تنسيق مع رئيس دولة… أم “أمير حرب”؟ – سركيس نعوم – النهار

يعتقد النظام السوري أنه نجح أخيراً في إقناع المجتمع الدولي، وتحديداً أعداؤه فيه، بأنه يخوض في بلاده حرباً ضد الإرهاب الإسلامي الأصولي التكفيري الذي يهدِّد الأقليات المتنوِّعة والمعتدلين السنّة في المنطقة. ما دفعه إلى هذا الإعتقاد إعتراف مسؤولين أميركيين كبار بأن النجاح في ضرب “داعش” في العراق لن يُنجز إذا لم يُضرَب في سوريا أيضاً. وقد ترافق ذلك مع تحليلات سياسية – إعلامية لفت كاتبوها إلى احتمال بحث الإدارة الأميركية جدياً في هذا الأمر ليس لأنها لم تعد تعتبر نظام الأسد سيئاً بل لإنها تأكَّدت أن “داعش” والتنظيمات المماثلة هم الأسوأ، ولأن مقولة عدو عدوي صديقي صارت قاعدة في التعامل الإنساني والسياسي والعسكري.
وقد عبّر عن هذا الاعتقاد أخيراً وزير الخارجية وليد المعلم، إذ أكدّ أن “بلاده جاهزة للتعاون والتنسيق مع الدول الاقليمية والمجتمع الدولي من أجل مكافحة الإرهاب”، سواء من خلال “إئتلاف دولي أو تعاون ثنائي”. لكنه أرفق موقفه بشرط هو “ضرورة التنسيق مع الدولة السورية بقيادة الرئيس بشار الأسد”. كما عبّر عنه حلفاء له في لبنان ولكن بأسلوب متشدِّد وفج وفوقي يناقض التهذيب المعروف عن المعلم، إذ طالبوا أميركا بالتراجع عن سياستها السورية، وهدّدوا بالحليف الروسي ودوره في مجلس الأمن للضغط على المجتمع الدولي، بغية ربط قيام التحالف الدولي لضرب الإرهاب “الداعشي” وأي إرهاب مماثل له بالعودة عن سلبيته الثابتة حيال نظام الأسد.

هل الاعتقادات المذكورة أعلاه في محلها؟




لا مجال لذلك، إنهم يحلمون، يجيب متابع أميركي مزمن للوضع في المنطقة ولا سيما للعلاقة السورية – الأميركية. فالرئيس باراك أوباما لن يتعامل مع الرئيس بشار الأسد ونظامه في ظل أي ظرف. وأسباب موقفه السلبي هذا كثيرة، منها أولاً أن محيط الرئيس السوري بأعضائه كلهم أو بمعظمهم مدرجون على لائحة العقوبات الأميركية. ولو لم يكن هو رئيساً للدولة لكان اسمه موجوداً على اللائحة نفسها. ومنها ثانياً أن الرئيس الأميركي سيخسر، في حال عودته إلى التعامل والتنسيق مع الأسد، ثقة حليفته الأساسية في الخليج المملكة العربية السعودية وسائر دوله، وفي الوقت نفسه ثقة المسلمين السنّة في العالم العربي والمنطقة أو على الأقل غالبيتهم. ومنها ثالثاً انه سيعرّض نفسه وإدارته كلها إلى إنتقادات كثيرة وعنيفة من الكونغرس الأميركي بمجلسيه ومن الغالبية الساحقة من أعضائه. وهم ينتمون إلى الحزبين الرئيسيين في البلاد الجمهوري والديموقراطي.

ومن شأن ذلك تعريته، وفي الوقت نفسه إيقاعه في أزمة جدية في الإنتخابات النصفية للكونغرس التي ستجرى في خريف العام الجاري، كما في الإنتخابات الرئاسية المقررة في العام 2016. وبوادر تأثير الموضوع السوري على “الرئاسية” بدأت في الظهور إعلامياً قبل أشهر أي قبل “النجاحات” التي حققها “داعش” في العراق، وقبل متابعة القتال “الناجح” في سوريا (القلمون) رغم زعم النظام أن معركته انتهت ولمصلحته قبل أشهر. فوزيرة الخارجية في الولاية الأولى لأوباما وضعت مسافة بينها وبينه في “مذكراتها” التي نشرتها بعد استقالتها من منصبها، كما من خلال تصريحاتها الإعلامية الأخيرة. إذ قالت في الأول أنها ومسؤولون كبار في الإدارة عسكريون ومدنيون لم يكونوا مرتاحين لموقفه العملي من الأسد ونظامه رغم سلبيته السياسية تجاههما إعلامياً فقط.

إلى ذلك يقول المتابع الأميركي المزمن نفسه، لن تربح أميركا شيئاً من مساعدة الأسد بضرب المتشددين والإرهابيين في بلاده الذين صاروا يمتلكون أسلحة قادرة على إسقاط الطوافات العسكرية. أما أنصاره المراهنون على تعاون أميركي معهم فينطلقون من اقتناع بقدرتهم على المساعدة في ضرب “داعش”. لكن هذا الأمر ليس ثابتا. فنظامه ما كان ليبقى لولا مساعدة إيران وروسيا وتنظيمات لبنانية وعراقية، ورغم ذلك فإنه لم يستعد سورياً كما وعد، الأمر الذي اضطره إلى القول أنه نجح في الصمود. فضلاً عن أنه يتجاهل، أو ربما لا يعرف أن نظاماً اقليمياً قد انهار وتنهار معه كيانات وأنظمة، وأنه لا يستطيع المحافظة على نظامه سواء تعاونت معه أميركا أو لا.

هل يمكن الركون إلى هذه التحليلات التأكيدية؟

مع الدول الكبرى لا أحد يعرف. فالمصالح وحدها تحرِّكها. لكن إذا حصل تعاون ما يوماً ما فإنه قد يكون تعاون بين أميركا و”أمير حرب” يسيطر على قسم من سوريا وليس مع نظام ودولة ورئيس لها.