ثورة على الحيونة

طوني ابو روحانا – بيروت اوبزرفر

المشهد كالتالي.. المياومون في شركة كهربـاء لبنـان يعتصمون، الموظفون الثابتون يمتنعون عن إصلاح الأعطـال، ”بيروت“ تغرق في العتمة، وهنـاك مواطن حيوان قسري، لا حول له ولا قوة، يتراخى حتى الإنعدام، يسكت عن حقه فلا يعود ناطقاً، ويتساوى مع أي بَرّي آخر، يُدَجَّن في غابة تسكنها الوحوش، تتحكّم بمساحاتها، كبيرها يلتهم الصغير فيها، والحكم لأصحاب المخالب والأنياب.




لسنا لنُناقِش في موضوع ”الحيونة“، وعفواً على التعبير وإن كان يليق، مَن أكثر حيونة من الآخر، المسؤول ام المواطن، إنما ولابد أن نطرح السؤال وإن من باب الفضول وحده، هذا المشهد ليس حكراً على إدارة واحدة، ولا هو مُصادر من قبل مجموعة من ”المواطنين“ تنتمي الى فئة سياسية معيّنة، الكل فـي الحيونة القسرية سواسية، رغم اختلاف الدرجات والمعايير والمؤهلات.

مُعيب ما يحصل، فالشعب اللبنـاني يعيش أسوأ أيام كرامته ولا يسـأل، ”بيروت“ تستحق في معظم أحيائها أن تُعلَن شبه مدينة ”منكوبة“، كمـا أكثر ضواحيها، كما باقي لبنان من أقصاه الى أقصاه، لتختلف مقاسات الحيونة هنـا، بين أعظمهم مَن ينتظر المغني الكندي ”غارو“ في أسواق الرفاهية، والمُسَيَس الذي يهتم لأخبار داعش والعراق واليزيديين والمسيحيين المُهَجَّرين، ويضيع بين عرسال وطرابلس حين يشتد الخطر، وأضعفهم الذي لا يُخَطّط سوى لخبز غده وغد عائلتـه، والجميع دون أي استثنـاء، صامت، تتنافس ”الخوازيق“ علـى مؤخرته، وعلى وقع ما لا يُشبِه الواقع، يبدو أن المواطن الحيوان قد أدمن الخوازيق عشقاً، فهنيئاً له، هنيئاً له الإدمان والخوازيق ومَـن يدعمه بها، وهنيئاً تلك المؤخرة المُزدَحِمة وجعـاً، ”ليش في أحلى من لبنان؟“.. وهنيئاً ما ينتظر مؤخرات اللبنانيين إن استمر الحال على ما هو عليه.

البلاد تستحق منا وقفة ضمير وإن وصل منسوب ”الحيونة“ الى أقصاه.

والكلام لا يستثني أحداً، لا في الحيونة التي لا عذر لها ولا تبرير، ولا في وقفة الضمير المُهاجِر، فالحال من بعضه لدى الجميع، والكل مدعو الى نبذ إدمـان طال أمده، سكوت، خضوع، ذل، خنوع، تخاذل، ميوعة، وافتح خيالك على ما تريد، فقد سقطت كل الإعتبارات ولم يعد من بد أن تُقال الحقيقة كما هي، لعلنا نسبق وإن بلحظات فوات الأوان، كم أود أن تضرب كلماتي كما هي في عمق الإنسـان منا، أي إنسـان، هذا إن تبقى فينا حس إنسـان او بضعة ”إنسانية“، ورغم الخبر اليقين أنها مفقودة، إلا أن رهاني وإن كان خاسراً لا يزال موجودا.

البلاد تستحق منا وقفة ضمير وإن كان غائباً، أين أصحاب الضمائر الحيّة، أين أصبحوا، أين غادروا وأين حطّ بهم الرحال؟ فلتان حيونة مشهود وغير مسبوق، جميعنا على حافة الهاوية والكل يرقص على وقع موسيقى النهاية دون أن يرف له جفن، ”مسلخ“ مفتوح والسوق مزادات بهائم، نعم ودون أن يرف لي جفن أيضاً، أقول كلماتي كما هي وبما تعني، فهذا واقع الحـال والأمر الواقع يحكمنا، ”الأمر الواقع“ لم يعد ميليشيـا وسلاح فقط، فالبطالة أمر واقع أيضاً، الجوع أمر واقع، وكل حق لم يعد وراءه مُطالب أمر واقع بامتياز.

المشهد كالتالي.. هناك حيوان يُذَل ولا يسأل، وآخر يَذُل ولا يُسأل. هذا واقع حـال لبنـان، إنتخابات.. إنما لملكات وملوك الجمال، مهرجانات وفرق أجنبية بالجملة والمفرق، سهرات، حفلات واحتفالات، عُري أسقط كل أوراق التوت، فجور، ”شواطئ ترف“ تغص قبل الأغنياء بذوي الدخل المحدود وفقراء تنهكهم قروض المصارف، هؤلاء أنفسهم، وبلحظـات يسيرة، وعلـى مواقع التواصل الإجتماعي فقط، تنقلب جميع معادلاتهم، فتهزهم مشاريع إيران، يؤرقهم وضع حزب الله، يقلقهم توقيت رحيل الأسد، يُربكهـم الفن التكفيري، وفي المقـابل، مواطن ”حيوان“ من نوع آخر، لم يعد يملك ما يسد به رمق أطفاله، يبتسم دون تردّد مُعلناً رضاه عـن الأوضاع وحاله.. ”هيدا نحنا، هيدا لبنـان؟“، أبداً، لبنـان لم يكن يومـاً هكذا إلا حين أعلن المواطن فيه الإنشقـاق عن فعل الأنسنة الطبيعية، وموالاته لفعل الحيونة بقرار نهائي لا رجوع عنه.

رأيتهم في الشوارع يتظاهرون ويعترضون ويقاتلون إلا في سبيل ما حُرِموا منه، أبسط مقدرات العيش الكريم، وإن قدّر الله وفعلوا، فغب الطلب لحراك سياسي يريد شل البلاد وإنهاكهـا.. هل هناك أفعال أقرب الى ”الحيونـة“ مما يرتكبه مواطن لبنـاني؟ وبما أن لا الطبع ولا التطبع يتماشيـان مع المرحلة والموضة، فقد بات المطلوب أصعب مما كنا نتصور ببعيد.. ثورة على الحيونة.