إغضَب.. حقك أن تَغضَب

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

تتباين حالات الغضب بين اللبنانيين، ولا يُمكن أن تُنتِج ثورة بعد تراكم الخيبات منذ ثاروا فعلياً وللمرّة الأولى في مواطنيتهم الحقيقية، رد فعل أكثري، لا يُلامون عليه بعد أن ذهبت تضحياتهم أدراج الرياح في أكثر من محطة واستحقاق، نعم، فمنذ 14آذار 2005، والمسيرة الإنحدارية الى تنامي، وما توقفت حتى اللحظة، وهي لحظة تاريخية مصيرية، يتلاعب بها بعض قادة تلك المرحلة المجيدة وكأنها حق لهم وحدهم، بصك ملكية حصرية، منوطة بقراراتهم وحدهم ودون أي استئذان، اوعودة الى شعب لولاه، لما كانت ولا كان انتصار واستقلال، إنما، وبما أن الحال باتت أخطر من أي مرحلة، او أي زمن مضى، لابد من إسقاط أي حاجز يمنع العبور الى ثورة جديدة ضد كل ارتباط او حوار او علاقة، مع آلة قتل، لازالت تصادر قرار البلد مقابل استقراره وسلمه الأهلي، وتحكم بعنجهيتها واستكبارها وتهويلها، وفائض الأمر الواقع، وقوة السلاح الغير شرعي، لابد من ثورة ضد احتكار حلم ناس كسروا مستحيل امتد لعقود، حتى الحرية، إغضب، حقك أن تغضب من كل مَن تسوّل له نفسه سرقة ثوابت دفعتها بالدم، أن تغضب عليه، حين يتنازل عن حقك أنت، عن نضالك وعرقك ومعاناتك، فأنت مَن دخل المعتقل وليس هو، أنت مَن كان في الشارع وليس هو، أنت مَن اغتيل في بعض قادة، لو كانوا اليوم لانقلبت معادلات كثيرة، حقك أن تغضب من حواراتهم، تخاذلهم، خنوعهم، خضوعهم، إنهيارهم وما أنتجوا من حال استسلام ونذالة كادت تودي بالبلد الى ما لا يُمكن الإمساك برسنه، من فساد، كاد حراك يتحرك على وقع أوامر حزب الله وأدواته، أن يُطيح بالدولة الهشة في لحظات أقل ما يُقال فيها أنها الأخطر منذ الإحتلال، ويدّعي أنه المُخَلّص، وتُصَدّقَه الناس وتؤازره وتدعمه وتمشي في ركابه، وما كان توقف، لولا المغالاة والتطرّف في الحقد، وظروف إقليمية وداخلية، دفعت بمَن اختلقه أن يكف يد الأثم عما ترتكب، حقك أن تغضب، لأنك الشعب الذي التقى على لبنانه بعد عمر من الغربة عن لبنانيته، ولأن مَن يتحكّم بقرارك اليوم، ما عاد يعرف من لبنان، سوى لقاء مصالح وتقاسم مناصب، إغضب، حقك أن تغضب، لأن بعضك يتوارث الجوع والآلام والمآسي، وبعضهم يُضيف الى فَبركة الأزمات، سيناريوهات تُطيل أمدها ليتوارث سلطته ومصارفه، حقك أن تغضب، لأن ما يحصل هو واقع أنتج بالتراخي ديمومة الأمر الواقع، وسمح بمربعات السلب والنهب واحتكار أمن الوطن والمواطن، ولمجموعات زعران، أن تفرض سطوتها على الآمنين الأوادم، إغضب، فحقك أن تغضب، لأن السكوت والتغاضي عن قضم ما حققته إنجازات ثورتك، لابل بيع ما حققته دفعة واحدة، في سوق المفرّق، وبأبخس ثمن، وبادعاء مصلحة البلد وأنه لا يحتمل هزّات جُماع مُرتقبة، كان ضربة قاضية ما أصابك بها خصم ولا عدو، إنما ذلك الذي ائتمنته على مصيرك وأرضك وعرضك، على بيتك ومستقبل أطفالك، وخان الأمانة.




إغضب، حقك أن تغضب، فأسوأ ما كنت تتوقعه أن يحصل من جديد، عاد وحصل، وعدت رهينة أخطاء تُرتَكَب بالجملة، عن قصد او عن غير قصد، عدت تحتضن الإحتلال، وكأنه ضرورة حتمية لمعادلة حياة او موت، وهذه المرّة مع أنظمة أمنية مشتركة بكامل عدتها وعتادها وأجهزتها، وليس مع نظام أمني واحد مشترك، عدت الى العتمة على وقع تسويات من هنا، ومساومات وصفقات من هناك، وعاد لبنانك ساحة عراك وحراك بإسم الحرص على مصلحته، إغضب، فكل ما ارتكبته وتدفع ثمنه اليوم، أنك وضعت ثقة في غير مكانها، وأنك أغفلت عن التمسّك بحقك في التغيير منذ اللحظة التي تمّت لك فيها معاييره وإمكانياته، إغضب يا هذا، إغضب، حقك أن تغضب، فأنت تكاد تفتقد أقل مقوّمات العيش الكريم، وأنت راضٍ، فقط، حتى لا تفقد كرامة وطن وشعب، وبعض ممّا تبقى من هيبة المؤسسات الشرعية، الضمانة الأخيرة للجمهورية.. ويأتيك مَن لا يأبه لا بكرامة ولا بهيبة ولا بشرعية ولا بشعب، ليقول بملء فمه المَوتور، ولسانه المتحاذق المُدَّعي: ”الأمر لي“، ويُساوي بينك وبين قاتلك، وفي لحظة غير محسوبة إلا من خلال أجندته، يبدأ بإعلان مراسم النهاية، أرعن متهوّر، بمشروع، ما عادت تتساوى تفاصيله مع مشروع دولة، ولا وطن، سقط من تاريخ الى تاريخ، ويحاول، عليه وعلى أعدائه، إغضب، حقك أن تغضب، فالأبله الذي يتولى شؤونك في السياسة، ينتحرك معه.

إغضب، حقك أن تغضب.. وحدك أنت الثورة

على مشارف العام الحادي عشر من ثورة الشرف، هناك مَن أتى يقول لك أنك انتهيت، وأنك في السياسة، ما عدت تساوي سوى إفلاسه وفشله، ولابد من الإستقالة، فالتحوّلات أكبر من أن تحتملها او تواكبها، يراها كارثية دون حلول، وجودك كعدمه، ومبادئك، وثوابتك، ومواقفك وكل ما آمنت به، ما عاد موجوداً، وما عليك سوى فتح ذراعيك، لاستقبال سلام لا يساوي سوى الهزيمة.. إغضب جداً وبقوّة فحقك أن تغضب، لأن هذا الذي يمثل أمامك، ويُمَثّلك، ويُمَثّل عليك، في العقل والذكاء والفهم والرؤية، أعمى منذ الولادة، هو مَن أنتج الفوضى وثورنها زوراً وظلماً، بشعارات وأفكار أقل ما يُقال فيها، أنها لا تمت الى الواقع الواقع بأي صلة، ولا الى الحقيقة الحقيقة بدليل واحد على صدقه، إغضب ولا ترتوي غضباً، فأنت أمام حل من إثنين، لا ثالث لهما، إما أن تكون طوع استسلامه، فتنسحب وتُبيح البلد للمجهول أياً تكن التداعيات، وإما، أن تعود الى عبق الحرية ونسائم الحلم تستنشق بخور صلاتها، ورائحة تراب، تحته من الأصدقاء والرفاق، أكثر من الأشباه الذين لازالوا يدوسونه بكثير.

إغضب، حقك أن تغضب، فالأزلام من حولك يطبقون على أنفاسك والوطن.. ووحدك أنت الثورة، إغضب، فدون غضبك، سوف يكون لكُلٍ منا خيمة في بلاد الله، او في بلاد ما عادت لنا، تأوي أجسادنا، وتنتهك كل جزء من كرامتنا.. إغضــــــــــب.