لن نستسلم – عقل العويط – النهار

ليس من دلالةٍ على الحال المزرية التي آل إليها الوضع في لبنان، أكثر من هاتين الدلاتين: مشهد المدنيين مساءي السبت والأحد الفائتَين بين براثن القوى السياسية والمخابراتية والأمنية، ولوحة اميل منعم الماثلة على هذه الصفحة.

أكتب هذا المقال، وأنا، بين حين وآخر، أضع رأسي بين يديَّ، متجنّباً البكاء على لبنان. لكن البكاء ليس عيباً، كما يحلو لبعض الذكوريين والبطريركيين والإرهابيين والإلغائيين ومُصادري إرادات الناس، وقاتلي الرأي العام، أن يتندر.




كلّ مَن يتندّر، إنما يشارك بالفعل والقول والتفكير، في الجريمة النكراء التي تُرتكَب يومياً، منذ عقود، في حقّ لبنان، وحقّ أبنائه العزّل، وقد بلغت الآن ذروتها، وتكاد تحقق مبتغاها اللئيم.

أحياناً تصل النفوس إلى قعر الألم الذي ليس تحته من قعر، فتفقد القدرة على التحمّل، وعلى مواصلة إيهام الناس بالأمل. لا يجوز أن نوهم أحداً بشيء مستحيل، أو شبه مستحيل. لا يجوز أن نكذب، ولا أن نكابر، حيث تصبح المكابرة نوعاً من المؤامرة، ونوعاً من الاشتراك المعنوي في الجريمة.

أُنصِتُ، من حيث أنا، إلى الأمّ التي فقدت ابنها، وهي تدقّ بكلتا يديها على باب المقبرة، حيث ووري ابنها الشاب. حتى لأظنني، أنا نفسي، ذلك الابن المقيم داخل جدران القبر.

استيقظتُ مبكراً هذا الصباح، وقررتُ أن أنسى الليل الذي أمضيتُه مبحلق العينين. قلتُ لنفسي أقطف شجرات التين الأربع التي في البستان، لأخفّف عنها وجع الأمومة التي ييبس أطفالها على صدرها، وهي لا تستطيع أن تأتيهم بالحليب. لبنان يحترق، وأنا لا أستطيع أن أفعل له شيئاً. عجباً! كيف يمكنني أن أواصل العيش، كما لو أن شيئاً لم يكن؟!

أهرب إلى الكتب، لأجلس في رحابها. إلى درجة أن بيتي الذي يحوي ثلاث غرفٍ للنوم، قد اخترتُ لنومي فيه غرفة المكتبة، من أجل أن أحتمي بعطور الكتب، بغبار ليلها، وبهلوساتها وظنونها.

قرأتُ كتاباً صادراً للتوّ. لكن ماذا ينفع أن أقرأ هذا الكتاب، أو غيره؟ بل أيّ معنىً لي شخصياً، أنا الذي أمضيتُ فتوّتي الجامعية، وشبابي، وأهرقتُ الكثير من كتاباتي، في الكفاح من أجل مجتمع مدني علماني ديموقراطي، إذا كنتُ لا أستطيع أن أزرع وردةً وحيدة فوق هذا الركام الفجائعي؟!

ليست المرة الأولى أُعلن فيها مثل هذا الموقف “الواقعي”، “اليائس”، أو “الجبان”. أعترف أننا لن نستطيع في اللحظة الراهنة الانتصار على هؤلاء الشركاء في المقتلة الوطنية. إشهار مسألة “الدولة الفاشلة”، أو “الدولة المارقة”، والعمل على استصدار قرارٍ في شأنها من مجلس الأمن الدولي فوراً، والآن، هو “الحلّ” الأقلّ إضراراً بكينونة لبنان، وحياة الناس، ومصائرهم، وكراماتهم، وهو الأكثر ملامسةً للحقيقة، ولواقع الأمور.

المحرقة الجماعية أفضل من هذا العيش.

هؤلاء الشابات والشباب الذين يعشقون بلادهم، ويطالبون برفع الحجر المأتمي عن قلبها، كيف نتركهم ونترك بلادهم طعماً لكلاب الدهر؟!
كيف يحقّ لنا أن نسمح بعد الآن، لهذه الطبقة السياسية – الطائفية بأن تعيث فساداً، وتمعن نهشاً، وتتلذّذ برؤية لبنان القتيل في حشرجاته الأخيرة؟!

اسمحوا لي أيها القرّاء، بهذا القدر من الكتابة. ليس في متناولي أيّ حلّ. لا أريد أن أبكي. ولن أستسلم!