بين “بروتيين” و”سوكلين” – أمين صليبا – النهار

صُدمت بالذي حصل ما بين الحراك الشبابي وقوى النظام مساء السبت الماضي على خلفية مطالبة “طلعت ريحتكم” باستقالة الحكومة. حيث عادت بي الذاكرة الى سبعينات القرن الماضي عندما أُستغل حراك الصيادين ضد شركة “بروتيين” التي كانت ستقطع مصادر رزقهم، بسبب احتكارها الصيد البحري من خلال معدات كانت متطورة في حينه، ولهذا تحرك يومها صيادو السمك في طرابلس وفي صيدا، ولحسن الحظ تمّ استيعاب الحراك الشمالي ولم ينتج عنه أي صدام مع السلطة. لكن الخطة في صيدا كانت مُحكمة وحصل الصدام ما بين الجيش اللبناني والصيادين الجنوبيين، وقد سقط يومها الملازم الشهيد الياس الخازن (رفيق دورتي ووحيد أهله)، وسقط ايضاً النائب السابق معروف سعد، لتنطلق مآسي لبنان منذ ذلك التاريخ. الظاهر كان الإعتراض على احتكار شركة بروتيين، لكن المخفي كان إطلاق شرارة إسقاط الدولة اللبنانية، لأن مخطط التوطين للفلسطينيين كان قد أُنجز ولم تعد المؤامرة الدولية ينقصها سوى تفجير الوضع في لبنان (بعد أحداث 1969 و1973)، حيث كانت منظمة التحرير الفلسطينية قد وصلت الى أوج تسليحها ولولا افتقارها الى سلاح المدرعات لكانت أصبحت أقوى من الجيش اللبناني يوم ذاك، والذي كانت بعض القوى السياسية، قد دخلت في عملية تفكيكه خطوة خطوة تمهيداً لإنهاء الدولة اللبنانية.

ان العودة لهذه الذاكرة هي من باب التحذير ليس إلاّ، لأنه بالرغم من المؤتمر الصحافي للرئيس تمام سلام (أيوب القرن الحادي والعشرين) الذي أعاد الأمل بأننا لسنا في اتجاه الانحلال النهائي للدولة اللبنانية، وبالرغم من ان القرار الدولي والاقليمي واضح تمام الوضوح بعدم السماح بتفكيك الدولة اللبنانية، خلافاً لمخطط 1975. لكن يبقى الحذر واجب، وعلينا، وخاصة الحراك الشبابي، ان لا نتطرف لدفع الوطن نحو الفراغ الكامل لجهة حمل رئيس الحكومة لإعلان إستقالة حكومته.




طبعاً ان فضيحة شركة “سوكلين” المتراكمة منذ أكثر من عقدين والتي أسقطت الأقنعة عن وجوه غالبية الطبقة السياسية، لجهة تقاسم الحصص لما هو نتاج سرقة مال الدولة، لأن الخلل في الطبقة السياسية لن يتغير بين ليلة وضُحاها، علينا الحفاظ على هيكل الدولة اللبنانية والحؤول دون انهياره، لأنه لا سمح الله اذا حصل ستبقى النفايات في أمكنتها ونكون قد عرّضنا أنفسنا لخسارة الوطن، الذي استطعنا حتى اليوم الحفاظ عليه وإن بالحد الأدنى لهذا الكيان. لذا النصيحة هي لا تكرروا تجربة شركة “بروتيين”، مع شركة “سوكلين” بالرغم من حقنا بضرورة حل أزمة النفايات اليوم قبل الغد، لكن علينا التروي والتبصر، لأنه من يضمن عدم حصول أي تغير مفاجىء في القرار الدولي لجهة الحفاظ على استقرار لبنان؟

كفى لبنان ما عاناه، مع بداية أزمة شركة “بروتيين”، وحذار من تكرار الوقوع في فخ الاعتراض على مشكلة النفايات، التي ليست هي المشكلة بحد ذاتها، بل لُب المشكلة هو في الذهنية السياسية وتخطيط كل جهة منها للإستئثار بكامل مغانم الدولة، أو بالحد الأدنى الحصول على أكبر قدر منها.

رحم الله الرئيس الياس الهراوي الذي شبه الدولة يوماً “بالبقرة الحلوب” وعليه يجب ان يبقى الحراك الشبابي هو صاحب هذه البقرة والقيّم عليها، لكي لا يتمادى أهل السياسة في تجفيف ضرعها تأميناً لمصالحهم الخاصة التي لا تمُت للمصلحة العامة بأي صلة. حذار مرة أخرى من الوقوع في فخ المطالب المُحقّة كي لا نأخذ الوطن الى المطب ذاته الذي علق به لبنان إثر الاعتراضات على شركة “بروتيين”، وما عاناه منذ تاريخه ولغاية اليوم.