“عكار” كنز الإبداع اللبناني – زياد علوش

اينما حللت في عكار،تصادفك قصص مثيرة عن التميز  والإبداع والتفوق في ارض الغربة، تصدم الصورة النمطية المعروفة والسائدة،انها الحكاية التي يتقاطع فيها الفرح بالألم،عما نقترفه جميعاً بعجزنا عن بناء دولة المواطنة والإنسان،الفرح قصة النجاح في تحدي الصعاب والألم هو عن الظروف التي لم تتغير حتى الآن ولحرمان الوطن من ابداعات ابنائه،قصتنا تبدأ مع النابغة البروفسور سمير المصري الذي يروي في لقائنا معه تفاصيل ايامه الأولى القاسية كما قصة النجاح التالية لتكون التجربة في عهدة الجيل القادم ولا تنتهي معه، فالذاكرة مليئة بتجارب عكارية مماثلة لا بد معها للدولة اللبنانية ان تحزم امرها في ايجاد آلية عمل ممنهجة تستطيع من خلالها ان تسترد ابنائها وتنهض بالوطن من خلال الاستفادة من هذة القدرات المهملة والتي تجمع في سلة تقدم الدول التي يهاجرون اليها.

ولد البروفسور الدكتور المهندس سمير المصري، في بلدة  برقايل عكار سنة 1967 في عائلة متواضعة جدا،لأبوين لم تتحقق سقوف احلامهما في الألتحاق بصفوف محو الأمية.




كان على الولد البكر سمير ان يساعد والده دياب المصري العامل البسيط وصاحب الأجر الزهيد في إعالة اسرة تعاني الفقر المدقع وهي مؤلفة الى جانب الأبوين من اخ وسبع بنات.

في مدرسة برقايل الابتدائية والتكميلية الرسمية خلال الحرب لم يكن الطالب سمير المصري قادر على متابعة اكثر من يومين تعليميين او ثلاث بسبب ظروف الحرب الأهلية واكتظاظ الصفوف وغياب المعلمين إضافة الى انشغاله بالأعمال الشاقة لتحصيل بعض المصاريف اليومية له ولعائلته،وبالتالي لم يكن بإستطاعته متابعة اكثر من 10% من المنهاج الدراسي المقرر.

رغم هذا الواقع المرير الذي ربما لم يلحظه الشهير (فيكتور هيغوا) في رائعته السوريالية (البؤساء) لناحية الفقر المادي.

رغم ذلك كانت العناية الإلهية حاضرة برعايتها وعدالتها دائما لتصهر من تراب عكار ومن خلال مسيرة عصامية نبوغاً يقدم نموذجاً لكل شاب طموح يحاول مجابهة التحديات في سعيه نحو العلا.

ظهرت عليه علامات الذكاء والنبوغ والاجتهاد باكراً، وكان دائم التفوق في كل مراحل دراسته.في صورة تشير الى استثناء يعاكس المنطق والظروف وينتصر على الم الحرمان فيولد الأمل من رحم المعاناة.

العام 1983 تفاجىء الاساتذة في ثانوية حلبا الرسمية بذكاء ونباهة واجتهاد الطالب الجديد، حيث كان الاعتقاد ان وراء هذا النبوغ ظروف وطاقات ومحيط وحواضن استثنائية داعمة، وانه ات من اهم المدارس الخاصة وكان بعضهم يقول انه يعرف اكثر من الاساتذة بل اكثر مما ينبغي،حيث كان يكتشف اخطاء في كتب الرياضيات والفيزياء فزاع صيته في كل عكار وأصبح مثلا يحتذى به في التحصيل العلمي وكانت نتيجته في الرياضيات الاعلى في لبنان في الامتحانات الرسمية.

كان الطالب سمير المصري يعمل خلال فصل الصيف في بيروت في اعمال البناء الشاقة من اجل ان يؤمن بعض مصاريف الدراسة. وكان والده دياب المصري بحاجة ماسة الى ان يساعده ابنه البكر في اعانة العائلة ورغم كل هذه الضغوط أصر على متابعة دراسته والمفارقة هنا كان يجد وقتاً للتطوع في مساعدة ابناء جيله في مواد الدراسة والتعليم لا سيما في بلدته برقايل والبلدات المجاورة (بزال والسفينة) وغيرهما دون مقابل،في رمزية عطاء رغم حاجته الماسة للمال والوقت والجهد،ويذكر هنا تشجيع عمه له المرحوم “فوزي المصري” على متابعة دراسته.

أنهى دراسته الثانوية سنة 1986 ودخل كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية في طرابلس بعد امتحانات دخول صعبة وكان بين الاوائل ال 5 من الفائزين ال 60 من أصل أكثر من 1000متنافسا في منطقة الشمال. درس في الكلية هندسة الكترونيك وكهرباء وانتقل الى بيروت في اخر 3 سنوات وتخرج مهندسا سنة 1993. كانت الدراسة في الكلية صعبة كما يقول جدا بسبب قلة المادة حتى انه كان في بعض الايام يفطر في رمضان وحيدا على بعض حبات الزيتون وفنجان من الشاي بل وأقل من ذلك لكنه كان مسرورا وكان يشعر بأن الله يراه ويرعاه..

كان يقوم بكثير من النشاطات الاجتماعية في بلدته برقايل وعكار ويساهم في حركته في بناء اوائل المدارس الاسلامية الخاصة وينقل الطلاب اليها. وكان في بعض المراحل ممثلا لطلاب الجامعة اللبنانية والمتحدث باسم 75000 طالب جامعي. كانت دراسة الدكتواره في فرنسا من احد اهم اهدافه،لكن كيف ذلك وهو كما يقول كان لا يملك في ذلك الحين اجرة التاكسي ولا قيمة الطابع من اجل مراسلة الجامعات..

زاع صيته في التواضع والاخلاق والايمان والذكاء في ارجاء المنطقة ونتيجة لذلك عرض عليه شخصان فكرة ان يستدين منهما مبلغا يؤهله السفر الى فرنسا. وقد سافر البروفسور المصري الى مدينة غرونوبل Grenoble في فرنسا سنة 1993 ,وألتحق بأهم الجامعات وهي Institut National Polytechnique de Grenoble وأنهى دراسة الماجستار في علوم الرجل الالي في 1994 ثم درس الدكتوراه وخاض في الابحاث العلمية وحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1997 بتفوق كبير حيث طبق طرق علمية تستعمل في اتصالات الاقمار الاصطناعية على بلعوم الانسان وصمم جهاز كمبيوتر يستطيع ان ينطق بعض الحروف كالانسان. كان هاجس البروفسور المصري العودة الى بلده لبنان من اجل مساعدة مجتمعه والنهوض به علميا واجتماعيا وكان يحرص على مساعدة المساكين والوقوف في وجه الظلم والفساد. بعد نجاحه الكبير في شهادة الدكتوراه عرض على الدكتور سمير عرضا من اجل العمل والبحث العلمي في اليابان فقبل وسافر الى اليابان في بداية عام 1998 وعمل في اليابان في جامعة هوكيدوHokkaido University في مدينة سابورو Sapporo الشمالية حتى عام 2001 وكان من بين فريق البحث الذي صمم واخترع رجل الي يتكلم في مشروع عملاق ساهمت فيه أهم جامعة في العالم في مجال تصميم الرجل الالي وهي جامعة واسادةWaseda University اليابانية وأضخم شركة اتصالات في العالم وهي شركة نتت NTT اليابانية. ترك البروفسور المصري اليابان وهاجر الى استراليا وتزوج من الدكتورة باسمة الصديق وهي استرالية من اصل لبناني. عمل الدكتور المصري في استراليا كبروفسور مساعد ثم بروفسور مشارك لاحقا في عدة جامعات عريقة منها جامعة سيدني University of Sydney وجامعة غرب سيدني وجامعة University of Western Sydney وجامعات استرالية اخرى وبدأت أبحاثه تتجه باتجاه الصحة الاكترونية Electronic Health وعمل كمدير كبير في بعض الشركات الاسترالية وتصميم برامج كمبيوتر متقدمة لكبرى المؤسسات الاسترالية.. عرضت على الدكتور المصري جامعة الملك سعود في الرياض العمل في كلية علوم الحاسب كبروفسور مشارك وقد عمل في تلك الجامعة التي تعتبر أهم جامعة عربية وشرق اوسطية واسلامية من سنة 2009 حتى 2014 وبرع في انتاج الابحاث العلمية المهمة وحصل على تمويل كبير لمشاريع فائقة التقنية وكان يرأس فريق بحث مؤلفا من أكثر من 30 من الدكاترة والباحثين.. لقد تمت ترقية الدكتور سمير سنة 2014 الى أعلى رتبة علمية واكاديمية عالمية وهي رتبة بروفسور Professor في مجال الصحة الالكترونية وهو البروفسورالاول والوحيد في هذا المجال على مستوى لبنان وثاني او ثالث بروفسورعلى مستوى العالم العربي. أنتج البروفسور سمير المصري أكثر من 100 بحثا وأختراعا علميا منشورا و موثقا في مجلات وكتب ومؤتمرات علمية عالمية عديدة. وقد القى محاضرات عن ابحاثه العلمية في عشرات من المؤتمرات العلمية والجامعات والبلدان. أشرف البروفسور المصري على ابحاث ومشاريع مئات من طلبة الماجستار والدكتوراه وهو يلقي المحاضرات العلمية في اهم المؤتمرات والندوات العلمية الكبيرة. أنتقل البروفسور سمير المصري مؤخرا في 2014من الجامعة ليعمل في شركة جنرال الكتريك GE الاميركية العالمية العملاقة كمديرا أقليميا في مجال الصحة الالكترونية Regional Professor and Director of eHealth Education في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا وتركيا وروسيا واوكرانيا وجميع دول الاتحاد السوفياتي القديم ويبلغ عدد الدول 85 دولة. يقضي معظم اوقاته في الاجتماعات الدولية والسفر المستمر بين دول العالم كافة.. تعتبر شركة جنرال الكتريك أقدم وأعظم وأضخم شركة عبر التاريخ وهي تعمل في مجالات عدة منها صناعة محركات الطائرات وصناعة اضخم مولدات الطاقة الكهربائية من الغاز والديزل والماء والهواء وتقرير المياه واستخراج البترول وصناعة القطارات وصناعة الاجهزة الطبية الكبيرة بالاضافة الى العديد من الصناعات التكنولوجية المتقدمة والحديثة… البروفسور المصري يتقن اربع لغات وهي العربية والانكليزية والفرنسية واليابانية ويحمل الجنسيتين اللبنانية والاسترالية. بالاضافة الى عمله يهتم البروفسور سمير المصري في توعية المجتمع ويساهم في مشاريع انمائية واغاثية واجتماعية تطوعية تتخطى حدود لبنان ويساهم في تشجيع الطلاب على العمل والمثابرة.. يعمل جاهدا على نصرة المظلومين في كل مكان وفضح الظالمين.. يجب على الاجيال القادمة ان تتعلم درسا كبيرا و عظيما من مسيرة هذا الفتى الفقيرالذي نشأ في بيئة فقيرة غير متعلمة مليئة بالفساد والظلم لكنه ثابر وعمل جاهدا وحمل قلبا طيبا مساعدا للناس وصنع باذن الله المستحيل ليصل الى اعلى رتبة علمية اكاديمية وهي بروفسور وهو يتبؤ الان أهم المراكز في أعظم شركة في العالم.. يمكنك ايها الطالب البسيط و الفقير في هذه البيئة السيئة والظالمة ان تصل الى اعلى المراتب والسر هو العمل الجاد والصدق مع الله ومساعدة الناس