تقرير إلى رفيق الحريري في الذكرة العاشرة لاستشهاده – محمد شريتح

شعور غريب ينتابني مع بداية شهر شباط من كل عام.

لقد رافقني هذا الشعور على مدى السنوات العشر الاخيرة، ولست متأكدا من انه سيتبدد في السنوات القليلة المقبلة.




مذ يدخل شباط، أشعر وكأن عدّاً عكسيٌ لحدث قريب بدأ. وعلى مدى أربعة عشر يوماً استيقظ في كل صباح بنشاط غير اعتيادي، سرعان ما يتحول الى هدوء مريب وتأمل وقلق. كالطفل الذي يستيقظ في صبيحة الميلاد ليستلم هديته من تحت شجرة العيد فلا يجدها.. ولا يجد الشجرة.

هذا هو الأثر النفسي المتراكم لدي، الناتج عن جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، في الرابع عشر من شباط من العام 2005.
وربما هذا ما قصده القاتل من خلال طريقة تنفيذ الجريمة في قلب العاصمة بيروت.

بعد عشر سنوات على غياب الرئيس الشهيد، صاحب الشخصية المؤثرة محلياً وعالمياً، المشهد السياسي والإنساني والاقتصادي والاجتماعي ملبدٌ جداً.

اليوم كبرت عشر سنوات وكبر الغياب معي، أشعر بضيق شديد وكأن هموم الدنيا تهنش صدري. والأسوأ من ذلك شعوري بأني مكبل، ولا أدري ماذا أفعل. فيما غياب المخلص، رفيق الحريري، يحيّرني. والشعور بالأمل والارتياح والمستقبل المشرق لم يعد ينتابني منذ نهار الرابع عشر من آذار 2005.

قررت اليوم أن أفصح عن ما بداخلي وعن ما يخنقني ويخنق كثيرين مثلي، وأن أرفع تقريراً إلى صاحب الذكرى.

سأرفع تقريراً إلى رفيق الحريري في الذكرى العاشرة لاستشهاده وأشي بكل ما لدي من أخبار وأحداث مضت في فترة غيابه.

وسأتخيل كيف كان رفيق الحريري ليتعامل مع كل هذه الأحداث المأساوية المرعبة على مستوى لبنان والمنطقة، فيحولها بأسلوبه الخلاق إلى هواجس بسيطة عابرة، ويأخذها على عاتقه ويأتي بالحلول السحرية.

ربما هذا أكثر ما أزعج القاتل.

دولة الرئيس إليك تقريري بتصرّف،

بعد السنة العاشرة على غيابك ليس الوضع أفضل، بل هو أسوأ بكثير. لا أعرف بأي حدث أبدأ تقريري ولا أعرف كيف انتهي، ربما أبدأ من بعض واقع الدولة.

في خلال السنوات العشر زاد الانقسام في لبنان بشكل مرعب وتعززت المذهبية. انهكت الدولة وهي اليوم تفاوض وتحاور وتستأذن لإزالة راية متسلطة في هذا الطريق العام، وشعار تحريضي على حائط ذاك الشارع، أو حتى لتلقي القبض على مطلوب في تلك المنطقة.

دولة الرئيس، بعد مرور عشر سنوات، الجامعة الوطنية التي تحمل اسمك، عيّن رئيسها كجائزة ترضية على مضد، وأنهكها الفساد وتسلّطت عليها الأحزاب المذهبية والميليشيات الظلامية.

وكذلك المطار الذي يحمل اسمك، ليس أفضل حالاً.

دولة الرئيس، بعد عشر سنوات على غيابك، “المقاومة” التي دعمتها في نيسان، بل وكل الأشهر، لم تكتف بالرقص على جثتك، بل ذهبت إلى خلف الحدود لاحتلال القرى وتهجير أهلها وقتل ابنائها.

يا دولة الرئيس، “اللبناني يتقاسم قمحه مع الجرذان” يقول وزير الصحة، ويموت على ابواب المستشفيات التي لا تستقبله فيما المستشفى الذي يحمل اسمك هرم وبات على شفير الافلاس.

دولة الشهيد، الحاكم الجائر الذي هددك يوما بتفجير لبنان وتكسيره فوق رأسك، خرج عليه شعبه وها هو في غيابك يفجر براميل حقده على أطفال ونساء دوما.

على مدى السنوات العشر يا ديولة الرئيس، لم يعد الهلال يخدم مشروع التوسع وبات البدر هدفاً، من صنعاء الى بغداد مرورا بالبحرين وصولا الى دمشق فبيروت، غيابك فاضح.

دولة الرئيس، مرت عشر سنوات، وصعد التكفير والتطرف والعنف على حساب الاعتدال والانفتاح والسلام، لا العكس. هذا الزمن لا يشبهك ولا يشبهنا، وحدهم التكفيريون المتطرفون الظلاميون في واجهة الاحداث اليوم، يتصارعون ويهادنون ويحاربون بعضهم بعضاً، ونحن المتفرجون في حضورنا اكثر صمتا منك في غيابك.

دولة الرئيس، في السنة العاشرة وقفت شقيقتي الصغيرة التي ولدت بعد اغتيالك تتأمل في صورتك المعلقة على جدران منزلنا، بعدما لاحظت انتشار صورك في كل شوارع بيروت وعلى بعض شاشات التلفزة وأدركت حقيقة انك لست جدها فسألت من هو رفيق الحريري ولماذا نرفع صورته في بيتنا؟
فماذا أقول لها؟

أعرف ماذا أقول لها وسأقوله الليلة. ربما هذا ما لم يتوقعه القاتل.

لن اطيل التقرير ولن استفيض في الوشي، فالكلام عن الفساد والاستقواء والتجبر والاجرام لا ينتهي وربما لا تكفي آلاف التقارير للتبليغ عن ما حصل ويحصل، فيما المفجع في غيابك عدم وجود البديل القادر على تلقف مثل هذه التقارير وتفكيكها.