الذمّية تصنع المرشحين لا الرؤساء

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

واضح أن التوافق على تحديد اسم رئيس للبنان، ما عاد أولوية سوى في محيطَي الرابية وبنشعي، وربما أصحاب المبادرات أيضاً، رغم أن المشهد في غير مكان تماماً، والجميع يعلم أن مَن يُمسك بيده مفتاح إنجاز الإستحقاق الرئاسي، لا يسعى الى انتخابات رئاسية، ولا الى ترتيب أولويات الجمهورية، وخاصة في المرحلة الراهنة، هذا إن سلّمنا جدلاً أنه أرادها يوماً، او يطلبها أساساً، المشكلة، في قدرة البعض على الإستيعاب، أن حزب الله الذي أسس جمهورية الميليشيا، وبناها على أنقاض جمهورية الأنقاض اللبنانية، هو المستفيد الوحيد من جمهورية الفراغ الفاشلة، المتفككة، ملاذ نفوذه، إن كان في السياسة، ام وفق فائض سلاحه وقوته، وأنه إن يسعى، إنما يسعى الى تعيين موظف في بعبدا، او بتعبير أدق، سفير لطهران في القصر الجمهوري.




القدرة على التعطيل، توازيها أوامر العمليات وفق التوازنات الإقليمية ومصالح إيران، مصنع التطرّف والإرهاب، آلة الحروب والدمار، والجرائم ضد الإنسانية، المضخة الأساسية لتراكم أزمات وصراعات المنطقة، والتي يُقارب من خلالها حزب الله معايير صناعة الحدث في الداخل اللبناني.. واللافت حقيقة، أن المفارقة الأساس بين السيناريوهات المطروحة، باتت مجرّد وجهة نظر بين جماهير أيديولوجية، وخصوم، وأضعف الإيمان أن حلّها ما عاد بالأمر الصعب، أياً يكن الإختلاف، وصولاً للنأي به عن أي خلاف، رغم أن الجميع يعلم، أن الثوابت لا يُمكن أن تتحوّل وجهة نظر، وأن هامش التزام أي فريق من أدوات محور الممانعة، بأي اتفاق مُمكن، لا يُمكن أن يتخطى عتبة التوقيع عليه، وأنه سوف ينقضه حكماً عند أول لحظة انصياع حتمية.

وفق منطق أمينه العام، حزب الله مظلوم في ما يُتَّهَم، لابل أكثر من الظلم والبراءة، وحده مَن يسعى الى إنقاذ الجمهورية، وبلورة أي حلول مُمكنة، أبدع في الإبتكار، إنما في الأسلوب، فما تجاوز الحكواتي في لياليه الرمضانية، إن صدّقته فهذا خيارك، وإن لم تُصَدّقه، فالمتعة في الرواية، وأنت تعلم أن لا حقيقة في أي من تفاصيلها، ولا أي واقع، ووفق المنطق نفسه، أعلنها جهارة، وكيل المرشد الإيراني في لبنان، أن لا دولة خارج دويلته، ولا سلطة دون إشارة إصبعه، ولا رئيس اذا لم توافق على وصوله طهران، وإن حاول التعديل في المشهد والملامح، عن احتلال يطال الكيان في أدق وأخطر مفاصله، ويتباهى بملامحه، في المقابل.. هناك خلطة موارنة استرئاس، يدورون في فلك الإرتزاق ما بين دمشق وطهران، فيما يُهَللون على عتبة الضاحية، وفي الطريق الى بعبدا، تأسيس لمرحلة طويلة، خارج زمن الكرامات، في عمق الإنبطاح والزحف والذمية، إنهيار الجمهورية، والتسليم بالخضوع الكامل.

الخطر في المشهد اللبناني إن كان على امتداد المساحة السياسية المعطلة، ام في ما يتعلّق بالإستحقاق الرئاسي وحده، أن المرحلة لا تحتمل انقلابات، لا في الداخل، ولا عليه، وأن أي شرارة يُمكن أن تُشعله بالكامل.. وما في الأجواء يحمل أكثر من شرارة، لابل أكثر من نار مستعرة، يُمكن أن تتعرى في أي لحظة من رمادها، وألا تترك لا أخضر ولا يابس في ما تبقى من بلد، وهذا تحديداً ما يسعى إليه الفريق الفارسي، وإن كان يُخَيَّل للبعض أن الإرباك أقرب الى الإستقرار، منه الى أي مواجهة مُمكنة او حتمية، وأن كلام الحكماء على لسان مظلوم، يُمكن أن يُشَكّل ضمانة أمن المرحلة، فالمقاربة ما بين المصطلحات والواقع، غير دقيقة، ولا تحمل في طياتها أي طمأنة، والحقيقة، أن لا رئيس للبنان طالما الجمهورية جمهورية حزب الله، ولا صوت يُمكن أن يعلو فوق صوت معركة حياة او موت، يخوضها على مشارف مفترق، هو أخطر ما واجهه منذ تأسيسه، فزيارات الرئيس روحاني الى الغرب، وما حملت معها من سيناريوهات انخراط مستقبلي في المجتمع الدولي، وصفقات بعد طول عقوبات، واستراتيجية سلام يُمكن البناء عليها، لا يُمكن أن تُقَدّم لفصيل مُسَلَّح، أي إشارات انتصار، وإن مؤقتاً وفي المدى المنظور، هذا لا يعني أن طهران سوف تتخلى عن ذراعها العسكرية، ولا عن ورقة ضغط يُمكن استخدامها غب الطلب في أي مكان او زمان مطلوبَين، إنما يبدو أنها ترسم لأفق أقل تكلفة، وأكثر استثماراً على طاولة الكبار، وهذا ما يُقلق فعلاً الميليشيا الشريكة في حكم لبنان، او بالأحرى الحاكمة للبنان، اذا ما تقلّص نفوذ سلاحها، خاصة في الداخل، فأي دور يُمكن أن يكون لحزب الله، اذا ما سقط دور 7أيار في إنتاج السلطة، وكيف له أن يخوض في السلطة خارج فائض قوته، ومع أفرقاء ما عادوا يهابون مسدسه على أي طاولة حوار.

في المحصلة، وحتى الرمق الأخير، لايزال حزب الله متمسكاً بإقصاء الدولة عن أي استحقاق ناجع، يُمكن أن يُعيد إليها صيغة إنتاج السلطة بعيداً عن سطوته وسيطرته، أياً يكن الثمن، معركة بقاء بكلفة باهظة جداً.. قد تصل الى حرب إلغاء الجمهورية.