن يظهر جليا ذلك التباين بين شخص الحريري وشخص سمير جعجع. وما بين اللقاء والمصافحة والخطاب والنهاية، مرر العرضُ حبكة درامية لا تشي، رغم صعوبة بعض مشاهدها، إلا بعتاب بين أحبة، لا بإرهاصات انفصال.

ولئن اعتبر الخبثاء أن ما بعد نهاية العرض، أظهر تعمدا من قبل الحريري على تثبيت أولويات تحالفه داخل الصفّ المسيحي ضمن الصورة التذكارية لـ”14 شباط 2016”، فإن “المستقبل” و”القوات” حرصا على التعبير عن ودّ رسمي يواكب “الحرد” غير الرسمي الذي أفرجت عنه وسائل التواصل الاجتماعي، ذلك أن ستريدا جعجع زوجة “الحكيم” لم تر في “لطشات” الحريري إلا تعبيرا عن “ستايل” وليس أكثر من ذلك. وفق ذلك “الستايل” نزل الحريري في معراب مُسكتا بسحر دوامة الثرثرة حول أزمة بينه وبين “الحكيم”.

ألقى الحريري الكرة داخل بيته الصغير (المستقبل) وبيته الكبير (14 آذار). اختراق الرابية وزغرتا لصفوف التحالف السيادي ترك أضرارا تهددُ بتصدّع الحلف الذي دفع غاليا ضريبة الدم دفاعا عن خيارات شكّلت انقلابا في البيولوجيا السياسية – الثقافية للكيان اللبناني. وربما كلمة تصدّع لا تعبّر جديا عن جسامة المعضلة، ذلك أنه حين ترشّح القوى الرئيسية في التحالف صقرين من صقور 8 آذار من التحالف المضاد، تُطرح أسئلة وجودية حول لزومية 14 آذار ومبررات استمراره.

يدركُ سعد الحريري جدية الارتباك الذي سببه غيابه وسهولة المعالجات التي يوفّرها حضوره. بدا عناقه للوزير أشرف ريفي قلبا سريعا لصفحة فتحتها رياح طارئة، فيما بدت دعوته إلى انعقاد ورشة مراجعة داخل الحلف الكبير اعترافا بأن صيغ التآلف الانفعالي لم تعد مجدية في موسم إخراج الدفاتر وجدل المحاصصة داخل النظام السياسي اللبناني الراهن والمستجد وفق غبار المعركة السورية، كما أن التوتر الذي أفرج عنه القواتيون تعقيبا على خطاب الحريري عكس تصدعا داخل الحلف الآذاري وانخفاض مناعته، بحيث يبدو سهلا انقلاب الحلفاء إلى خصوم.

لا بد أن المراقبين قد رصدوا همّة عالية أفرج عنها خطاب الحريري مرتفع النبرة وعالي السقف. تكشف الكلمات عن صلابة في الموقف لا تحتمل اجتهادات في كل ما له علاقة بثوابت تعظيم دور الدولة وتقزيم الظواهر الميليشياوية. وتكرر السطور موقفا حازما ضد نظام دمشق، كما ضد محاولات فرض وصاية إيرانية بديلة على لبنان. يرفع الحريري لواء العروبة عنوانا عريضا في تفسير موقف عائلته السياسية من تحوّلات المنطقة، سواء في انتقاد أداء إيران وأتباعها في ما عبثت به داخل العراق وسوريا ولبنان واليمن، أو في الدفاع عن موقف المملكة العربية السعودية التي قابلها الموقف الدبلوماسي اللبناني الرسمي بانتهازية صبيانية.

من داخل براكين المنطقة يتقدم سعد الحريري بخطاب ليست فيه حيادية أو رمادية. يلقي الرجل كلماته في قلب بيروت بحضور سفير العاهل السعودي، بما يضفي إشارة إضافية على موقع الرجل الإقليمي. ينشر الحريري مواقفه متواكبة مع “رعد الشمال” الذي يشغل القوى الدولية قبل الإقليمية، ومتزامنة مع انتقال الطائرات السعودية (والخليجية) نحو أنجرليك التركية من ضمن الاستعدادات المعلنة للتدخل البري في سوريا، ويأتي توقيتها وسط لهفة عبّر عنها الكرملين بإعلانه زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز لموسكو، مقابل نفي يشبه التحفّظ صدر عن الرياض، على ما يرجح أن تعبيرات الحريري المحلية تأتي متّسقة مع ورشة كبرى تعيد رسم توازن المنطقة برمتها.

قد تمثّل عودة الرجل مناسبة لإعادة الحيوية للحراك السياسي الداخلي، حتى بالنسبة لحزب الله وحلفائه. وربما في تجاهل السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير لحدث العودة تأملٌ له استعدادا لإعادة التموضع تجاهه. وفي تقديم سعد الحريري لأوسع أشكال المرونة في عدم ممانعته وصول أي مرشح لبعبدا طالما هو ملتزم بدستور الطائف وقواعد العيش المشترك، يفتح الرجل إمكانات الوصل مع كافة الشركاء في الوطن (لا سيما حزب الله) للبننة الاستحقاق الرئاسي وتوطينه محليا، على الرغم من الهوة التي تفصل بينهم في امتداداتهم الإقليمية. وإذا ما أكد الحريري أن مداولاته مع الوزير سليمان فرنجية هي تماما تلك التي أفصح عنها الأخير تلفزيونيا، فذلك يعني أن الحريري يعتبر، كما فرنجية، موضوع سلاح حزب الله إقليمي المآل، لا طائل من مقاربته محليا، وأن العلاقة مع الحزب تحكمها شروط علاقة إيران مع العالم العربي عامة، ومع السعودية ودول الخليج خاصة.

بيد أن الحدث الحريري الراهن يستمد أهميته ومعاني مظاهره من مسألة العودة النهائية للرجل إلى لبنان. تحدد أمر ذلك بجدية مسارات الرجل وتيار المستقبل وتحالف 14 آذار. وإذا ما كان الحلفاء وأهل البيت قد تفهّموا الغياب السابق، فإن هامش التسامح في ذلك بدا أنه يتقلّص، ما يجعل من مسألة العودة واحتمالات المنفى محددات باتت تنال من المستقبل السياسي للرجل زعيما للمدرسة التي بناها والده. وإذا ما كان الانطباع الحالي يوحي بأن إقامة الحريري طويلة، فيبدو أن ذلك غير كاف في نظر جمهوره الذي تعب من هجرة زعيمه وإقاماته العرضية بينه.

في خطاب سعد الحريري الأخير مناداة لذكرى الوالد الراحل. لم يبدأ عهد سعد الحريري بعد، فما الرجل إلا امتداد لأبيه وما قراره الوطني إلا مستوحى من تراث والده. في كل لحظة يتساءل الابن ماذا كان سيفعل الأب لو كان مكانه. في كلمات خطابه الأخيرة يتسرّب كم أن الرجل زاهدٌ في الزعامة التي هبطت عليه في ليل أسود، وكم أن حضوره هو ضريبة دم تخليدا لطموحات أب آمن، واغتيل بسبب ذلك الإيمان، بأن يجعل من بلده منارة منيعة مستقلة.

يوما ما سيطوي الابن صفحة أبيه ويبدأ بكتابة كتابه الخاص. عندها يبدأ عهده..