بري يستنزف نصرالله – نديم قطيش – المدن

nadim-koteich-2

قول أمين عام حزب الله حسن نصرالله في خطاب “وادي الحجير” إن الجنرال ميشال عون ممر الزامي لرئاسة الجمهورية، أثار إلتباسات سياسية كبيرة بشأن تغيير محتمل في موقف حزب الله من وقوفه خلف ترشيح عون. فُهم الأمر على قاعدة أن عون ممر وليس “مستقراً” للرئاسة، وأنه بات معبراً للتسوية السياسية وليس عنواناً لها، بمعنى وجوب الاتفاق معه بعد إستحالة الاتفاق عليه.




هذه الالتباسات فرضت على نصرالله إيضاحاً لموقفه، على خلاف عادة حزب الله في التعاطي مع تصريحات أمينه العام التي قلما خضعت للايضاح والشرح والتبرير. المفارقة أن ما كان هدفه إزالة الالتباس، فاقم من أسبابه، حيث بدت الايضاحات والشروح تفتقر للحماسة والجزم اللذين ميزا مواقف نصرالله من ترشيح عون.

فقال نصرالله في سياق استقباله وفداً تربوياً: “كنا وما زلنا وسنبقى ندعم ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية، وعبارة الممر الإلزامي للانتخابات لا تقدم ولا تؤخر ولا تغيّر ولا تمسّ ولا تضعف من قوة هذا التبني والالتزام”. وأضاف: “عندما تقول إنّ عون ممرّ إلزامي لانتخابات الرئاسة ، فهذا لا يعني أنّه لم يعُد مرشّحاً، فهو ممرّ إلزامي سواء أكان مرشّحاً أو لم يكن مرشّحاً”، ويكمل بلغة عامة أن “العماد عون هو مرشّح طبيعي ومرشّح قوي وله قاعدة تمثيل عريضة، ونحن كنّا وما زلنا وسنبقى ندعم هذا الترشيح”.

يُبقي نص التوضيح المجال مفتوحاً أمام إحتمال ألا يكون عون مرشحاً، وهي المفردة الجديدة في اللغة التي أدار عبرها حزب الله ملف الانتخابات الرئاسية، بالمقارنة مع اللغة السابقة التي ميزها الحسم بأن لا رئاسة خارج عون. ثم في معرض التوصيف، لا يقول نصرالله إن عون هو مرشحنا، بل يحيل ترشحه على بداهة لا يناقشه فيها أحد، وهي أن عون “مرشّح طبيعي ومرشّح قوي وله قاعدة تمثيل عريضة”، ويلتزم بدعم الترشح، وهو توصيف أبرد من حرارة ما اعتاد عون على سماعه من حزب الله.

وإذا كان من المفيد ترك هامش للشك في “فائض القراءة” هذا لنص حزب الله حول ترشيح عون، يبقى أن مصداقية التزام حزب الله بالترشيح الجدي للجنرال لا تتأتى عن التباسات لغوية في اعلان الموقف ومن ثم في ايضاحه. هذه الالتباسات انعاكس لمعضلة أعمق تواجه موقف حزب الله. حتى إشعار آخر، سيبقى الطاعن الرئيسي في مصداقية نصرالله بخصوص ترشيح الجنرال ميشال عون للرئاسة، هو الكلام اليومي للرئيس نبيه بري بحق الجنرال. وبالتالي لن تنفع كل الإيضاحات في العالم لعبارة “ممر إلزامي” في دعم مصداقية حزب الله، ما دامت الضربات تأتي متواترة من القنص السياسي، وأحياناً القصف المركز، الذي يمارسه رئيس مجلس النواب نبيه بري ضد عون.

المفارقة أن بري يبدو مستمتعاً بإصابة عصافير كثيرة بحجر هذه المعركة مع الجنرال. فقصف عين التينة المركز على عون، وفائض دعمه للحكومة وشهيته للتعبير الدائم عن التزام وزرائه بالرئيس تمام سلام الذي كاد عون أن يتوّجه “خليفة” لداعش، كل ذلك يصيب بشظاياه، حزب الله وحسن نصرالله شخصياً.

ما يزيد الامر صعوبة على مصداقية حزب الله ونصرالله، أن بري يركز ضرباته في أصعب الظروف التي تمر بها زعامة عون، وفي أكثر اللحظات عوزاً للدعم والترميم والنفخ.

ليس خافياً على الرئيس بري أن النزيف العوني يتوزع على خسائر عديدة، منها ما يتصل بمعركته العامة والتي انتهت بتأخير تسريح قائد الجيش جان قهوجي، ومنها ما يتصل ببيته الداخلي وزعامته المفترضة.

فبعد طول ترويج ونفخ صدور، أحجم الجنرال عون عن خوض استحقاق الاستفتاء على تحديد حجم الزعامات المسيحية، علماً بأن المنطق السياسي والتعبوي للحالة العونية يقول إن المضي قدماً في الاستفتاء في هذه اللحظة بالذات، لا بد وأن يكون لصالح عون الذي يخوض في المؤسسات وفي الشارع معركة ما يسمى إستعادة حقوق المسيحيين! الا اذا كان مستشارو الرابية لمسوا قلة شهية مسيحية لمعارك الجنرال بإسمهم. يضاف الى ذلك فشل عون في استدراج حليفه الوزير سليمان فرنجية لتغطية الاستفتاء، دعك عن موقف حزب الكتائب الرافض لها.

وبعد طول ترويج أيضاً، بذل الجنرال كل جهوده وإمكاناته لإخراج معركة رئاسة التيار الوطني الحر من دائرة التجاذب الى خيمة الأمان التوافقي على الوزير جبران باسيل، رغبة منه في عدم تعريض التيار لإهتزازات علنية تكشف حجم الاهتراء في البنية التحتية، والبنية “الصهرية” للحالة العونية.

واللافت ان التوافق على رئاسة التيار يعكس في العمق فهم الجنرال لماهية التوافق، بما هي وضع الجميع أمام معادلة إما “خياري” أو الأثمان الصعبة. حزبياً، يعني التوافق “باسيل أو ضعضعة التيار” بنتائج معارك داخلية. ووطنياً يعني “عون أو ضرب البلاد بالتعطيل والفراغ والشارع”.

مؤشرات الضعف هذه، تستوجب إحاطة الجنرال بكل أشكال الدعم، من قبل حلفائه على الأقل، وهو ما يخرقه بري يومياً بصوت عال، ويرفده فرنجية بلا ضجيج يذكر.

ليوضح نصرالله ما يشاء. وليذهب بتكبير أوهام مؤامرة العزل المستقبلية، عزفاً على وتر التناقض السني الماروني في مخيلته. هذا كله لا ينفع. فدم مصداقيته يسيل من “ظلم ذوي القربى”، الأمضى من الحسام المهند.