الحريري ينتقد المعارضة السورية: كلام من في غير محلّه؟

في خطوة غير مسبوقة قام رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري بانتقاد لبيان «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» الموجه إلى مجلس الأمن الدولي والذي يحتج على «انتهاك الجيش اللبناني لحقوق الإنسان والاعتداء على النازحين في عرسال».

سعد الحريري اعتبر أن البيان «لم يكن في محلّه»، وحجة الحريري في ذلك أن «القوى العسكرية اللبنانية تتحرك تحت وطأة تحديات ومخاطر داهمة تفرضها المجموعات المسلحة التي تستقوي على الجيش واللبنانيين بأرواح العسكريين المخطوفين لديها وتريد لمخيمات النازحين أن تكون ظهيراً قوياً لها في الضغط على الحكومة اللبنانية وجيشها».




سبب بيان «الإئتلاف» السوري حصول مداهمات كبيرة لمخيمات اللاجئين السوريين في مناطق لبنانية واسعة تمتد من عكار شمالاً الى مدينة النبطية جنوباً واعتقاله مئات السوريين، ولكن الممارسات القمعية للجيش اللبناني تجلّت على أشدها في مخيم عرسال حيث قام جنوده بإضرام النيران في الخيم ما أدى لوفاة طفل وحدوث حالات اختناق في صفوف اللاجئين، وترافق ذلك كله مع اعتداءات عنيفة وإهانات عنصرية عليهم.

وللإعتبارات الآنفة بدا وكأن تصريح سعد الحريري «لم يكن في محلّه»، ففي البيان نفسه قال الحريري إن «الصور التي وزعت عن الاقتحام الأخير لمخيمات النازحين في عرسال، كانت مسيئة وغير مقبولة» مشيراً إلى أنها «تسببت في تحريك نعرات وانفعالات كنا في غنى عنها، في هذه المرحلة من حياتنا».

يحاول قارئ بيان الحريري أن يستشف نبرة من التعاطف مع النازحين السوريين المنتهكة كراماتهم وأعراضهم والمعتقلين بالمئات ولكنه لا يجد غير انزعاج من «الصور» التي كشفت الأفعال المسيئة التي ارتكبها الجيش اللبناني.

والمغزى المؤلم المستشفّ من حديث الحريري هو أن حرق المخيمات وإهانة النساء والأطفال واعتقال المئات على الشبهة هي من الضرورات التي لا يمكن ل»لبنان» الاستغناء عنها، وأن المشكلة هي في الصور (لا الأفعال المسيئة التي كشفتها تلك الصور)، التي، كما يقول في بيانه، «كنّا في غنى عنها، في هذه المرحلة من حياتنا»، وكذلك في بيان «الإئتلاف» المندد بالانتهاكات، لا بالإنتهاكات نفسها.

ليس سرّا بالتأكيد أن حيزاً كبيرا من إجراءات التعامل السعودي مع الملفّ السوري بعد ثورة 2011 ضد نظام بشار الأسد، كان، ولفترة طويلة، تحت إشراف بعض الشخصيات المحسوبة على رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري، وكان ذلك الملف، بالتالي، مستتبعاً لأولويات الساحة اللبنانية، أكثر من تبعيته لأولويات الساحة السورية، وهو أمر أدى لنتائج خطيرة على آفاق تطوّر الثورة السورية على صعد السياسة والتسليح خصوصاً.

في هذا السياق، يندرج تصريح سعد الحريري، بالتالي، في إطار أولويات تيار «المستقبل» اللبنانية، وأجندة المظلة السعودية – الأمريكية الكبرى التي ترى الى سوريا ولبنان والمنطقة بمناظير الأموال والجيوش لا بمناظير الشعوب وكراماتها بالتأكيد، بما في ذلك كرامات الشعب اللبناني نفسه.

فالجماهير اللبنانية التي تقول السعودية والحريري أنهما يمثلانها (الطائفة والمجموعات السنّية في لبنان)، تدرك أن معاناة اللاجئين السوريين ليست غير امتداد لمعاناتها، وأن سياسات التهميش والإقصاء التي أدت الى الثورة في سوريا، ليست بعيدة عن سياسات التهميش والاقصاء لطرابلس وصيدا وعكار وعرسال، وأن ما تريده هذه الجماهير من تمثيل لها، هو في تخصيص جزء من المليارات الذاهبة الى الجيش اللبناني تتوجّه الى مناطقها تنمية وازدهاراً وتمكيناً سياسياً، وليس تنفيذاً خلّبياً لسياسات ترسم في البيت الأبيض والرياض.

 

القدس العربي