ماذا تنتظر الحكومة؟ – شارل جبور – الجمهورية

charles-jabbour

لا دولة من دون قرار، ولا سلطة من دون قرار، ولا حكومة من دون قرار، ولا هيبة من دون قرار… وإذا كان مفهوماً التردّد في اتّخاذ أيّ قرار وتنفيذه في غياب التوافق السياسي، فإنّ هذا التردّد غير مبرّر في ظلّ التوافق السياسي القائم.




مقاربة ملف النفايات، الذي قيل فيه إنّ الخطة ستَسلك مسارَها التنفيذي خلال ساعات، دلّ إلى قصور سياسيّ كبير، وضعفٍ غير مبرّر للحكومة، خصوصاً أنّ الملف بصيغتِه الأخيرة متوافَق عليه من كلّ مكوّناتها، وبالتالي المماطلة والتأخير والتسويف ساهمت إلى حدّ كبير في زعزعة ثقة الناس بالحكومة والقوى السياسية المكوّنة لها، الأمر الذي يفسّر ويبرّر انتفاضة الناس على الواقع القائم.

وقد يكون حسَناً فعَل الوزير أكرم شهيّب من خلال توفيره أوسعَ حاضنة شعبية وسياسية وبيئية لتطبيق خطة النفايات، ولكن كلّ ما قام به يصبح من دون قيمة في حال الاستمرار على هذا المنوال من المشاورات التي لا أفقَ لها، لأنّ «كلّ شيء لو زاد عن حدّه نقص»، ومخطئ من يعتقد أنّ بإمكانه الوصول إلى الإجماع في هذا الملف، فضلاً عن أنّ الناس «شبعت حكي واجتماعات»، وتنتظر أفعالاً للانتهاء من النفايات قبل أن تتفشّى الأمراض على أبواب الشتاء.

ولا شيء يبرّر هذا التأجيل المتكرّر للساعة الصفر، خصوصاً أنّ معظم القوى الحزبية-الطائفية الأساسية المعنية أعلنَت عن موافقتها، وبالتالي هي ملزَمة توفير الغطاء السياسي-الشعبي للسلطة من أجل تنفيذ الخطة، وخلاف ذلك يعني أنّ ما تقوله في العلن لا يعكس حقيقة موقفها، مع استبعاد فكرة أنّها لم تعُد تسيطر على شارعها.

وإذا كانت الحكومة تنتظر الضوء الأخضر من ما يسمّى بالحراك المدني فهي مخطئة، لأنّ هذا الحراك لا يستطيع أن يمنحها صكّ براءة، ولكنّه بالمقابل ينتظر ضمناً اللحظة التي ستنفّذ فيها الخطة، لأنّ ملف النفايات استُنزف، ومن مصلحة الحراك قبل غيره الانتهاء من هذه القضية للانتقال إلى قضية أخرى.

فالمصلحة العليا للبلد تقرّرها السلطة السياسية المنتخَبة التي تمثِّل معظم الشعب اللبناني، وإذا كان من حقّ أيّ مكوّن الاعتراض والتظاهر والتعبير عن رأيه من أجل الضغط على السلطة لتحسين شروط هذا الملف أو ذاك، فإنّ السلطة مدعوّة لأن تكون سلطة فعلية وتتحمّل مسؤوليتها، وإلّا ما عليها سوى أن تعلن عن فشلها وعجزها وتترك البلد مشرّعاً أمام الفراغ واللامسؤولية بانتظار اللحظة التي يصار فيها إلى انتخاب رئيس جديد يمهّد الطريق أمام تأليف حكومة جديدة.

وقد قدّمت الحكومة في ملف النفايات نموذجاً سيئاً من الارتباك والضياع، قدّمَ هدية مجانية مزدوجة لـ»حزب الله»: إستخدام الحراك بالشكل الذي يُصار فيه الى استغلال نقطة ضعف الحكومة وصولاً إلى إسقاطها في الشارع في الوقت المناسب بغية إدخال البلد في فوضى منظّمة تقود إلى تسوية في الخارج تعيد إنتاج السلطة بالشكل الذي يتلاءَم مع تطلّعات الحزب في الإمساك بمفاصل هذه السلطة.

والهدية الثانية ما هي سوى ذريعة إضافية للحزب الذي سيتّكئ على هذا العجز لتبرير الاحتفاظ بسلاحه، فهذا النوع من الحكومات العاجزة عن حلّ أزمة النفايات غير مؤهّلة لمقاربة المسائل المتّصلة بالسلاح وسيادة لبنان.

ومن هنا أثبَت هذا النوع من الحكومات أنّه كارثة على لبنان، كونه يحوّل اهتمامات اللبنانيين إلى بدائية بدلاً من أن تكون سياسية-سيادية، وبمعزل عمّا إذا كان العجز الذي أوصَل إلى هذا الواقع المزري من طبيعة ذاتية أم موضوعية، إلّا أنّ النتيجة هي نفسها، وهي أنّ أحداً في لبنان لم يعُد يضع نزعَ سلاح «حزب الله» كأولوية، بل الأسوأ أنّ انعدام الثقة بالسلطة أصبح حالة عامّة، وفي هذه المناخات يستحيل مقاربة المسائل الوطنية.

ولا يفترض التذكير بأنّ تفقير الناس يشكّل بحدّ ذاته استراتيجية في الدول الديكتاتورية لحصر اهتماماتها بالشؤون الحياتية دون الوطنية، الأمر الذي بات يَستدعي تأليف حكومات تعمل على مواجهة التحدّيات الحياتية وتضَع أولويات اجتماعية من أجل ترييح الناس وجعلِهم قادرين على التفرّغ للشأن الوطني، وبالتالي من الخطأ الفادح الاستمرار بنظرية أولوية السلاح والباقي تفاصيل.

فللسِلاح أولويته دون شكّ، والتذكير باستمرار بخطورته واجب وطني، ولكن لم يعُد جائزاً تجميد البلد بانتظار حلول لن تأتي، وإذا أتت يكون أمراً حسناً، إنّما حان الوقت لتهبّ ورشة إصلاحية من أبرز أهدافها ترميم ثقة المواطن بالدولة، لأنّ زعزعة هذه الثقة تخدم أهداف القوى التي لا تريد بناءَ الدولة في لبنان.

واستعادة الثقة تكون من خلال إشعار الناس بوجود دولة تحرَص على مصالحهم وكرامتهم، وتعاملهم بمساواة بعيداً عن سياسة الصيف والشتاء تحت سقف واحد، وأن تشكّل لهم مرجعية، فيما هي اليوم أيّ شيء إلّا تلك المرجعية المطلوبة.

ولعلّ الجانب الذي لم يأخذ حقّه من النقاش ويشكّل خطورة كبرى، هو أنّ صورة 14 آذار تضرّرَت كثيراً في الأسابيع والأشهر الأخيرة، وإذا لم تتحرّك لإزالة هذا الضرر، وإعادة تجديد نفسِها ونفضِ الغبار عن صورتها، فستتحوّل بالنسبة للرأي العام إلى فريق غير مؤهّل لقيادة المواجهة الوطنية-السيادية، ويكون بذلك العقل الذي يقف خلف الحراك قد حقّق أهدافه بضرب الفريق الذي قاد المواجهة مع «حزب الله» منذ العام 2005، أي إنّه حقّق ما عجزَ الحزب عن تحقيقه بعد أكثر من عشر سنوات من المواجهة السياسية.

وفي المحصّلة يكون «حزب الله» نجَح في ضرب عصفورين بحجر واحد: تعرية السلطة التي عجزت عن مقاربة القضايا الحياتية للناس، ما يجعلها غيرَ مؤهلة حكماً لمهمّة أخرى، ونزع الثقة الشعبية من حركة 14 آذار، الأمر الذي يفقِد مواجهتَها الفعالية المطلوبة.

وتبعاً لما تقدّم، فإنّ الحكومة مدعوّة لحسم أمرها وإظهار أنّها قادرة على ممارسة مسؤولياتها من أجل إعادة انتزاع ثقة الناس بها وبخطواتها. و14 آذار مدعوّة لتجديد نفسها، أو التفكير جدّياً بإنشاء حركة جديدة قادرة على مواصلة مهمّة 14 آذار باستكمال مشروع بناء الدولة في لبنان