//Put this in the section

عزلة … ومئة من الزمن – مشلين بطرس

هاقد قطعتُ شراييني، وانتحرت وسالت دمائي كالبركان الهائج حتى تشكل منها محيط كبير كبير، رحت أغوص فيه وأسبح…

هاأنا قد تعلمت السباحة ولم أمت غرقاً كما أخبرتني يوماً اختبارات الفيس بوك.




آ….ه، ماأجمل االسباحة دون خوف، دون دولاب يحيط بخصري ليحميني من الغرق، أغوص مطمئنة فرحة وأغفو في عمق دمائي…

يوقظني من غفوتي الهادئة حوت كبير لاأعرف له نهاية، مكتوب على جسده “الظلم والاستبداد” قاومته بكل ماأتيت من قوة، لكن هباءً كل مافعلت، فقد ابتلعني وأصبحت في جوفه، وفجأة وعلى حظي النتن ظهرتمعلمة التاريخ والجغرافيا تركل باب مرحاض المعلمات بقدمها، وتصرخ بي هيا…هيا اخرجي أيتها هالكلبة!

وراحت تسأل التلميذات عني، هل ابنة معلمة هي؟؟

وماإن خرجت من الباب حتى بدأ اللطم والصفع ينكسب على وجهي كنار جهنم. من بين دموعي رحت أشرح لها سبب اضطراري للدخول هنا، ولكنها لم تسمع، ولا تريد أن تسمع، بل أوغلت بي إلى عمق الأعماق وجرتني إلى غرفة الإدارة….

أدارت محرك التلفاز على أفلام الرعب المميتة، فشاهدت الحروب الصليبية وفظائعها، ثم الحرب العالمية الثانية التي كانت أشد ضراوة من الحرب العالمية الأولى….

قلت للمعلمة: أنني دخلت هنا لأن مراحيض الطالبات مقفل، ولم أستطع أن أنتظر وقت العودة إلى المنزل و…….وأمسكت بشعري وراحت تلوح برأسي يميناً وشمالأً وكأنه رأس دمية جسدها من خشب…

ثم…ثمّ شاهدت الإبادة الجماعية للهنود الحمر، وأدركت كيف قامت حضارة الحضارات.

إن المجازر كلها تتشابه والمختلف الأبدي هو الإنسان، كذلك كانت مجازر الأرمن والسريان، الناس تُطعن بالحراب وتقتل بالرصاص.

أغمضت عنيني من شدة الألم، لكن المعلمة أصرت أن أرى وأرى…، وقد تشجع هتلر على تنفيذ سياسة التطهير العرقي بعد ذاك النجاح الذي تحقق في الأناضول….. ورأيت الحروب الأهلية تُفتعل على مدار الساعة هنا وهناك، وماتزال فلسطين محتلة، ومايزال العرب يتقاتلون ويُقتلون، حتى أصبح الوطن العربي السّباق الأول في إنتاج أفلام الرعب والأكشن الواقعية.

عدت أبرر للمعلمة دخولي هذا المرحاض: بأن بطني يؤلمني ولم أستطع الصمود، لكنها لم تفلتني من قبضتها وأخذت تضربني على ظهري ضربات متلاحقة شلت مفاصلي، وأرخت مكاحلي….

رُفع من جديد صوت التلفاز عالياً على فيلم كان عنوانه “داعش” فلم رعب مابعد الحداثة….

في لحظة شرود من المعلمة أستطعت أن أفلت من قبضتها، وهرعت أهرب… وأهرب وأنا مازلت في جوف الحوت ذاك الحوت اللئيم، وما إن رأيت بصيص نور من مكان مهترئ كان في جسده، حتى أسرعت إليه اتنفس الصعداء، ومن المحيط في الخارج لوحت لي مي زيادةبيدها قائلة:

-تعالي ياصديقتي هيا تعالي، فأنت مدعوة الليلة على مائدة دوبوفوار.

– لا… لا أريد ان أكون تلك المدعوة التي تموت خنقاً بالغاز في رواية دوبوفوار – حدثتُ نفسي – وغيرتوجهتي في بطن الحوت علي أجد مفرأ من هنا، عدت إلى بصيص النور أنظر من خلاله إلى البعيد،فرأيت غادة السمان تسبح على مقربة من “مركبتي”، رحت أناديها بأعلى صوتي وأصرخ طالبةً منها النجدة، لكنها ردت قائلة: – هذه معركتكياعزيزتي فانتصري بها وتعالي هنا.

لحقت بي معلمة التاريخ والجغرافيا وقد أصبحت عجوزاً هرمة، لاتتذكرني…..

اقتربتُ منها بلوم وعتب والقليل من الشفقة، أذكرها بنفسي وبمافعلت.

راحت تبكي وتجهش بالبكاء قائلة: لقد استبدنا بنا الكبت والحرمان فجعلنا نفرغ حقدنا بالطالبات، ضمتني إلى صدرها ومسدتْ شعري تطلب الغفران…..

تقيأني الحوت أخيراً من جوفه، وعدت إلى بحر دمائي أسبح به كيفما أشاء، يهجم على غبطتي سرب من أسماك القرش يحاول ابتلاعي وقد دوّن عليهم ” الخرافات، والعادات والتقاليد”.

وصل صدى صراخي إلى أقاصي أصقاع المحطات، فهب لمساعدتي مستنيري العقل والقلب، ودحضنا معناً ذاك السرب اللعين، فاختفى وتلاشى إلى الأبد.

وعدت أسبح وأغوص في بحر دمائي الذي بدأ يتخثر ويقسو ليصبح كالحجر، فقد مضى على انتحاري ثلاث ساعات وهاهم ينوحون ويندبون.

لقد سمعت البعض يهمسون بأنني مجنونة، وآخرون يقولون هذه هي آخرة من يقرأ ويكتب، والبعض حزم الأمر بأن لاصلاة على جثة منتحرة، ويضرب أبي كفاً بكفٍ غاضباً مزمجراً، وتقترب أمي من جثتي وتهزني قائلة:

-لماذا فعلت بنا هذا؟؟؟

عويل، نحيب ونعيب، وصراخ كثير يقض مضجعي، ويوقظني من سباتي، وأنهض من الصندوق المعدّ لدفني، ووسط كل هذا الذهول والصمت، أردد ماقاله النواس يوماً: دع عنك لومي  فإنّ اللوم إغراء     وداوني بالتي كانت هي الداء.

مشلين بطرس: أديبة وناقدة سورية